أطلق العلماء الصينيون أول مركبة فضائية "غير مأهولة" مخصصة لنقل الإنسان إلى الفضاء ثم أعادوها إلى الأرض محققين اختراقا في الجهود الحكومية الرامية إلى اللحاق بالولايات المتحدة وروسيا في نادي النخبة للرحلات المأهولة
وقد قالت جريدة الواشنطن بوست في عددها الأخير إن هذه المركبة غير المأهولة التي أطلق عليها الرئيس الصيني جيانغ زيمين اسم "شينجو" (المركبة الساحرة) أطلقت إلى الفضاء بواسطة صاروخ من نوع "لونغ مارش" (المسيرة الطويلة) حسب ما ذكر مسؤولون صينيون، ودارت هذه المركبة حول الأرض 14 مرة قبل أن تعود من خلال الغلاف الجوي وتهبط بواسطة المظلات في حقل يقع في قلب مقاطعة منغوليا بعد 21 ساعة من اقلاعها·
وقالت وكالة الصين الجديدة للأنباء إن "الإطلاق الناجح لعربة "شينجو" استكمل حلما طويل الأمد للشعب الصيني، فقبل خمس سنوات أطلق الصينيون صواريخ اختبارية إلى الفضاء في محاولة لتحقيق هذا الحلم"·
بعد عقود من تحوّل رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين أول رجل يدور حول الأرض، وإعلان الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي تصميمه على أن ترسل الولايات المتحدة أول إنسان إلى القمر انتزع القادة الصينيون حصة من خصمي الحرب الباردة وهم يسعون إلى زيادة العزة القومية وتعزيز مكانة بلادهم الدولية·
وكانت الصين بدأت برنامجا للرحلات المأهولة في أواخر الستينات ثم تخلت عنه لأن رئيس الوزراء شو إن لاي اعتبر أن كلفة البرنامج كبيرة جدا، ثم استأنف جيانغ زيمين هذه الجهود في مطلع التسعينات بعدما تولى زعامة الصين إثر قمع التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في بكين عام 1989·
وكانت الغاية المعلنة هي إطلاق رحلة مأهولة بحلول نهاية القرن، وهذا الموعد الأقصى يبدو مستحيلا على الأرجح لكن هناك محللين يقولون إن الصين قادرة على تلبيته في سنة تقريبا·
يذكر أن الصين أخذت تطلق أقمارا اصطناعية إلى الفضاء منذ عام 1970، وإليها تحولت كبرى شركات الاتصالات من جميع أنحاء العالم حتى تستفيد من خدمات الإطلاق الصينية الرخيصة الكلفة الموثوق فيها، لكن المهمة الأخيرة الناجحة شكلت خطوة كبيرة لبرنامج الفضاء الصيني حسب ما يقول المحللون، فتصميم عربة فضاء قادرة على أن تنقل بأمان أشخاصا إلى الفضاء وأن تعود بهم هي مهمة أشد تعقيدا تنطوي على مخاطر كثيرة·
وقال تشارلز فيك وهو خبير في شؤون الفضاء يرى اتحاء العلماء الأمريكيين في واشنطن أن حقيقة نجاح الصينيين تعتبر خطوة مهمة إلى الأمام، وأضاف أن الصين يمكنها أن ترسل في البداية إلى الفضاء حيوانات تجارب قبل منتصف السنة المقبلة، وقال: "الصينيون اختبروا كل شيء ما عدا إرسال إنسان إلى الفضاء· وقد عملت عربة الإطلاق ومركبة الفضاء معا كما ينبغي"·
الحكومة الصينية قالت إن آلاف العلماء عملوا على ما يسمى "المشروع 921" لكنها لم تقدم أي أرقام عن كلفته· وأضافت أنها ستجري رحلات عدة غير مأهولة قبل محاولة إرسال البشر إلى الفضاء·· ورواد الفضاء والطواقم الفنية يجرون تدريبات في مركز الفضاء لدى "مدينة النجوم" الروسية منذ عام 1996·
وجاء إطلاق مركبة الفضاء الصينية في وقت تواجه بكين جملة من التحديات الداخلية مثل البطالة وضياع الثقة في النظام الشيوعي بعد عشرين سنة من الاصلاحات الاقتصادية المؤلمة· وفي الوقت نفسه، أثارت التطورات الدولية، بدءا من قصف حلف شمال الأطلسي سفارة الصين لدى بلغراد في الحملة الجوية على يوغوسلافيا والتوتر مع الولايات المتحدة بشأن تايوان وقضية التجسس النووي المزعوم، التطور القومي في الصين فجعلت زعماءها يتوقون إلى إعطاء أمثلة عن قوة بلادهم·
وقالت الوكالة الصينية وهي تؤكد أن الصاروخ والمركبة تم بناؤهما في الصين، إن إطلاق عربات الفضاء يحتاج إلى أعظم التكنولوجيا تطورا وإنه تأكيد شامل لقوة البلاد سياسيا واقتصاديا وعلميا وتقنيا"، واعتبرت أن هذا العمل "سيعزز أحساس البلاد بالفخر والتماسك ويرفع حماسة جميع الاثنيات"·
وقال وو يان، وهو من كبار كتاب الخيال العلمي الصينيين أجرى بحوثا كثيرة في برنامج الفضاء الصيني: إنه حتى لو لم تستطع الصين أن تسبق الدولتين المتصدرتين في حقل الفضاء، فإن قرارها بالمضي نحو الرحلات المأهولة هو الطريق إلى تطوير التكنولوجيا وإلهام الثقة القومية وترك بصمة عظيمة، وأضاف: في الوقت الحالي ليس هناك أي خطط للمنافسة مع الولايات المتحدة وروسيا، لكن الصين تريد أن تكون أفضل من بلدان أخرى مثل اليابان والهند، وبرغم أنها لا تمثل المرتبة الأولى، فليس هناك بلدان أخرى تستطيع أن تقوم بما فعلت·
قبل سنوات عدة، اقترح رائد الفضاء السابق السناتور الأمريكي جون غلين، الذي كان أول أمريكي يدور حول الأرض عام 1962 بعد غاغارين، أن تقدم الولايات المتحدة للصين دعما تكنولوجيا لبرنامجها الفضائي، وجادل غلين بأن الصين تواجه خطر التضحية بالأرواح من غير ضرورة مجرد أن تتعلم الدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة·
لكن الإدارة الأمريكية رفضت هذه الفكرة خوفا على مصير التكنولوجيا الحساسة وأشياء أخرى، وربما كانت الصين لترفض المساعدة لو أرادت أن تؤكد اعتمادها على نفسها· وقال فيك إن المركبة الصينية غير المأهولة التي انطلقت إلى الفضاء السبت تقوم على تكنولوجيا مركبة "سويوز" الروسية كما على تصميمات محلية ومصادر معلومات متوافرة عن الرحلات الفضائية الأمريكية الأولى· وكان وزن المركبة الصينية 8.4 أطنان وهي قادرة على استيعاب شخصين على الأقل· والصين لديها سجل متباين في الأمن الفضائي، فقد انفجر صاروخ من نوع "لونغ مارش" يحمل قمر اتصالات عند إطلاقه في عام 1995 فقتل خمسة أشخاص، وفي فبراير من عام 1996 انفجر صاروخ يحمل قمر "انتلسات 708" للاتصالات، وبعد ستة أشهر وضع العلماء الصينيون قمرا صينيا كلفته 120 مليون دولار في مدار غير مقصود، لكن في السنوات الثلاث الأخيرة، أجرت الصين 17 عملية إطلاق متوالية ناجحة·
وفي دلالة على أن الحكومة الصينية ما كانت متأكدة مئة في المئة من نجاح عملية الإطلاق الأخيرة، عرض التلفزيون الصيني الذي ازدادت تغطياته الحية في الفترة الأخيرة لشريط مسجل لعملية الإطلاق، ثم صوراً للمركبة بعد هبوطها· فالرقابة الصينية لم تجزه إلا بعد عودة المركبة إلى الأرض·