بعد نحو ستة أشهر من طرد صدام حسين المفتشين الدوليين عن الأسلحة العراقية، اقترب أعضاء مجلس الأمن الدولي من إبرام اتفاق على قرار قد يؤدي إلى استئناف عمليات التفتيش الرامية إلى منع بغداد من الحصول على أسلحة غير شرعية، حسب ما صرح مسؤولون من الولايات المتحدة ودول حليفة لها·
وكانت إدارة الرئيس بيل كلينتون تسعى منذ أشهر إلى العثور على صيغة يمكن أن يسمح وفقها صدام حسين للمفتشين بالعودة إلى العراق· فإذا تعاون العراق مع المفتشين، يمكن أن يعلق مجلس الأمن عقوبات دولية أدت إلى تمزيق الاقتصاد العراقي وحرمت العراق من استعمال عائدات النفط إلاّ لشراء الأغذية والإمدادات الإنسانية·
وقد بادرت روسيا وفرنسا بتقديم اقتراحات متنافسة يمكن أن تكون أكثر تساهلا في تفسير التزامات العراق في ما يخص نزع الأسلحة وفق اتفاق وقف النار الذي أنهى حرب تحرير دولة الكويت، فهذان البلدان، على قدم المساواة مع أمريكا وبريطانيا والصين، يتمتعان بحق النقض "الفيتو" لإبطال أي خطة لا تروقهما·
غير أن فرنسا أبدت بعد تنازلات من الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، رغبتها في قبول اقتراح تدعمه واشنطن، والخطة التي قدمتها أصلا بريطانيا وهولندا، ترمي الخطة إلى تعليق العقوبات لا رفعها بعد فترة محددة من الإذعان العراقي، وربما يكون على مجلس الأمن أن يصوت على مواصلة تعليق العقوبات كل مئة يوم، وهكذا يكون بإمكان الولايات المتحدة أن تعيد فرض العقوبات من جانب واحد بنقض أي تعليق·
ويقول مسؤولون أمريكيون إنهم يتوقعون أن تحذو روسيا حذو فرنسا بدلا من المخاطرة بعزل نفسها في مجلس الأمن، أما الصين التي لم تؤد أي دور مهم في المناقشات فمن المرجح أن تسير حسب إرشادات موسكو في القضايا المتصلة بالعراق·
وقال أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الأمريكية "لقد كسرنا القوقعة" وهو يعلق على المناقشات التي كان يفترض أن تستأنف أمس بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، غير أن هذا المسؤول اعترف أن النجاح غير مضمون، ولم يتضح أيضا ما إذا كان مثل هذا القرار "التعليق" مقبولا من صدام حسين الذي رفض حتى الآن السماح باستئناف عمليات التفتيش الدولية·
ولفت المسؤولون الأمريكيون إلى أن صدام حسين كان يتراجع عن المعاندة في كل مرة يحدث إجماع في مجلس الأمن ونظرا إلى البديل، أي استمرار العقوبات بلا أي أمل في التعليق، فمن المرجح أن يفعل الشيء نفسه هذه المرة حسب ما يعتقدون·
حتى الخريف الماضي كان العراق خاضعا للتفتيش والمراقبة من جانب اللجنة الدولية الخاصة "أنسكوم" المكلفة نزع أسلحة التدمير الشامل العراقية والقضاء على البرامج العراقية لتطوير الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وقد جاء قرار صدام حسين بطرد المفتشين نتيجة لسلسلة من المجابهات بشأن السماح للمفتشين بالوصول إلى مواقع حكومية حساسة فأفضى ذلك بعد أيام إلى هجمات بصواريخ كروز الأمريكية·
ووفق ما يسمى الاقتراح الأنغلو ــ هولندي الذي فضلته إدارة كلينتون، ينبغي على العراق أن يسمح بعودة فريق تفتيش وأن يثبت رغبته في نزع الأسلحة قبل تعليق العقوبات، غير أن روسيا حاججت من أجل تمرير معايير أكثر تساهلا هي تعليق العقوبات بمجرد استئناف التفتيش·
وفي كلتا الحالتين، ستبقى عائدات النفط العراقية تحت رقابة الأمم المتحدة ولا يمكن استعمالها من أجل شراء المعدات العسكرية أو المعدات ذات الاستعمال المزدوج العسكري والمدني· ويقول المسؤولون الأمريكيون إن الخطة الحالية تلبي المطالب الأمريكية الرئيسية في المحافظة على الرقابة الخارجية على عائدات النفط العراقية وإعادة نظام التفتيش وتوفير الحاجات الإنسانية للشعب العراقي، وهذه القضية الأخيرة تتمتع باهتمام كبير من جانب حلفاء الولايات المتحدة في العالم العربي، وقال مسؤول أمريكي كبير: "في المحصلة ستجري الأمور بطريقة تلبي مصلحتنا القومية"·
ومن شأن إحداث اختراق في مجلس الأمن الدولي أن يحقق غاية الولايات المتحدة في إعادة تشديد أواصر التحالف الدولي الذي أجبر العراق على الانسحاب من الكويت·
وقد عزا مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية تطور الموقف الفرنسي في مجلس الأمن "لجهة الاقتراب من الموقف الأمريكي" إلى خوف باريس من احتمال استئناف العراق برامج الأسلحة المحظورة "في غياب التفتيش" لكن مصادر دبلوماسية مشاركة في المفاوضات أكدت أيضا أن واشنطن ولندن قدمتا تنازلات مهمة لكسب التأييدين الفرنسي والروسي·
فالنتيجة الحالية للقرار تسمح للشركات الأجنبية ــ أي الشركات الروسية والفرنسية ــ بالاستثمار في قطاع النفط العراقي· وهي ترفع نهائيا السقف الأعلى لإنتاج النفط العراقي المحدد الآن بقيمة 5.2 مليارات دولار كل ستة أشهر·
وقال أحد الدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات: "يمكننا أن ننظر في إلغاء السقف الأعلى لإنتاج النفط طالما أننا لا نعطي صدام حسين الحرية في طريقة انفاق الأموال، وهذا يرضي مطالب الفرنسيين والروس لأنهم يستطيعون أن يقولوا للعراقيين: أنظروا، لقد حصلنا على ما نريد·
واشنطن بوست