رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 23-29 شعبان 1420هـ - 18 - 7 ديسمبر 1999
العدد 1405

الجزائرمن بلد المليون شهيد إلى بلد المليون يتيم!*

·         السؤال المفيد الآن: لماذا جرى ما جرى وليس من المسؤول عنه؟

·        الثابت أن الجيش في الجزائر هو مصدر السلطات، وليست معروفة بالضبط طبيعة العلاقة بين الرئاسة والقيادة (المقصود بها قيادة الجيش)، في عهد الرئيس بوتفليقة، لكن القدر المتيقن في ضوء التجارب السابقة التي كلما اختلفت وجهات النظر أو المصالح بينهما، فإن الرئاسة هي التي تدفع الثمن وليس القيادة· وقد دفع الرئيسان الشاذلي بن جديد والأمين زروال منصبيهما ثمناً لذلك الخلاف··· أما الرئيس محمد بوضياف فقد دفع الثمن حياته

 

فهمي هويدي**

حين استقلت الجزائر، كنا نشير إليها باعتزاز قائلين: إنها بلد المليون شهيد· وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على الاستقلال، أصبحت الجزائر بلدا آخر، يتحدث المرء عنه بمشاعر كسيرة يختلط فيها الحزن بالرثاء، بعد أن تجلل وجهها بالدم، حتى أصبحت بلد المليون يتيم!

ليس ذلك هو الإشكال الوحيد، وإن ظل الأول بامتياز، وإنما هناك إشكال آخر هو أنه سوف يصعب عليك فهم ما جرى، حتى أزعم أن أصعب سؤال في الجزائر الآن هو ذلك الذي يتعلق بحقيقة ما جرى· أما السؤال المستحيل فهو ذلك الذي يحاول أن يتحرى المسؤولين عما جرى!

قال لي مولود حمروش رئيس الوزراء الأسبق، الذي كان أحد الذين ترشحوا لمنصب رئيس الجمهورية، وانسحب مع المرشحين الخمسة الآخرين: لا تحاول أن تفتح هذه الملفات المعقدة والمسكونة بالجراح والمرارات، فالوقت ليس مناسبا لذلك، والسؤال المفيد الآن حقا هو: لماذا جرى ما جرى، وليس ما الذي حدث بالضبط أو من المسؤول عنه؟

في إجابته عن السؤال: لماذا؟ فإن رأيه باختصار أن الجزائر لم تكن مؤهلة للدخول في طور التحول الديمقراطي والتعددية السياسية، ولم تكن مستعدة لدفع ثمن ذلك التحول الذي كان هو أحد المسؤولين عنه بحكم منصبه كرئيس للوزراء، الأمر الذي أدى الى انقلاب الأوضاع بشكل مريب، وتدخل قوى أجبرته على الاستقالة من منصبه· ولم تكن تلك القوى سوى قيادة الجيش، التي أوقفت المسار الانتخابي فيما بعد، مما أدى الى دوران عجلة العنف واتساع نطاقه على النحو المعروف· 

البيضة والدجاجة

 ذهبت الى الجزائر وفي ذهني قائمة بالتساؤلات التقليدية التي تعلمناها في مهنة الصحافة: من ومتي وكيف ولماذا؟ الى السؤال: ما العمل؟· وحين التقيت الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي تولى منصبه رافعا شعار الوئام المدني والمصالحة الوطنية· وحاولت إثارة تلك التساؤلات كان رده: إن المسألة قد تكون قريبة من مشكلة البيضة والدجاجة وأيتهما أسبق· ثم روى لي قصة ابن شقيقه، الذي اختطف في بلدته قرب وهران في عام 1987، واختفى منذ ذلك الحين، ولم يظهر له أثر حتى هذه اللحظة· وحتى عندما أصبح رئيسا للجمهورية، فإنه وجد أن كل الأبواب موصدة أمامه، وأدرك أنه عاجز عن الإمساك بأي خيط يمكن أن يوصل الى معرفة شيء عن مصير ابن شقيقه، الذي كان آنذاك في الثالثة والثلاثين من العمر· 

اختفاء ابن شقيقه

 هل قتلوه وأخفوا جثته؟ هل ذوبوا جثمانه في حامض ومحوا كل أثر له؟ لا أعرف، وكل الذي أعرفه أن الشاب اختفى منذ اثنى عشر عاما، كأنما انشقت الأرض وابتلعته، هكذا قال "سي عبدالعزيز"، كما يناديه رفاقه في جبهة التحرير·

كانت ملاحظتي الرئيسية أن الحادث وقع في عام 1978، أي قبل انفجار الأوضاع في الجزائر، وقبل ظهور الجماعات المسلحة على السطح· إذا أضفت الى ذلك أن "سي عبدالعزيز" كان آنذاك من المحسوبين على مرحلة الرئيس هواري بومدين، الذين كانوا مهتمين أو معارضين - وكان هو يجمع بين الصفتين - فلم يكن غريبا أن يعتبر عملية الخطف والاختفاء بمثابة رسالة موجهة إليه، وقد استوعبها جيدا، خاصة أنها صدرت في وقت كانت السلطة أثناءها قد قررت وقف راتبه، وسحب سائقه وسيارته· وحينذاك اتخذ قراره بمغادرة الجزائر وقضاء أغلب وقته في أبو ظبي، حيث رحب به هناك صديقه القديم والحميم أحمد خليفة السويدي، المستشار الخاص للشيخ زايد ابن سلطان، وكان الاثنان وزيرين للخارجية إبان سنوات الستينيات التي شهدت موجة المد القومي العربي·

ملاحظتي الأخرى أنه إذا كان مصير الشاب المخطوف لا يزال لغزا، فإن الجهة التي قامت بعملية الخطف ليست لغزا بحال، فإذا كان الرئيس بوتفليقة قد اعتبر العملية رسالة تحذير موجهة إليه -  وهو المعارض - فإن الإشارة الى دور أجهزة الأمن ومسؤوليتها عن الحادث لا تعد من قبيل المبالغة والافتئات في شيء· وإذا كان ذلك قد حدث مع شخصية مرموقة وذات وزن مثل السيد بوتفليقة، فما بالك بغيره من المعارضين أو الخصوم السياسيين؟

أليس واردا أن تكون الأجهزة التي خطفت الشاب وأخفت أثره قد فعلت الشيء نفسه مع آخرين، وإذا كان ذلك قد حدث في مرحلة كان الصراع خلالها سياسيا بالدرجة الأولى، أليس واردا أن يكون قد تكرر على نطاق أوسع، حين انفجر الصراع وأشهر فيه السلاح وأريقت الدماء وساد منطق العنف والعنف المضاد؟ وهل يلقي ذلك بعض الضوء على مشهد اختفاء أو اختطاف عشرة آلاف مواطن جزائري منذ عام 92 وحتى الآن؟ 

هوية الخاطفين

 كنت على عشاء مع عدد من أعضاء البرلمان الجزائري، وحاولت الاقتراب من الموضوع، حيث تعمدت التذكير بقصة اختطاف ابن شقيق الرئيس بوتفليقة، لكي أختبر رد فعل عناصر الطبقة السياسية المعتمدة من قبل السلطة· فسألت الجالسين حول الطاولة عن تصورهم لهوية الجبهة التي كانت تمارس الخطف والتخلص من البشر في تلك المرحلة المبكرة، وما أن ألقيت السؤال حتى ووجهت بصمت استمر لحظات، ولاحظت أن بعض الجالسين تبادلوا النظرات كأنما كانوا يبحثون عن إجابة تستبعد اتهام ضلوع أجهزة الأمن في العملية· وأخيرا قال أحد الجالسين إن السؤال مهم، وإن الأمر يحتاج الى تحر لتحديد الجهة المسؤولة، ولأن الحادث وقع قبل اثني عشر عاما، فإن تحديد تلك الجهة أصبح من الصعوبة بمكان الآن، ويبدو أن تمييع الإجابة على ذلك النحو أراح بقية الجالسين، الذين أمن أكثر من واحد منهم على الكلام، الأمر الذي أدى في النهاية الى تقييد الحادث ضد مجهول! 

أمل معدوم

 خرجت من اللقاء باقتناع مؤاده أنه إذا أحجمت عناصر النخبة السياسية عن الحديث في شأن كهذا، وقع قبل اثني عشر عاما، والأمر فيه واضح وضوح الشمس، فإن الأمل في استجلاء حقيقة ما جرى خلال السنوات الأخيرة القريبة لا بد أن يكون معدوما·

مع ذلك لم أفقد الأمل تماما، وظللت أطرح أسئلتي الملحة على بعض من أعرف من الأصدقاء الجزائريين، الذين تربطني بهم علاقة سابقة وفرت قدرا طيبا من الثقة المتبادلة· وإذ سمعت كلاما آخر وقراءات مختلفة لأحداث سنوات الجزائر العجاف، فقد لفت انتباهي أنني في كل مرة انفردت بصديق وصارحني بما عنده، كنت أتلقى منه رجاء ألا أنسب إليه شيئا مما سمعت أذناي، وتلميحا أو تنبيها واضحا الى أنني لو فعلت ذلك، فإنه سوف يسارع الى تكذيب الكلام على الملأ، ونفى كل ما نسب إليه جملة وتفصيلا، لأنه إذا لم يفعل ذلك، فسوف يدفع في الأغلب ثمنا باهظا يتعذر عليه احتماله! 

إطفاء الحريق أولاً

 في جلسة خاصة كان محدثي فيها قياديا سابقا في جبهة التحرير، يتردد اسمه الآن ضمن النجوم المرشحة للصعود في ولاية الرئيس بوتفليقة، سمعت منه قوله: "إن الحريق عندما يشب ويملأ البيت، فإنه يصبح من العبث تضييع الوقت في تحري أسبابه، وتحديد المسؤولين عنه، لأن الأولوية ينبغي أن تعطى لإطفائه أولا"·· ونحن الآن في الجزائر في مرحلة إطفاء الحريق، ولسنا مستعدين لا للسماح باستمراره والانشغال بالتاريخ، ولا لاحتمال حرائق أخرى· وفرصتنا الآن مواتية تماما لإنجاز عملية الإطفاء، بعدما تعهد "سي عبدالعزيز" بأن يكون رجل هذه المهمة، ولأنه مؤهل لها وقادر عليها، فمن واجب الجميع أن يهبوا لمساعدته بكل ما يملكون من قوة· 

رؤية سياسية صافية

 احترمت وجهة نظر الرجل وتفهمتها، واعتبرتها نوعا من الرؤية السياسية الصافية والصائبة، وإن أضفت الى كلامه نقطتين:

أولاهما: أن هناك فرقا بين تحري أسباب الحريق وتحديد المسؤولين عنه وهو ما يمكن تأجيله، وبين معرفة مصدر الحريق التي هي ضرورية ولا يمكن تأجيلها، الى الحد الذي يجعلها في أهمية وموازاة عملية الإطفاء· ببساطة إن معرفة المصدر قد تكون مفيدة سواء في إنجاز عملية الإطفاء، أو في ضمان عدم تكرار الحريق مرة أخرى·

النقطة الثانية: إن رؤية الباحث تختلف بطبيعتها عن رؤية السياسي، فالأول معني بالحقيقة أولا وأخيرا، بينما الثاني له حساباته وملاءماته التي يقدر فيها حسابات المصلحة العامة، وأحيانا المصلحة الخاصة· وقد رجوته أن يلتمس العذر لي، لأني أنسب نفسي الى الفريق الأول، وإن كنت أقدر حسابات الفريق الثاني· 

الجيش دولة

 حين يحاول المرء أن يحرر مصطلح "حسابات السياسيين"، في الجزائر، فسوف يكتشف أن محورها ومصدرها جهة واحدة هي: قيادة الجيش· ذلك أن العارفين بالخرائط الجزائرية منذ الاستقلال في سنة 1962، يدركون أن الجيش الذي تمثلت قواته في جيش التحرير، يحتل حيزا كبيرا في القضاء السياسي الجزائري، وهو ليس حيزا كبيرا فحسب، ولكنه ثابت ومؤثر حتى اللحظة الراهنة·

وليست هناك مبالغة في القول إن الجيش هو الذي ظل يصنع القرار السياسي في الجزائر طيلة العقود الثلاثة الماضية، وأن حزب جبهة التحرير الحاكم منذ الاستقلال، لم يكن سوى الواجهة السياسية لقيادة الجيش· ولا أعرف من الذي قال إن كل دولة في العالم لها جيش، وأن الجزائر استثناء على ذلك، إذ هي الدولة الوحيدة التي للجيش فيها دولة! لكني بالتجربة والمعايشة، أدركت أن قائل هذا الكلام يتمتع ببصيرة نافذة، وعلى إحاطة وافية للغاية بمجريات الحياة السياسية، بل وبطبيعة المطبخ السياسي في الجزائر· 

الرئاسة تدفع الثمن

 والأمر كذلك فإنه إذا كانت الأدبيات السياسية تتحدث دائما عن أن الشعب مصدر السلطات، أو أن الحزب أو الأسرة مصدر السلطات في دول أخرى عالم ثالثية، فالثابت أن الجيش في الجزائر هو مصدر السلطات، وليست معروفة بالضبط طبيعة العلاقة بين الرئاسة والقيادة (المقصود بها قيادة الجيش)، في عهد الرئيس بوتفليقة، لكن القدر المتيقن في ضوء التجارب السابقة التي كلما اختلفت وجهات النظر أو المصالح بينهما، فإن الرئاسة هي التي تدفع الثمن وليس القيادة· وقد دفع الرئيسان الشاذلي بن جديد والأمين زروال منصبيهما ثمنا لذلك الخلاف· أما الرئيس محمد بوضياف فقد دفع الثمن حياته، حين قتله أحد الضباط في عام 92 (الملازم أول مبارك بومعرافي)، وحتى الآن لم تعرف الجهة التي دفعته الى ذلك!

هذه الحقيقة- كون الجيش مصدر السلطة وصانع السياسة - تمثل العقبة الرئيسية التي تحول دون التعرف على حقائق المشهد الجزائري، لأن الجيش فضلا عما سبق، هو الذي تدخل لإيقاف المسار الانتخابي في الجزائر عام 92، وقيادته هي التي أدارت الأزمة منذ ذلك الحين وحتى الآن، وهي القيادة التي في ظلها أوصلت الأمور الى ما وصلت إليه الآن، ولذلك فبوسع أي باحث أن يستفيض في الحديث عن أخطاء وممارسات جميع أطراف الأزمة في جبهة الإنقاذ: الجماعات المسلمة، دور الحكومات الجزائرية المتعاقبة، دور الجيران وغير الجيران، لكن هناك خطا أحمر يتعين الوقوف عنده في النهاية، وأي اقتراب منه ينبغي أن يتم بمنتهى الرفق والحذر، وهو يتمثل في دور ومسؤولية قيادة الجيش وأذرعها الأمنية المختلفة· 

الجزائر من فوق بركان

 كان مفاجئا لي أن أطالع ذلك الاقتراب الحذر في كتاب جديد أصدره أحد الصحفيين الشبان، محمد تامالت، تحت عنوان: "الجزائر من فوق البركان"، ولأنه شاب فقد تخفف من الحسابات، وكان لديه استعداد أكبر للمغامرة، ولأنه صحفي فإنه تخلص من حساسيات السياسيين وتعميمات الأكاديميين، وحوّل كتابه الى تحقيق صحفي على 160 صفحة من القطع المتوسط، ملأها بالمعلومات والاستنطاقات التي اعتمد فيها على شهادات أكثر من أربعين شخصية بارزة كانت لها أدوارها وحملاتها بتطورات المشهد الجزائري في بواكير أزمته، لم يتدخل صاحبنا بالتعليق إلا ما ندر، حيث بدا أن رواية ما جرى وتسجيل وقائعه على ألسنة الشهود هو أهم ما شغل به· ولذلك جاء الكتاب وثيقة بالغة الأهمية، تجيب بصورة أو أخرى عن السؤال الأصعب المتعلق بحقيقة ما جرى، وتضع بين يديك مؤشرات ومفاتيح تساعد على التفكير في إجابة السؤال المستحيل الخاص بتحري المسؤولين عما جرى·

الذين حاورهم وسجل شهاداتهم الصحفي الشاب محمد تامالت، كانوا خليطا من القيادات السياسية في جبهة التحرير والأحزاب الأخرى بمختلف اتجاهاتها، وبين رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، وجنرالات الجيش المتقاعدين، أعني أنهم نخب من السياسيين الموالين والمعارضين، العلمانيين والإسلاميين والأمازيغ، ورجال السلطة والجيش والأمن والمحامين ومسؤولي حقوق الإنسان· 

الفتنة

 بهذا النهج جاء كتاب تامالت أشمل وأكمل من الكتاب الذي أصدره هذا العام أحمد مراني بعنوان "الفتنة"، ومؤلفه كان في السابق من مؤسسي جبهة الإنقاذ، ثم انشق عنها وأدان قيادتها على شاشة التليفزيون مع ثلاثة آخرين، وكوفئ بتعيينه وزيرا للشؤون الدينية· ولأن الدوام لله وحده، فقد خرج الرجل من الوزارة بعد حين، وعين بمجلس الأمة، وشغل نفسه في الفترة الأخيرة بتسجيل تجربته، التي جاءت بمثابة تشريح لجسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتبيان للثغرات في بنيانها وانتقاء قياداتها، حتى بدا الكتاب وكأنه عريضة اتهام للجبهة، تضمنت تصفية حساب مع قادتها، وحيثيات انفصال السيد مراغي عنها· ولذلك فإن قارئه ينتهي من الكتاب وهو غير مطمئن الى حياد وموضوعية مؤلفه، ناهيك عن أن يخرج منه وهو غير فاهم لما حل بالجزائر·

سأضرب مثلا واحدا على كيفية تناول المؤلفين لواقعة واحدة أثارت جدلا في الساحة الجزائرية· وهي التي حدثت في عام 1991 حين قبضت السلطات في الغرب الجزائري على شاب فرنسي مسلم اسمه روجيه ديدييه، ضبطت معه كمية كبيرة من الأسلحة قال إنه جاء بها لدعم "الجهاد" في الجزائر·

أحمد مراغي قال في كتابه (ص137) ما نصه إن روجيه ديدييه كان يتعاطى وينسق مع الجبهة الإسلامية، ويلتقي مع علي بن حاج مرارا وحادثة القبض عليه على الحدود وهو يستعد لتهريب الأسلحة داخل الجزائر،·· تلتقي مع عناصر أخرى في تحضير "الطبخة الدموية" المرة، التي أصبحت على مدار سنوات كثيرة هي وجبة الجزائريين!

محمد تامالت كان أكثر حذرا وموضوعية فصاغ الواقعة على النحو التالي: إن الفرنسي المسلم ديدييه "ادعى" أنه جاء بالسلاح لمساندة الجهاد في الجزائر، وأن ذلك كان بموافقة عباس مدني وعلي بلحاج الذي التقاه في مسجد بالعاصمة· وأن الشاب حين حوكم لم يذكر اسم علي بلحاج في أي مرحلة من مراحل القضية· وأن الشيخ عباس مدني اعتبر القضية كلها عملية أمنية مختلقة (مفبركة!)· 

تباين

 الفرق واضح في الصياغتين، فالأول البالغ من العمر خمسين عاما وكان من مؤسسي جبهة الإنقاذ ألبس التهمة لإخوانه السابقين وقيادتهم، بينما الصحفي الشاب الذي لم يكن عضوا في الإنقاذ كان أكثر حذرا وموضوعية، حيث وصف كلام الشاب بأنه "ادعاء" وأخبرنا بمعلومتين مهمتين، أولاهما: أن اسم علي بلحاج لم يذكر في القضية، في حين سجل مراني أنه "التقى مرارا" مع الشاب الفرنسي، والثانية: أن عباس مدني تحدث عن "اختلاق" القصة من جانب أجهزة الأمن، وهي المعلومة التي سكت عنها مراني لسبب يصعب افتراض البراءة فيه·

هذا التباين في النهجين شجعني على طي كتاب مراني وإيداعه جانبا وإعادة قراءة كتاب محمد تامالت· 

مليون يتيم

 لم يتحدث الكتاب عن الذروة في المأساة التي خلفت حتى الآن مليون يتيم فضلا عن مائتي ألف قتيل، وإنما رسم مؤلفه خرائط بداياتها بتفصيل مدهش، الأمر الذي جنبه الدخول في متاهة المرحلة الوحشية من الصراع، وإن كانت المعلومات التي قدمها تهيئك لاستقبال تلك المرحلة، وتجعلك في الختام تقول: بداية على هذا النحو، لا بد أن توصلك الى نهاية من ذلك القبيل، وبهذا الأسلوب الذي تحاشى به المؤلف دائرة الخطر، فبوسعه أن يقول إنه أشار ولم يقل، أو قال ولم يفصح! - وهو أسلوب يعرفه المشتغلون بالمهنة الذين تعاملوا مع "السقوف الواطئة" للكتابة، وأرادوا أن يواصلوا السير - ويوصلوا - قدر الإمكان دون أن يكسروا "الإشارات الحمراء"·

من بين التفاصيل الكثيرة التي يحفل بها الكتاب هناك ثلاث نقاط محورية تستوقف الباحث، الأولى: تتعلق بطبيعة دور القيادة العسكرية في الحياة السياسية - والثانية: تتصل بجبهة الإنقاذ، تصرفات قادتها وموقف الإعلام منها - والثالثة: تنصب على ملابسات خروج الجماعات الى الجبل وانفلات العيار بعد ذلك· 

القيادة العسكرية

 فيما يتعلق بدور القيادة العسكرية يلاحظ المرء حضوره المستمر والقوي في مجمل الأحداث التي تناولها الكتاب، والتي تغطي الفترة ما بين عامي 1980 و1998 أي منذ وفاة الرئيس هواري بومدين حتى إعلان عزم الرئيس الأمين زروال على الاستقالة·

ففي أعقاب وفاة بومدين اجتمع "الضباط السامون للجيش" في أحد المدارس العسكرية القريبة من ضواحي العاصمة ليختاروا خلفا له· وكان الرجل الذي وقع عليه الاختيار هو العقيد الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية لوهران، الذي كان قد عين منسقا لشؤون المؤسسة العسكرية· ولا يشير المؤلف الى أسباب ذلك الاختيار ودوافعه، واستبعاد مرشحين آخرين كان من بينهم السيد عبدالعزيز بوتفليقة، لكنه يسجل أن ابن جديد قام بدور تفكيك البنيان الاشتراكي الذي أقامه الرئيس بومدين، الأمر الذي أوقع البلاد في أزمة اقتصادية خانقة، فاقمها انخفاض أسعار البترول مما أسفر في النهاية عن الانفجار الشعبي الذي وقع في عام 88· في مواجهة هذه الحالة، نجد أن الجيش شكل لجنة لإدارة الأزمة، ونزلت قواته الى الشوارع استجابة لطلب من الرئيس بن جديد الأمر الذي أدى الى اشتباكها مع الجماهير لأول مرة بعد الاستقلال· وهو الحدث الذي هز أركان البلاد حتى زلزلها، خصوصا أن ضحايا تلك الصدامات عدوا بمئات القتلى· 

اعتقال وتعذيب

 أعقبت المظاهرات موجة واسعة من الاعتقالات، استصحبت "ممارسات مشينة وعمليات تعذيب وحشية"·· ومن تلك الأساليب كما نقل على لسان ميلود إبراهيمي الرئيس الأول للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان: "الضرب المبرح بأدوات مبرحة والجرح بأسلحة بيضاء، وإجبار المعتقل على نزع ثيابه ثم القفز عاريا على أرضية مغطاة بالحصى وبشظايا الزجاج، بالإضافة الى استعمال حوض لتغطيس المحبوس فيه، وكذلك استخدام أدوات كهربائية في المواضع الحساسة من الجسد، ولم تقف أساليب التعذيب عند هذا الحد، وإنما تعدته الى إدخال عنق زجاجة أو مقبض معول في فتحة الشرج، أو حتى الاغتصاب الجنسي للأطفال القصر على يد مظليين أو دركيين (كما حدث في المعسكر الحربي بسيدي فرج، وفي مقر درك بوفاديك)، ناهيك عن إجبار بعض المعتقلين على شرب الماء الوسخ أو البول" - ص18· 

دور للأجهزة الأمنية

 يميل المؤلف، وقد أيده في ذلك عدد من المسؤولين السابقين منهم مدير المخابرات السياسية السابق لكحل عياط أن الانفجار الشعبي لم يكن كله عفويا، ولكن كان للأجهزة الأمنية دور في ترتيبه وتحريكه بهدف إحداث صدمة للرأي العام تمهد لمنعطف جديد في مسيرة السياسة الجزائرية، ولكن العيار انفلت وتعذرت السيطرة على مشاعر الجماهير التي كانت الأزمة الاقتصادية قد ملأتها بأسباب السخط والغضب·

نلاحظ أن إرهاصات المنعطف الجديد تبدت أول ما تبدت في بروز قيادات جديدة للجيش في مقدمتها الجنرال خالد نزار الذي عين رئيسا للأركان - وصار محركا رئيسيا للعبة السياسية في السنوات اللاحقة، والجنرال الأمين زروال الذي عين قائدا للقوات البرية (شق طريقه بعد ذلك حتى صار رئيسا للجمهورية)، والعقيد محمد مدين المعروف باسم توفيق الذي أصبح مديرا للمخابرات العسكرية، والجنرال محمد تبشين الذي عين مديرا للمخابرات السياسية·· وهذه الأسماء أصبحت - وبعضها لا يزال - أهم مراكز القوى في المرحلة الجديدة· 

تعددية حزبية

 ترتيب أوضاع القيادة العسكرية كان مدخلا لترتيب الوضع السياسي، على نحو يوحي بالانفراج الذي وعد به الشاذلي بن جديد لامتصاص غضب الجماهير· في هذا السياق صدر قانون الجمعيات السياسية الذي سمح بالتعددية الحزبية· ولكن الأمر لم يكن مطلقا، لأن الأجهزة الزمنية كانت هناك· فملف اعتماد الأحزاب كان يمر على لجنة مختلطة كان رئيسها ممثلا للمخابرات السياسية التي يديرها الجنرال محمد تبشين (مؤلف الكتاب اعتبر هذه المعلومة سرا أذاعه هو لأول مرة)، بل إن تشكيل بعض الأحزاب لم يكن بعيدا عن أصابع الأجهزة الأمنية، حيث يذكر محمد تامالت في هذا الصدد أن الحزب الأمازيغي بقيادة سعيد سعدي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) تشكل في إطار صفقة مع السلطة لإضعاف حزب السيد حسين آية أحمد (جبهة القوى الاشتراكية) ذي النفوذ القوي في منطقة القبائل· ومن الروايات المتواترة المتعلقة بالموضوع أن الحزب أنشئ في مكتب الجنرال العربي بلخير أمين رئاسة الجمهورية وسيارة أحد وزراء السلطة (بو بكر بلقايد)· 

"عملية نور"

 في ظل التعددية السياسية، حين برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ كقوة صاعدة لها نفوذها في الشارع والمجتمع الجزائريين، فإن قيادة الجيش كانت أول من تصدى لها وأعدت خطة لضربها عرفت باسم "عملية نور"، ولكي تنفذ العملية فقد مارست القيادة ضغوطها لإقالة رئيس الوزراء مولود حمروش، وكان لها ما أرادت· وقد استثمرت القيادة أخطاء قيادة جبهة الإنقاذ وحماقات بعض عناصرها، خصوصا بعد الدعوة الى الأضراب العام، احتجاجا على قوانين الانتخابات، لكي تنفذ خطتها وتودع الجميع في السجون والمحتشدات أو المعتقلات التي أقيمت في عمق الصحراء· 

فوز "الإنقاذ"

 وحين ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النيابية، وسرت أنباء الفوز الكبير لجبهة الإنقاذ· كانت قيادة الجيش أول من دعا الى وقف المسار الانتخابي، وضغطت على الرئيس الشاذلي بن جديد لكي يقدم استقالته· وقبل أن تعلن الاستقالة كانت قيادة الجيش قد قلبت الخيارات والبدائل المختلفة، واستقر رأيها علي تعيين السيد محمد بوضياف الزعيم المعارض الذي استقر بالمغرب وفي عودته كان يصحبه إسماعيل العاري الرجل الثاني في جهاز الأمن العسكري·

هكذا، فقد كان الجيش هناك في كل خطوة، حتى كان الجيش هو الذي أبرم اتفاق الهدنة مع "أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ" مدني مزراف، وكان تمسكه بتلك الهدنة واتصاله المباشر مع مزراف وجماعته من الأسباب التي عجلت باستقالة الرئيس الأمين زروال، وإفساح الطريق للانتخابات الأخيرة التي أتت بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة·

سجل الكتاب أن الصفقة التي أسفرت عن مسارعة السلطة الى إجازة حزب سعيد سعدي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) في محاولة منها لاختراق المعارضة الأمازيغية، دفعت اللجنة الأمنية المختصة الى عدم التردد في إجازة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لإحداث التوازن في خطوط القوى السياسية· لكن الجبهة لم تحسن تقدير الواقع السياسي الجزائري، ووقعت في أخطاء غير مبررة تصيدتها القوى العلمانية المتربصة، حتى نجحت في تعبئة النخبة ضدها، وأشاعت بين كثيرين خوفا شديدا من احتمال توليها السلطة في البلاد·

فلم يكن من الحكمة أو حسن التقدير مثلا أن تعلق عناصر الإنقاذيين على مقار البلديات التي فازوا فيها لافتات تعلن عن هويتها الإسلامية، لأن ذلك ربما سوغ لتلك التي فاز فيها حزب جبهة التحرير أن تعلن عن هويتها "الوطنية"، وربما أدى أيضا الى ظهور لافتات تحمل اسم البلديات الأمازيغية· 

استفزاز الحكم

 كذلك فإن تعامل الإنقاذيين مع الإضراب العام، احتجاجا على قوانين تنظيم الانتخابات خلا بدوره من الحكمة وحسن التقدير، لأنه بدا تصرفا متحديا للدولة ومستفزا لها على نحو يتعذر قبوله، خصوصا بعدما خرجت عناصر الجبهة الى الميادين الرئيسية في العاصمة واحتلتها، وقد استهان الشيخ عباس مدني زعيم جبهة الإنقاذ بنزول الجيش حتى زعم أن أنصاره "يمكن لهم أن يلتهموا الدبابات بأضراسهم"! 

حرب ضد السلطة

 واستمر مسلسل التبسيط وسوء التقدير، حتى أن أحد خطباء العاصمة من الإنقاذيين المتطرفين أعلن أن الإضراب لن ينتهي "إلا بتغيير الدولة والعودة الى الكتاب والسنة"· غابت الحكمة أيضا عن قادة جبهة الإنقاذ حين أصدروا أثناء تصعيد المواجهة وثيقة أو تعميما تضمن 22 نقطة بدت وكأنها بيان إعلان حرب ضد السلطة الشرعية في البلاد، حيث تحدثت عن تعطيل تحركات قوات "العدو" (قوات الجيش والأمن!) مع الدفاع في الأحياء ضد هجوم قوات الأمن، مع تجنب الاصطدام بالجيش، ومقاومة عمليات الاعتقال ومعاملة رموز السلطة بالمثل في حال وقوعها·· الخ، ورغم أن الوثيقة جمدت في اليوم نفسه صدورها، إلا أن أجهزة السلطة عثرت عليها واعتبرت وأدركت خطورة مضمونها، وسجل ذلك على قيادة الإنقاذ· 

دولة داخل الدولة

 مما سجل على الإنقاذيين أيضا أنهم أعطوا شعورا بأنهم يريدون إقامة دولة داخل الدولة، ورغم أن الممارسات التي عبرت عن ذلك التوجه كانت فردية وذات طابع اتسم بالتهور والإفراط في الثقة بالنفس، إلا أنها في النهاية حسب عليهم وسجلت ضدهم، من ذلك مثلا أن أحد عناصر الجبهة كان يتاجر بغير رخصة، فاحتجزته الشرطة، فما كان من أحد رفاقه إلا أن توجه الى مركز الشرطة وأخذ المفاتيح من أحد الجنود، ثم فتح زنزانة رفيقه المحبوس و"حرره" (قبض على الشخص بعد ذلك وحوكم) إلا أن الواقعة أثارت الإعلام وأغضبت السلطة وأساءت الى صورة جبهة الإنقاذ لدى الرأي العام·

في الوقت ذاته، فقد كانت الصحف العلمانية والفرنسية منها بوجه أخص تقف بالمرصاد لجبهة الإنقاذ، وتعمل على تلطيخ صورتها وتخويف المجتمع منها بالحق أو بالباطل· فممارسات السلفيين الذين شكلوا جماعات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدخلهم لمنع الممارسات غير الأخلاقية أو المنافية لمعتقداتهم، هذه الممارسات نسبت الى جبهة الإنقاذ باعتبار أن "كلهم إسلاميون"· والصراع على المساجد بين الإنقاذيين والإخوان المسلمين الذي استخدمت فيه الفئوس والخناجر أحيانا، كان مادة طيبة لتعليقات ومبالغات تلك الصحف· وحين عادت جماعات المقاتلين في أفغانستان، وانتسب بعضهم الى تيار "التكفير والهجرة"، ثم هاجموا محكمة في البليدة وقتلوا أربعة من الحاضرين بمظنة أنهم من أعداء الله، فإن القصة أثارت فزع كثيرين وهللت لها الصحف العلمانية طويلا· 

حصار

 في تلك الأجواء، نشرت الصحف وتناقلت وكالات الأنباء أن أحد خطباء جبهة الإنقاذ طلب من المواطنين تغيير عاداتهم في المأكل والملبس في انتظار ما يحدث· وقد ذكر المؤلف على لسان عبدالقادر حشاني أحد قادة الجبهة قوله إنه تحدث في الموضوع مع الخطيب، الذي استحضر تسجيلا مصورا لخطبة الجمعة التي ألقاها، وتبين من الشريط أن الخطيب قال إن الجزائر يمكن أن تتعرض لحصار في المأكل والملبس من طرف الغرب، وأن على الشعب أن يستعد لأن يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع، والذين قلبوا خطبة الرجل هم أنفسهم الذين حوروا كلام عبدالقادر حشاني أحد قياديي الجبهة، الذي كان قد قال إن رسائل وصلت من جزائريين يعملون بقطاعات مهمة في الخارج، أبدوا فيها استعدادهم للعودة الى البلاد لأجل المساهمة في تعميرها· ولكن هذا الكلام نقل عنه بصيغة أخرى، حيث ذكر الإعلام الفرنسي زن حشاني دعا إطارات إيرانية للعمل في الجزائر إذا هاجرت منها الكفاءات الوطنية (حين يتولى الإنقاذيون السلطة)!

لقد تزامن الاغتيال السياسي والمعنوي الذي قامت به الأبواق الإعلامية العلمانية والفرنسية، مع مساعي العسكر لحصار جبهة الإنقاذ وتصفيتها، بعدما أصبحت أول تحد حقيقي يهدد سلطانهم منذ الاستقلال في الستينيات· 

ملف العنف

 حديث الكتاب عن ملف العنف في المشهد الجزائري أبرز حقائق عدة في مقدمتها ما يلي:

إن أول جماعة إسلامية مسلحة ظهرت في وقت مبكر في الثمانينيات وقد أسسها شاب متمرد بدأ حياته عنصرا في جيش التحرير وانتهى إماما وخطيبا بمسجد "العاشور" في العاصمة· اسمه مصطفى بويعلي، وقد تمرد علي بن بيلا وعلى خلفه بومدين· وبين العهدين عين منسقا لفيدرالية جبهة التحرير الوطني بمنطقة "الشرافة"· وليس معروفا ما إذا كان في تأسيسه للجماعة المسلحة لأحداث التغيير بالقوة، قد تأثر بأجواء نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 79 أم لا؟ لكن القدر المتيقن أنه بدأ أولى عملياته العسكرية (التي اعتبرها البعض جهادية) في شهر أكتوبر عام 82، حين قام مع نفر من جماعته باختراق حاجز أمني، ثم تطور مسعاه الى التخطيط لاغتيال بعض الشخصيات العامة، لكن مجموعته ألقى القبض عليها وسجنت وقتل هو في عام 87· وقد أفرج عن المسجونين في تلك القضية ضمن من شملهم العفو العام في سنة 1990· ولم يكن مستغربا التحاق بعضهم بالمجموعات المسلحة الأخرى التي تشكلت لمناوأة السلطة· 

إسلاميو أفغانستان

 إن مجموعات العائدين من أفغانستان، الذين كان بينهم بعض أبناء الأقطار العربية الأخرى، عادوا بأفكار تكفيرية للمجتمع، ليس هذا فحسب وإنما توهموا أنهم يمكن أن يقاتلوا لكي يسقطوا العاصمة الجزائر، كما حدث في إسقاط العاصمة الأفغانية كابول· واغتروا بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي أمام المجاهدين، وتصوروا أن قوتهم قادرة على تحقيق نصر مماثل في الجزائر· وقد هاجمت مجموعة منهم محكمة "البليدة" في عام 1990 (كانت هذه أول عملية) - وقتلوا أربعة من "أعداء الله - وحين ألقى القبض عليهم وحكم على سبعة منهم بالإعدام، تمكن الجميع في وقت لاحق من الفرار من السجن، وتعذرت استعادتهم!

إن سيارات مجهولة الهوية ظهرت في العاصمة إبان الانفجار الشعبي الذي وقع عام 1988، ومضى أصحابها يطلقون الرصاص على المتظاهرين، وقد عادت تلك السيارات الى الظهور مرة ثانية حين خرجت في عام 91 مظاهرات الاحتجاج على تعديل قوانين الانتخابات، وكررت عملية إطلاق الرصاص· ولم يفض لغز هذه السيارات حتى الآن، حيث دأبت بيانات السلطة وأبواقها على اتهام الجماعات (يقصد مجموعات العائدين من أفغانستان وجماعة التكفير) بينما اتهم الإسلاميون السلطة بالوقوف وراء تدبير تلك العمليات، لترويع المتظاهرين ولتوسيع نطاق اتهامهم· 

غموض 

إن الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تكن طرفا في ممارسات العنف التي شهدتها الجزائر، بشهادة رئيس الوزراء الأسبق مولود حمروش، ومع ذلك فقد ألصقت بها بعض تلك الجرائم لأسباب سياسية مفهومة· ومع ذلك يظل يؤخذ عليها أنها لم تعلن موقفا واضحا يدين ممارسات العنف من جانب الجماعات الأخرى· 

قمع المتظاهرين 

إن عمليات قمع المتظاهرين ضد قوانين الانتخابات التي تمت في شهر يونيو 91، ولجأت فيها قوات الجيش - من خلال القناصة - الى القتل والضرب "في المليان" مما أسقط أعدادا كبيرة من القتلى، كانت البداية الحقيقية لأسلوب العمل في كهوف الجبال والتحضير منها لإضعاف النظام بهدف الضغط عليه وإسقاطه· ويلاحظ في هذا الصدد أن إطلاق الرصاص على المتظاهرين توازى مع إجراءات أخرى استهدف منع أي نشاط أو حركة للتجمعات الإسلامية· وذهب المنع الى حد حظر الصلاة خارج المساجد على من ضاقت بهم باحاتها· وإزاء ذلك الانسداد فقد بدا للبعض أن الصعود الى الجبل أو الاحتماء به هو الحل· 

التحدي الكبير 

وحين انطلقت الشراذم الى الجبل، الذي اتسع صدره لكل من عنّ له أن يفر من حياة المدينة لأسباب سياسية أو اقتصادية - انفلت العيار وجرى ما جرى·· حتى خلفت المأساة مليون يتيم·

أما كيف سيتم رأب الصدع وإزالة التشوهات من وجه الجزائر المكدود، فذلك هو التحدي الكبير الذي يواجهه الرئيس بوتفليقة· وهو تحد من شقين: أحدهما من داخل المؤسسة والآخر من خارجها· وظني والله أعلم أن الأول أخطر· 

"الكتب.. وجهات نظر" - سبتمبر 1999

كاتب ومفكر إسلامي

طباعة