· تقليد الغرب يعطل العقل والتقليد في الدين يقود إلى الجمود
· أي نظام يحقق العدالة لاجتماعية هو نظام إسلامي
· الإسلام لم يُحرّم الغناء ولا التصوير والأحاديث في ذلك موضوعة
· الاستبداد السياسي يؤدي إلى الغلو في الدين
كتب المحرر الثقافي:
أقيمت مساء الجمعة الماضي ندوة ثقافية تحدث فيها المفكر الإسلامي المعروف د· محمد عمارة عن "التجديد في الفكر الإسلامي" ، وقد تأخرت المحاضرة أكثر من ثلاثة أرباع الساعة عن موعدها المقرر، وحضر جمهور كثيف نسبيا قياسا بباقي المحاضرات بسبب حساسية الموضوع المطروح·
التجديد سنة إلهية
بدأ الدكتور عمارة حديثه بتعريف التجديد ومضمونه والتباساته، فرأى أن التجديد سنة إلهية، وأن التجديد ضرورة تتعلق ببنية الإسلام، إذ إن الشرائع السابقة كانت محلية وموقوتة بزمن معين أي أنها مرحلية، لذلك لم تكن هناك ضرورة للتجديد: أما الإسلام الذي هو خاتمة الشرائع فقد جاء للبشر كافة ولكل زمان ومكان، فكان وقوف الشريعة عند الكليات، عند فلسفة التشريع لا تفاصيل التشريع كي تكون صالحة لكل زمان ومكان وتكون خالدة، وتركت التفاصيل لعلم الفقه الذي هو علم الفروع، ومن هنا يرى عمارة أنه من غير التجديد يستحيل أن تكون الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فهناك إذاً علاقة عضوية بين التجديد والشريعة الإسلامية·
والتجديد لا يكون في الثوابت، وبعض الناس يخطئ حين يظن أن كل ما كتبه الأقدمون هو مساحة المعلوم، فإن هناك معاملات بابها مفتوح للاجتهاد، حتى العقيدة، وهي من الثوابت، يحدث فيها تجديد بإزاحة ما يعتريها من البدع والزوائد والنقصان، فقد قال الرسول ([): "جددوا إيمانكم· قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: أن تكثروا من قولكم لا إله إلا الله"·
التجديد والحداثة
وقال د· عمارة إن الفقه الإسلامي ميدان التجديد، وهناك خلط في المصطلحات، فالمصطلح كالإناء والمشكلة هي فيما يحتوي هذا المصطلح، فكثير من المصطلحات تنقل دون التدقيق فيها، إذ إن المصطلحات الغربية كانت بنت بيئتها، ولا يصح معناها حين ننقله الى بيئة أخرى، حتى (الدين) فإنه مصطلح إنساني وله مدلولات مختلفة، و(الإقطاع) مثلا يأخذ معنى معينا في الثقافة الغربية، إلا أنه في الإسلام يدل على تمليك المنفعة· ولذلك إن مصطلح التجديد يحتاج الى الضبط، فقد يخلط البعض بينه وبين الحداثة بالمعنى الغربي الذي هو حداثة قطعت الصلة بالدين، أما في الإسلام فإنه لا يقيم قطيعة مع الفكر الديني لأنه منهج وسطي·
الاستبداد السياسي أساس الغلو الديني
ووقف الدكتور عمارة وقفات تطبيقية مع مصطلح التجديد، فقال إننا نحتاج الى التجديد في الكثير من الأمور، ففي الفقه السياسي نحتاج الى التجديد، إذ شهدنا الكثير من الاستبداد أيام المماليك والعثمانيين، دون أن ننسى أنه كانت لهم إيجابيات إذ حموا الحضارة الإسلامية· فمن سلبيات تلك الفترات أن الأمم في لحظات الاستضعاف يكون صدرها ضيقا للحرية والتجديد، فالقوة هي التي تقود المجتمع حين يكون وجوده مهددا، فذبل الفكر السياسي في تلك المرحلة، ومثال ذلك أن صلاح الدين الأيوبي حبس السهروردي حتى مات على الرغم من أنه كان معجبا به، ولكنه أراد القضاء على فتنة جانبية، فالإنسان المريض يؤذيه حتى الهواء العليل، وهذا ما جعل الغلو الديني يسود، وهناك أيضا غلو لا ديني·
من العبث أن نعيد الخلافة!
وقال د· عمارة إن هناك من يتكلم عن "الخلافة" في ضرورتها القديمة، ورأى أن جميع النظم في الإسلام بشرية، فنحن الذين نصنعها ونطورها، والشورى فريضة أما أشكالها فهي بشرية ومتغيرة، وجوهرها اشتراك الأمة في صناعة القرار·
أما في مجال الاقتصاد فقال: إن هدف الإسلام وغايته تحقيق العدل، بغض النظر عن النظام الاقتصادي القائم، فقد يكون رأسماليا أو اشتراكيا، فأي نظام يحقق العدل يكون هو النظام الإسلامي· وللتدليل على أن هناك سنة تشريعية وسنة غير تشريعية قال إن الرسول ([) كان يقسم الجيش الى ميسرة وميمنة، ولكن هل نستطيع الآن أن نتبع هذه السنة؟!·
وقال د· عمارة إنه من العبث أن نعيد شكل الخلافة الآن، ولكن هناك أشكالا أخرى يمكن أن نوحدها، واستشهد بالسمهوري علاّمة القانون الذي وضع اجتهادا لشكل معاصر للخلافة على صورة (عصبة إسلامية)، فالمطلوب شكل من التضامن الإسلامي مع بقاء أشكال الأنظمة الإسلامية (ملكية أو أميرية أو جمهورية)، على أن تبقى هناك رابطة تجمع الأمة في ثوابتها·
الاستخلاف··· طريق ثالث
وفي الفقه الاجتماعي قال إن البشرية جربت النموذج الاشتراكي والنموذج الرأسمالي، وهناك من يبحث عن طريق ثالث، ولذلك ألا يحق لنا أن ننظر فيما نملكه، وعندنا نظرية وسطى وهي (الاستخلاف)، فالإنسان في الإسلام خليفة عن الله وله قدرة وفاعلية، وفي نظرية (الاستخلاف) الملكية لله ولكن لا يعني ذلك إلغاء الملكية الخاصة المحكومة بالحلال والحرام· ورأى الدكتور عمارة أن تقليد النموذج الغربي يعطل العقل، كما أن التقليد في الفكر الديني يقود الى الجمود·
البنوك والفائدة
وتحدث الدكتور عمارة عن البنوك وقال إنه موضوع يحتاج الى التجديد أيضا ولا سيما موضوع الفائدة، فنظام المصارف صنعه اليهود وهو ابن نظام اجتماعي بعينه، فلا بد من نظرة جديدة الى فلسفة المال، فالمال في الإسلام ليس سلعة وإنما هو بدل من السلعة، لأن التجارة بالمال تؤدي الى التضخم في حين يربط الإسلام المال بالإنتاج، وتلك هي فلسفة الإسلام، مما يجعل الحديث عن الفائدة قضية مهمة كتب فيها ابن القيم كتابات نفسية تجعلنا نفيد فهم الفائدة والربا فهما صحيحا·
التكافل الاجتماعي
ومن القضايا التي تحتاج الى التجديد في الفكر الإسلامي قضية "التكافل الاجتماعي"، فالطبقات موجودة والإسلام لا يمنع التمايز لأنه أمر طبيعي كتمايز أعضاء الجسد الواحد، ولكن التكافل الاجتماعي يشكل رابطا حقيقيا بين هذه الطبقات، فلماذا لا تتحول الزكاة الى مؤسسة تنموية، ولو أنشئ صندوق تنموي من الخمس الذي يخرج من الأرض لحل الكثير من المشكلات الاقتصادية والتنموية في ديار الإسلام·
لا دار حرب ودار إسلام
وتوقف د· عمارة عند قضية العلاقات الدولية، فقد قسّم بعض الفقهاء العالم الى دار حرب ودار إسلام، وكان هذا التقسيم محكوما بظروف تاريخية خاصة، لأن تلك الأمم كانت تجيّش الجيوش وتحارب الإسلام، ولم يعد هذا التقسيم قائما الآن، ودعا الى مقولة طرحها في كتبه وهي تقسيم العالم الى أمة إجابة (الإسلام) وأمة دعوة·
ثم تطرق الى موضوع الأقليات قائلا إن الكونغرس الأمريكي في زمن العولمة هو الذي يشرع للعالم، ونحن محتاجون الى فقه الأقليات، والمسلمون أولى الناس بهذا الفقه، لأن هناك مسلمين كثرا يشكلون أقليات في مجتمعاتهم، كما في الهند وفي أوروبا مثلا· وهو يرى أن للأقلية أن تقيم دينها وليس لها أن تكون (فيتو) على هوية الدولة، إذ لا يعقل أن يطالب المسلمون بحكم إسلامي في فرنسا وهم أقلية قليلة فيها، لهذا ينبغي أن يكون لدينا معيار عالمي بشرط ألا تجور هوية الدولة على الأقلية·
حقوق المرأة السياسية
وعن حرية المرأة قال د· عمارة إن عندنا نموذجا إسلاميا لتحرير المرأة، وعندنا مساواة كاملة بين الرجال والنساء، وإذا كان الغرب قد جعل المرأة ندا للرجل فاسترجلت المرأة وتخنث الرجل، فإن الإسلام نظر إليهما على أنهما شقان متكاملان لا ندان، وقال إن الرسول ([) عندما بايع النساء قال لهن: "فيما استطعتنّ"·
وقال في رده على سؤال حول حقوق المرأة إن الإسلام منح المرأة حريتها السياسية، وإن الشفاء التي ولاها عمر بن الخطاب على السوق كانت بمنزلة وزيرة التموين، وقال إن الولاية العامة غير موجودة حتى عند الحكام لأنهم أشبه بالولاة في العصور الإسلامية، وقال ساخرا إن الولاية العامة هي لأمريكا اليوم· وقال إن بيعة العقبة كان فيها 75 رجلا وامرأتان وهي أول جمعية عمومية (برلمان) لدولة الإسلام·
الغناء والتصوير حلال
ومر د· عمارة بقضايا أخرى تحتاج الى التجديد فيها، مثل الفنون والآداب، إذ إننا كلنا نشكو من الغزو الفكري الذي يمسخ هويتنا، وهذا يعود الى ما قاله سابقا مالك بن نبي من أن الفراغ لا بد أن يمتلئ، ولذلك فإذا لم يكن لدينا تجديد وصياغة إسلامية للآداب والفنون فإن الفراغ سيملأ بالفكر الاخر·
وعرج على تحريم الغناء فقال إن ابن حزم وهو من هو في مجال الحديث والرواية قال إن الأحاديث التي تحرم الغناء موضوعة، وهناك أحاديث نبوية شريفة تدل على أن الغناء كان موجودا في عصر النبي ([) ولم يحرمها·
كذلك الأمر بالنسبة الى التصوير الذي حرمه بعضهم، فإن الصورة التي حرمت هي الصنم المعبود ليس غير، كما في الحديث النبوي الذي يتحدث عن انحياز كل فئة من البشر يوم القيامة الى معبودهم·
...حتى العبادات!
وانتهى د· عمارة في حديثه الى أنه حتى العبادات تحتاج الى لون من الإحياء، ولهذا ألف الغزالي (إحياء علوم الدين) لإحساسه بتلك الحاجة· ودحض مقولة انتشار الإسلام بالسيف مدللا بأن عدد القتلى من المشركين والمسلمين بلغ 386 قتيلا وشهيدا أيام الدعوة الإسلامية، في حين كان عدد البعوث العلمية وبناء المساجد أكبر من ذلك بكثير·