أميرة المؤمنين... غزالة!
ركان الصفدي
(1)
يثير العجب والاستنكار والريبة صمت الأدباء والمثقفين في الكويت عن أخطر قضية اجتماعية سياسية تشعل الواقع حالياً، وهي قضية حقوق المرأة في الانتخاب والترشيح و··· الترشح، وكأن القضية لا تمسهم مساً مباشراً، مع أنهم أكثر الناس، التصاقاً بها، لا لأن بينهم مبدعات تميزن في الساحة الثقافية العربية، ولا لأن هناك ملاحقات قضائية لأديبتين منهم تتعلق بحرية التعبير والتفكير فحسب، وإنما لأن قضية حرية المرأة وتحررها كانت أهم موضوع شغل الأدب والثقافة منذ عصور، ولاسيما العصر الحديث؛ إذ لم تعد المرأة مجرد ملهمة للعواطف والخيال، بل أصبحت "بطلاً" اجتماعياً يسهم في صناعة الأحداث في معظم النتاج الأدبي العالمي·
فما القضية التي كان يحملها أدباؤنا ومثقفونا هؤلاء إذاً، هل هي مأساة الأزهار أم هي إشكالية الموج؟ وما الوطن الذي تغنوا به، هل هو وطن الصفوف الأولى في الاحتفالات والمهرجانات، أم هو صفحات الجرائد الأولى، أم هو مادة جامدة في معجم؟!
(2)
لا عذر لساكت اليوم، والقول بعدم جدوى الكلام تواطؤ، واللامبالاة والسلبية موقف يسجله التاريخ ويصنفه في دفاتره ويحاسب عليه··· ولا يعني هذا أن نملأ الصحف بالقصائد والمقالات "المناسباتية"، ولكن هناك ألف سبيل للوقوف عند الحق، حقنا جميعاً··· والكلمة في مثل هذا المقام لها فعل نووي، لأنها تذود عن حياض قضية شريفة نبيلة، ومثالها الساطع قصيدة د· خليفة الوقيان الميمية، التي لملمت أطراف المشاعر الشعبية والأفكار الواعية مشحونة بنار قرون من الكفاح، لتكون "بياناً" رقم (1) ضد الجهل الذي طفح على حياتنا المعاصرة كالجدري·
حرية المرأة··· حريتنا، وحقوقها الدستورية حق للمجتمع قبل أن يكون حقاً للمرأة، لأن المجتمع لا ينهض نهضة كاملة على قدم واحدة·
(3)
يا لسذاجة من يربط بين وصول المرأة إلى موقع المسؤولية وبين الانحلال الاجتماعي! يغضون الطرف عن تلك المستنقعات الموبوءة بالفساد منذ أقدم العصور وحتى الآن في المجتمع الذي حكمه الرجال··· هذا الطرح يعكس فصاماً حقيقياً ووسواساً قاتلاً وهوساً جنسياً يتخفى في الشعور ويقبع في اللاشعور··· اطمئنوا أيها السادة، لن تصل إلى البرلمان راقصة ولا بنت هوى··· ولا رجل هوى!
(4)
لا يمكن للمرء إلا أن يقف احتراماً وتقديراً لمن يمثل الإسلام الحقيقي الجميل الحضاري، كعميد كلية الشريعة الدكتور محمد عبدالغفار الشريف والدكتور عبدالحميد الأنصاري وغيرهما من العلماء الأجلاء الذين أفتوا بحقوق المرأة السياسية··· فالقضية ليست دينية وإنما هي سياسية بحتة، ولا يمكن أن يربط مجتمع كامل بآراء فئة صغيرة كما كان الأزارقة المتطرفون يريدون تحويل عقل أمة بكاملها إلى عقل خمسين شخصاً فقط·
(5)
ربط حقوق المرأة بالأمريكان أمر مضحك، فالمرأة التي نالت حقوقها في العالم كله حيث لا هيمنة للأمريكان ولا للطليان، إنما نالته بنضال وكفاح ساهم فيه المجتمع بقضه وقضيضه، وقبل أن تكون هناك سطوة للبوارج الأمريكية، بل إنها نالت حقوقها في مجتمعات معادية للأمريكان منذ زمن بعيد·
لا تفسير لما يقال، إذا أحسّنا فيهم النية، إلا أنهم ينظرون إلى المرأة التي ستمارس حقها السياسي نظرتهم إلى المرأة الجاهلة الساذجة التي لم تخرج من بيتها إلا إلى صالونات المكياج أو الجمعية··· لا أيها السادة، إن هناك نساء كثيرات يعملن وينتجن ويفكرن ويكتبن، وانظروا فقط إلى نتائج امتحانات الثانوية والجامعية لتروا أن الناجحات والمتفوقات هن ثلاثة أمثال الناجحين والمتفوقين·
(6)
على الرغم من أن المرأة في العصور القديمة لم يكن متاحاً لها أن تطور شخصيتها وتنميها بالعلم والعمل، إلا أن هناك كثيرات ممن تميزن بالقوة والعقل والحصافة، فقاد بعضهن الجيوش وحارب بعضهن في المعارك، بل إن واحدة منهن تحدت الحجاج الذي كان اسمه يبعث الرعب في قلوب الرجال، وحاصرته في قصره بفرسانها من "الصفرية"··· هذه المرأة هي غزالة الحرورية التي تولت الإمامة بعد موت زوجها شبيب بن يزيد الشيباني، ونوديت بأميرة المؤمنين، والخوارج من أشد المتزمتين دينياً، ولو كان في تولي المرأة ولاية عامة غضاضة أو نص ديني يحرم ذلك لما وافقوا عليه وهم الذين كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها عند أقل شبهة، كما لم يستنكر أحد أو يستغرب هذه الحادثة التاريخية وهم أقرب عهداً بالإسلام الأول كما يستنكر مسلمو القرن العشرين الآن ويتخبطون في فتاوى عصر الحريم أيام المماليك والعثمانيين، حين كانت المرأة، والرجل أيضاً، سلعة حقيقية·
(7)
العقل الذي يحارب حق المرأة هو العقل الذي يطارد المثقفين الآن، ويحاكمهم، ويحضر "أضابيرهم"، وربما يسن لهم السكاكين··· فلا مجال إذاً للصمت، لأن الصمت في ظرف كهذا··· خيانة لشرف الكلمة!