· قدر الناس أن تشيخ وتهرم وتدخل غرف العناية المركزة.. وعندما يحدث ذلك للأوطان فإنها تتلاشى!
كتب محرر الشؤن السياسية:
لاحظت أوساط المراقبين السياسيين في الكويت أن القلق حول أوضاع الحكم وإدارة اتخاذ القرار في الكويت والذي كان مثار نقاش الأوساط السياسية في الكواليس وتعاظم في الأوقات الأخيرة، قد بدأ ينتقل وبسرعة الى حديث المنتديات والدواوين ويصبح محور النقاش العلني فيها· فلقد أصبح واضحا للعيان وبصورة لا تدع مجالا للشك أن الأمور ليست كما تُصور من أنها قد صُححت وأن هناك انتقالا مركز اتخاذ القرار حسم كل صراع· وقالت إن أبلغ مثال على ذلك هو ما آل إليه مرسوم حقوق المرأة الذي جاء بمبادرة أميرية سامية، فلقد كان متوقعا أن تستنفر الحكومة قواها لإسناد المرسوم، وكان في يقين المتابعين عن كثب أن النواة واللولب الأساسي للتحرك لإسناد "المبادرة" هو موقف موحد ديناميكي من الوزراء من أفراد الأسرة الحاكمة داخل الوزارة يكون رأس حربة لتمرير المرسوم أو على أقل تقدير للحيلولة دون سقوطه· ولكن ما أذهل الجميع هو حالة انعدام الجاذبية والتأثير بل والشلل الذي أصاب تلك النواة في إسناد "المبادرة"· وهذا في تقدير أولئك المتابعين عن كثب أمر غير مسبوق·
وقالوا إن الموقف النبيل الذي نقل عن صاحب السمو الأمير والذي أوضح أن ما يريده هو إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية وليس مهما أن يكون ذلك من خلال مرسوم أو قانون لا يبرر أو يفسر ما حدث·
كما أن الخطاب البليغ والمليء بالنوايا الحسنة الذي ألقاه الشيخ صباح الأحمد في مجلس الأمة قبل التصويت على المرسوم والذي أصَّل فيه مبررات مرسوم المبادرة من النواحي الدستورية والشرعية والسياسية والإنسانية لا ينعكس على موقف الحكومة كفاعليه وبالذات على تحرك ونشاط الوزراء من أبناء النظام، وخصوصا في الوزارات الأمنية التي تمسك بخيوط كثيرة في مجلس الأمة·
لكن بعض المحللين السياسيين فسر الأسبوع الماضي التهاون الواضح للعيان في موقف الحكومة من المرسوم من أنه ينطلق من عدة اعتبارات: الأول أن هناك أغلبية كبيرة ضد المرسوم يدخل من ضمنها عدد لا يستهان به من النواب الذين يعارضونه لأسباب دستورية وليس من حيث المبدأ·
والثاني هو أن الشيخ صباح الأحمد لا يريد أن يدشن عهد قيادته للحكومة بالصدام مع المجلس بل يريد أن تكون العلاقة علاقة أخذ وعطاء، والثالث أن النواب القبليين ينطلقون من مواقع اجتماعية محافظة ويتعرضون في الوقت نفسه إلى ضغوط ناخبيهم التي أججها إرهاب الأحزاب الدينية التي تتخذ من موضوع المرأة ذريعة للانتشار بين القبائل، لتعزيز الخليط المتفجر الناتج عن خلط التعصب الديني بالتعصب القبلي، مما يسهل لها أهدافها المشبوهة ولو على حساب الوطن·
ولذلك يقول المراقبون إن إعطاء نواب القبائل المحسوبين على الحكومة الفرصة للوقوف ضد المرسوم في هذا الجو السياسي المشحون لتلميع أنفسهم أمام ناخبيهم وإعلان موقفهم بصوت عال مما يخلق الظروف التي تسمح بتغييبهم عن جلسة مجلس الأمة التي يناقش فيها مشروع قانون الحقوق السياسية للمرأة دون مشاكل تذكر ويُمنح المؤيدون فرصة تمريره·
لكن تطورات هذا الأسبوع وطبيعة التصويت التي حدثت على مشروع قانون المرأة وثبات موقف النواب المحسوبين على الحكومة من نواب القبائل وعدم تخلف أحد منهم بمن فيهم نواب "الصندوق" وبالتالي سقوط "المشروع" ينسف كل تحليلات الأسبوع الماضي وينقل الأمر الى مستوى آخر· فلقد أصبح واضحا لمتابعي الأحداث أن ما يجري في الحكومة لا يعبر عن حالة شلل بل هو في حقيقة الأمر عودة لحالة صراع مفتوح ينذر بالتفاقم ويشكل مظهرا من مظاهر الوضع الخطير الذي تمر به البلاد·
ويشخّص المراقبون السياسيون الأوضاع بأن المنطقة والوطن العربي بشكل عام يمر في منعطف، وأن رياح التغيير باتجاه ترتيب أوضاع جديدة سواء ضمن الانتقال الطبيعي أو المفاجئ لسلطات الحكم من جيل إلى آخر أو الانتقال القسري تجيّر كلها لمشروع خلق مناخ جديد موائم لمصالح الدول العظمى ولصالح ترتيب نهائي للتسويات في الشرق الأوسط· ويعددون نماذج انتقال السلطة كنموذج المغرب والبحرين أو نموذج الأردن أو نموذج قطر، دون إغفال احتمالات أخرى!
ويضيف المراقبون أن من أهم الترتيبات التي يجري الإعداد لها وربما تفاجئنا في أي لحظة هو تغيير الوضع في العراق وإعادة صياغة دوره في المنطقة، ويقولون إن الكويت بلد صغير وإن دورنا محدود وقدراتنا على التأثير في الأحداث ضعيفة، ولكن التغييرات في المنطقة ربما لا تستثني أحدا، وخصوصا أن الأوضاع في مؤسسة الحكم مفتوحة لكل الاحتمالات ومن الواضح أن وضعنا المعلق على صروف الأقدار لا يمكن أن يضع قرارا أو يتخذ موقفا مصيريا، بل إن وضعنا المهلهل الذي تتنازعه الصراعات يسمح للآخرين ممن قلوبهم ليست على الكويت بل على "مصالحهم القومية" أن يفكروا بمختلف السيناريوهات والتي قد لا يكون تاريخنا قد شهدها أو حلمنا بالوصول إليها·
ويضيفون أن الأوضاع المقبلة في العراق تستدعي أن تكون أوضاعنا الداخلية صلبة ومتينة وأن نكون جاهزين متحفزين للتعامل معها لدرجة الوقوف على أطراف أصابع أقدامنا، وكذلك للتعامل مع المستجدات بمنطقة الخليج والوطن العربي، ولكن الشلل يلفنا من كل صوب·
وتتداول الأوساط السياسية الخلخلة والفراغ في مؤسسة الحكم مما يمزق القرار ويشتت التركيز ويغلف الرؤية السليمة مما قد يؤدي بالبلاد إلى الاصطدام بأوضاع خطيرة إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه·
ويقول قطب شعبي مخضرم وهو يتأمل أوضاع البلاد بأسى إن الأشخاص يشيخون ويهرمون وإن بعضنا يهده المرض وربما أدخلنا العناية المركزة وعشنا تحت عناية الله ومساعدة الأجهزة الطبية فهذا قدرنا كبشر لكن الأوطان يجب ألاّ تشيخ ولا تهرم ولا يجب أن تدخل غرف العناية المركزة، لأنها إذا فعلت ذلك انهارت وتلاشت· ويضيف: لذلك فإن التجديد والحيوية والشباب يجب أن تكون الصفة الدائمة للبلدان والشعوب الحية، وأن على القيادات الحريصة على أوطانها أن تتأكد من تدفق دماء الشباب والحيوية في مراكز صنع القرار·
وتتابع دواوين الكويت هذا الحديث الذي بدأ يتصاعد حول مستقبل البلاد حيث تُجمع أن هذا الموضوع لا يخص فقط العائلة الحاكمة بل يهم كل كويتي، ذلك أن بناء الكويت سواء كان من أفراد الأسرة أو من غيرهم من مواطنين يشتركون على قدر المساواة في الالتحام وحب الوطن فقد أثبت الاحتلال العراقي ذلك المصير المشترك، ولذلك يجمع المراقبون السياسيون الآن على أن الحديث حول مؤسسة الحكم يجب أن يكون الشغل الشاغل لكل أبناء الوطن·