الرجل الذي أمسك المغرب بقبضته الحديدية منذ السبعينيات عزله الملك الجديد في وقت سابق من هذا الشهر، لكن لم يتضح ما إذا كان أمن الدولة الذي خضع له طرح الأصفاد جانبا، أم أن ذلك كان مجرد تغيير للحرس·
ووفق ما جاء في صحيفة "الأوبزرفر" الأسبوع الماضي فأنه من الأوساط الدينية الى الأوساط الليبرالية، رأى الناس في عزل وزير الداخلية أدريس البصري انعتاقا· ففي جيل كامل، كمم البصري أفواه المغاربة بواسطة "تدابير إدارية" من الإقامة الجبرية حتى منع السفر· والآن، صارت مزرعة البصري قرب الرباط، حسب ما تقول مصادر قوى الأمن، تقع تحت حراسة الشرطة، وأن 30 من أعوانه بينهم حكام مقاطعات ورجال أعمال كانوا حتى قبل أيام شخصيات لا تمس، سحبت جوازات سفرهم وأسماؤهم تسربت الى الصحافة·
وبين هؤلاء زوجة الوزير فتيحة وثلاثة من أبنائه·
ارتقى البصري صفوف الشرطة السرية طوال 25 سنة بصفته القبضة الحديدية للملك الحسن الثاني· ومن المتظاهرين العميان العاطلين عن العمل الى العائلات المحرومة المغمورة المقيمة على أراض مشتهاة إنما غير مملوكة، أمضى المغاربة جيلا وهم يتلقون الصفعات والتهديدات والابتزازات من "بلطجية" الوزير· وكان سقوط الوزير قاسيا بقدر كونه سريعا· فخلال رحلة للوزير الى خارج العاصمة، أرسل الملك محمد السادس، الذي تولى العرش مكان والده المتوفى في 11 يوليو الماضي، رجال الاستخبارات حتى يغيروا أقفال وزارة الداخلية، ثم أعلن إقالة البصري في نشرة أخبار الساعة الواحدة· وهكذا لم يسمح للبصري قط بأن يعود الى مكتبه· وقال خليفته أنه سيعمل على تعزيز الحريات والديمقراطية في المغرب·
وبدأت التحقيقات لمعرفة كيف تحول ابن حاجب في إحدى المقاطعات ليغدو أحد أغنى رجال المملكة· فممتلكاته تضم ملعبا مضاء للغولف في حوض بوزنيقة ومنتجعين سياحيين فاخرين وشقة دوبلكس قيمتها نحو 1,5 مليون جنيه استرليني في باريس على نهر السين، في حين أن أكثر من أربعة ملايين مغربي يعيشون بأقل من دولار في اليوم·
حين تهاوت امبراطوريته، لجأ البصري طلبا للسترة الى بساتين البرتقال والأوكاليبتوس التي يملكها في نادي الغولف· وهو يمضي الآن أيامه بالتمسك بلقبه الرسمي الأخير وهو رئيس اتحاد الغولف وبتحسين مهارته غير الكبيرة في اللعبة· ويقول الناس إن رميه الكرات أقل خطرا من رميه الناس·
ويتسابق المغاربة في إبداء الولاء للملك الجديد احتفاء بسقوط البصري· فالشبان يصطفون أمام حوانيت الحلاقين حتى يقصوا شعورهم تقليدا لقصة الملك العسكرية التي صارت موضة· وفي جنيف، يرفع أحد ضحايا التعذيب دعوى بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق البصري·
ليس من المرجح أن تظهر الحقيقة الكاملة· فقبل أيام من سقوط البصري اندلع حريق في أرشيف الاستخبارات في وزارة الداخلية في تيمارا جنوب الرباط فحولته رمادا·
لكن في حين يجهد الملك لتحرير المغرب من مخالب البصري الذي كان يسيطر على كل شيء بدءا من محتويات سلال المهملات الى الانتخابات المزورة، تتصاعد هموم المغاربة بشأن مقدار تحرر المغرب· فمن المدير العام لوزارة الداخلية فؤاد عالي الهمة الى الرئيس الجديد لوكالة الصحافة الحكومية، يعين الملك الجديد أقرانه الموثوق فيهم أيام الدراسة في المناصب العليا·
هذه الفورة يمكن أن تتصاعد حتى ترقى الى حملة على الخصوم الجدد· فالصحافة نفسها التي كانت تذعن حتى قبل أيام لاستدعاءات وزارة الداخلية، صارت تسمي مساعدي البصري "أعوانا"· والشرطة تنقب الآن في حقائب وسيارات موظفي وزارة الداخلية عندما يعودون الى منازلهم من العمل· ويقال إن ثلاثة من أقرب مساعدي البصري اختفوا·
ودافع حسن أوريد الناطق باسم الملك الجديد عن الهجوم على جهاز أمن البصري بقوله: "الملك الراحل كان أسير نظام كوّنه بنفسه، والملك الجديد لديه هامش أفضل للمناورة"·
وينعم المغرب الآن بانفتاح سياسي غير مسبوق، فالبصري كان أستاذا في القمع· والسجناء السياسيون الذين تيسر لهم الخروج أحياء من سجونه يتذكرون كيف كانوا يربطون بالمراوح المعلقة في السقف ليدوروا مثل مراوح الهيليكوبتر والحجَّاب يجلدونهم من تحت· والبصري هو الذي وقّع قرارا يجرد الشيوعي اليهودي إبراهيم السرفاتي من جنسيته بعدما أمضى 17 عاما في السجن لتأليبه العامة على النظام· وأعلنت السلطات أن السرفاتي برازيلي (لأن والده عاش في البرازيل) ثم نفته الى فرنسا·
بقي البصري يسحق ضحاياه حتى اللحظة الأخيرة· ففي 31 أكتوبر الماضي، ضربت شرطته المتظاهرين في الصحراء الغربية المتنازعة فبلغت التوترات ذروتها منذ 1991 عندما وافق المغرب على استفتاء ترعاه الأمم المتحدة بشأن تقرير مصير هذه المنطقة· والشرطة ضربت النساء على ظهورهن والرؤوس، حسب ما تقول مصادر دبلوماسية، وعذبت أخريات بالكماشات حتى انشقت الجلود عن اللحم الحي·
لكن إقالة البصري لا تلقى ترحيب الجميع· فالبعض يرى فيه منقذا حافظ على استقرار المغرب عندما أخذ التطرف الإسلامي ينتشر فوق الجزائر·