· المحميد: المساواة بين المرأة والرجل في الإسلام تامة ومطلقة
كتب سنجار محفوض:
قال المتحدثون في ندوة حقوق المرأة السياسية في الإسلام إن المرأة المسلمة في عصري النبوة والراشدين مارست حقوقها السياسية بالأسلوب المتناسب مع ذلك العصر·
وأكدوا أنه لا يوجد في الشريعة ما يمنع المرأة من ممارستها حقوقها بالأسلوب المتناسب مع هذا العصر·
وقالت الباحثة في الفكر الإسلامي خديجة المحميد في الندوة التي أقامتها الجمعية الثقافية النسائية مساء الأحد الماضي وشارك فيها الدكتور عبدالحميد إسماعيل الأنصاري عميد كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية سابقا في جامعة قطر إن المساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة تامة ومطلقة في جميع حالاتها لأنها قائمة على الإنصاف مشيرة الى أن ممارسة المرأة حقوقها السياسية من الأهداف البنائية لتعمير المجتمع وأكدت أن تحرك المرأة للقيام بالدور السياسي هو استجابة لأوامر رب العباد حين قال في كتابه الكريم "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" كما هي استجابة لوصية رسوله الكريم "[" "من بات ولم يهتم بأمور المسلمين ليس بمسلم"·
ومن جهته قال د· الأنصاري إن تقدم الأمة مرهون بمدى مساهمة المرأة في الحياة العامة إضافة الى أن وضع المرأة هو المؤشر الحقيقي لتقدم المجتمع أو تخلفه مؤكدا أن سوء فهم تطبيق مبدأ سد الذريعة وسوء الظن بالمرأة خلال الحقب الزمنية الماضية أدى الى خلق ثقافة متحاملة على المرأة حتى بات البعض يصنفها إنسانا من الدرجة الثانية أو الثالثة·
تحدث الدكتور عبدالحميد إسماعيل الأنصاري عميد كلية الشريعة والقانون سابقا في جامعة قطر مشيداً بالرغبة الأميرية السامية بمنح المرأة الكويتية كامل حقوقها السياسية قائلا إن هذه الرغبة الأميرية السامية جاءت تقديرا لدور المرأة وإنصافا لجهودها وتصحيحا لخلل تشريعي واستكمالا للوضع الديمقراطي وهي خطوة أساسية لإعادة ترتيب البيت الديمقراطي الكبير على اعتبار أن التهيئة ضرورية للولوج الى قرن جديد·
وأضاف: نتطلع - وكلنا أمل وثقة - الى مجلس الأمة الموقر - ونحن في وداع قرن راحل وفي استقبال قرن مقبل هو قرن المرأة - أن يتوج مقبل جهود المرأة الكويتية بإقرار حقوقها السياسية، فلا يهل علينا هلال رمضان والقرن الجديد إلا وقد نالت الكويتية حقوقها كاملة·
كما خص بالشكر والإشادة جهود الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في مجالات التثقيف والتوعية والتنمية·
وقال د· الأنصاري إن المرأة عاشت قرونا طويلة، تعاني من ظلمتين، ظلمة الجهالة، وظلمة اللامساواة مع أن الرسالات السماوية كانت تنزل بين الحين والآخر تنير الظلمات وتهدي البشرية وتنصف المرأة، إلا أن البشرية ما تعود سيرتها الأولى، حتى جاء الإسلام العظيم بدعوته الخالدة للمساواة فأضاء سماء الدنيا وأشرق بنوره الأرض، فأقبلت عليه المرأة ووجدت فيه الإنصاف والمساواة والحرية فكانت أول من آمن· وأكد أن الإسلام أقر الحقوق الكاملة للمرأة مدنية وسياسية، كما حقق لها الأهلية الكاملة نظريا وعمليا· وأضاف أن الدستور الخالد - كتاب الله - يخاطب الرجل والمرأة معا (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم" "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة" كما ندد كتاب الله في آيات كثيرة بأهل الجاهلية في نظرتهم الظالمة للمرأة وفي معاملتهم اللاإنسانية لها· وأشار الى أن المرأة حظيت لدى الرسول ([) بأرقى أنواع المعاملة، فكانت موضع رعايته وعنايته وهو القائل "خيركم خيركم لأهله" "إنما النساء شقائق الرجال"، وهو الموصي بآخر وصية مهمة "ألا فاستوصوا بالنساء خيرا"·
ونوه الى أن المرأة المسلمة كانت لها مشاركة عملية واسعة في شتى المجالات: اجتماعيا، دينيا، ثقافيا، تعليميا، سياسيا، واقتصاديا كما هو مبين في السيرة النبوية وصحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى والمطلع على هذه السيرة يدرك وقائع لا حصر لها لمساهمة المرأة في الحياة العامة·
وبين أن جملة عوامل ساهمت في تهميش دور المرأة تتمثل في سوء فهم وتطبيق مبدأ سد الذريعة فأدى الى سد أبواب الخير والتيسير على الناس وسوء فهم لفتنة النساء مما أدى الى ثقافة متحاملة على المرأة وسوء الظن بها واستضعافها بسبب استمرار رواسب الجاهلية في نفوس البعض، فأصبحت المرأة إنسانا من الدرجة الثانية أو الثالثة، فهي إما ضعيفة بلهاء تنخدع وتسقط من أول نظرة، أو خبيثة ماكرة لعوب، ولذلك منعت حتى من المشاركة في الصلاة في المسجد فضلا عن العلم وامتد الإسراف والغلو الى كل ما يتعلق بالمرأة·
وأضاف: إن من جملة العوامل أيضا الغيرة المرضية المسرفة، ودعوى فساد الزمان والأخلاق، فمنعت الشابات أولا ثم العجائز وقد ساندت هذه الدعوى مقولة الأخذ بالأحوط، إضافة الى مجموعة من الآيات والأحاديث والأخبار، أسيء فهمها وتفسيرها لتساعد على سوء الظن بالمرأة منها "إن كيدهن عظيم" و"ليس الذكر كالأنثى" و"قرن في بيوتكن"·
وقال إن حقوق المرأة تقوم على أصلين ثابتين هما:
أولا: التساوي في الحقوق والواجبات فلا فضل لأحدهما على الآخر·
والثاني: إن المهمة الأولى الأساسية للمرأة التربية وإعداد النشء ورعاية البيت الأسري، وهذا أمر بديهي، فالبيت عند المرأة أقدس منه عند الرجل، ولذلك يجب مراعاة هذا الأمر عند أداء المرأة دورها الاقتصادي والسياسي والثقافي بحيث لا يترتب على ذلك تعطيل المهمة الأساسية·
وأضاف: إذا أردنا أن نستعرض الحقوق فهي كثيرة، ومنها حقها في اختيار شريك حياتها، وأن تباشر عقد الزواج، وفي المهر كاملا، والتعليم، والشورى في البيت، وفي المجتمع،وحقها في الإكرام والرعاية والاحترام من قبل زوجها، وحقها في النفقة وحقها في العمل· وحقها في الوظائف المختلفة، وحقها السياسي في الانتخاب والترشيح·
خصوصية سياسية
وقال إن الحقوق السياسية هي تلك المتعلقة بالحكم والإدارة مثل الانتخاب والترشيح والوظائف العامة·
وقال الأنصاري: إن الفقهاء يقولون إن الأمر الخلافي يظل خلافيا حتى يختار ولي الأمر رأيا معينا، وهذا الاختيار يحسم الخلاف الشرعي فيجب شرعا طاعته·
وأن هناك رأيا آخر يقول إن الحقوق الشرعية أمر متعلق بالمبادئ الثابتة التي تدخل في ثوابت الدين، وفي مثل هذه الأمور يفترض ألا يكون فيها شورى أو مساومة، وإنما تكون الشورى في تنظيمها ودرجاتها·
ومن جانبها تحدثت الباحثة في الفكر الإسلامي خديجة عبدالهادي المحميد عن ضرورة ومنطلقات وأهداف الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام حيث قالت إن حقوق المرأة السياسية تعني الضرورة، وأشارت الى أن كل الأطراف من النواب المعارضين للمرسوم الأميري المانح للمرأة ممارسة حقوقها السياسية وعلى اختلاف مشاربهم الفكرية اتفقوا على عدم توافر الضرورة في مادة المرسوم·· وجاء محور الاتفاق هذا في آلية تنفيذ المرسوم وعلى أنه ما دام لم ينفذ فور صدوره فهو لا يتعلق بضرورة·
وتساءلت المحميد عن مقياس الضرورة الواقعية فيما إذا كانت الآلية والشكلية مرتبطة بتوقيت المرسوم أو بمبدئيتها؟
وذكرت أن هناك تفسيرات لفقهاء الدستور، الأول يرى حالة الضرورة متحققة لإصلاح قانون معيب خص الرجل بالحقوق السياسية دون المرأة وخالف بذلك مواد الدستور التي تساوي بين الجنسين في الحقوق والواجبات العامة، وتفسير فقهي ثان لرجال الدستور يصر على تلازم المبدئية مع الشكلية والحرفية·
وقالت المحميد عن التفسير الأول إن الضرورة تتحدد بتصحيح الخلل وإقرار مبدأ المساواة الدستورية المطلقة، أما التفسير الفقهي الثاني لرجال الدستور فيصعب بل ينتفي تصديقه خاصة إذا ما كانت مادة النزاع حقوقا إنسانية لأن هذه الحقوق لا تنتفي ولا تلغى بأي حال من الأحوال· وأكدت أن الضرورة القانونية تستمد القوة من مبدئيتها في اختيار الرغبة الأميرية والمرسوم بقانون للفتوى الإسلامية الشرعية المجيزة للمرأة دخول البرلمان ترشيحا وانتخابا·· وأوضحت المحميد أن الضرورة القانونية تتضاعف شرعيتها باستمدادها مادة الضرورة من الحق الشرعي الإسلامي الذي لا ينفي الضرورة لا بالأسلوب ولا بالشكل ولا بتوقيت التطبيق مؤكدة أن ضرورة الحق الشرعي قائمة في كل وقت بمقتضى ضرورة العدل التي تقتضي إعادة الحق المسلوب لصاحبه في كل وقت وبأفضل الطرق والأساليب التي تحفظه لصاحبه كاملا وبعناية تتسع لكل الشكليات والآليات التي تخدم الحق وصاحبه ولا تنفيه وتضربه بينما سلب الحق عن صاحبه والإعانة على ذلك يعد إثما وجرما من السالب لمخالفته ضرورة العدل·
حقيقة المساواة
وقالت إن المساجلات التي برزت في الآونة الأخيرة ما بين المؤيدين والمعارضين للحقوق السياسية للمرأة ترى أن المساواة في الإسلام مساواة مقيدة وغير مطلقة منوهة الى أن بعض الأكاديميين القانونيين بنى بنيانه الدستوري على هذا القصور ومنهم أستاذ القانون العام بكلية الحقوق د· محمد عبدالمحسن المقاطع حين استشهد في دراسته التي نشرت في جريدة "الوطن" بتاريخ 9/11/99 بالمادة 18 من الدستور الكويتي معتبرا أن هذه المادة تتعارض مع المادة 29 وأن الدستور الكويتي لا يعرف مبدأ المساواة وإن وجدت هذه المساواة فهي مقيدة·· وللرد على مثل هذا القول أشير الى أن المادة 29 من الدستور الكويتي قطعا لا تتعارض مع المادة 18 ولكن عدم التعارض هنا ليس على أساس المساواة المقيدة بل على أساس المساواة المطلقة، إضافة الى أن المساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة مساواة تامة ومطلقة في كل الميادين الحياتية لأنها قائمة على الإنصاف لكنها في مجال الحقوق والواجبات الأسرية تنفذ بشكل مختلف عنه في المجتمع العام· وأوضحت المحميد أن الحقوق والواجبات في المؤسسة الأسرية متساوية القيمة ومتشابهة لأنها قائمة على التكوين والطبيعة الفطرية لكل من الرجل باعتبار الذكورة والمرأة باعتبار الأنوثة، ومن هذا المنطلق تتوزع الأدوار المتساوية القيمة وغير المتشابهة لإيجاد التعادل والتناسب فيما بينها والذي من شأنه إحكام الرابطة الأسرية وبلوغ أهدافها في إنتاج وحفظ النوع البشري ليبقى سليما ومتوازنا، أما في المجتمع العام فالأدوار تتوزع بين الناس رجالا ونساء على اعتبار إنساني لا على الذكورة والأنوثة لأن لكل من المرأة والرجل في هذه الأدوار العامة حقوقا وواجبات متساوية ومتشابهة· وبينت أن الاستشهاد بآية الإرث "للذكر مثل حظ الانثيين" والتي أعطت الذكر ضعف ما تعطيه للأنثى فهي جاءت بذلك لأن الذكر ملزم بالنفقة والمهر ويحتاج إلى الإنفاق بأكثر مما تحتاج الأنثى ومن هنا لايصح الخلط بين المؤسسة الأسرية والمؤسسة المجتمعية في الأدوار·
وأكدت المحميد أن الإسلام يرفض تقسم الأدوار في المجتمع العام بين الذكر والأنثى بشكل غير متشابه ويعتبر الأدوار فيه تقوم على اعتبار إنساني وما يحمله كل منهما من كفاءات·
وأضافت أن المساواة المطلقة في الإسلام بين الرجل والمرأة والمتشابهة في شكل تنفيذها في الحياة العامة خارج الأسرة تدين قانون الانتخاب وتؤكد على مجافاته ليس فقط لروح الدستور الكويتي وإنما لعدالة وإنصاف الشريعة الإسلامية· وقالت المحميد إن وجود المرأة في البرلمان وجود تخصص لدرايتها الميدانية بتفاصيل وخفايا القضايا الأسرية والتربوية والقضايا النسوية الخاصة·
وأشارت الى أن من أهم أهداف المرأة لممارسة حقوقها السياسية أهدافا بنائية لتعمير المجتمع موضحة أن تحرك المرأة للقيام بالدور السياسي هو استجابة لأوامر رب العباد حين قال تعالى {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وغير ذلك استجابة لوصية رسول الله الكريم ([) حين أوصى بالاهتمام بالشأن العام لقوله "من بات ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم"·
وبعد ذلك عقب الحضور على ما تناول طرحه المتحدثان في الندوة·· فمن جهته دعا الدكتور أحمد البغدادي الى ضرورة عدم إدخال كل موضوع بالجانب الشرعي والإسلامي معتبرا أن في ذلك غايات لدى البعض في تخويف الآخرين مشيرا الى المنشور الذي وزعه النائب أحمد باقر في مجلس الأمة فيما يتعلق باستخدام أساتذة كلية الشريعة لكلمة حرام·· إذ ذلك يعتبر تخويفا للآخرين من التأثيم·
وقال الزميل أحمد الديين ردا على ما يدعيه المعارضون من أن إعطاء المرأة حقها السياسي فيه ولاية عامة قائلا إن مسند الإمارة وفقا للدستور ينحصر في الذكور من ذرية مبارك الصباح وبالتالي فإنه ممتنع وفقا للدستور عن الرجال من خارج تلك الذرية وعن جميع النساء إطلاقا·
وبالتالي، فإن النقاش حول الولاية العامة ليس له أدنى أساس·
مواقف متضادة
وقال رئيس تحرير جريدة "الطليعة" أحمد النفيسي إن التيارات الإسلامية في الكويت وعلى لسان أحد أعضائها أشادت بالتجربة الديمقراطية ومشاركة المرأة في الانتخابات البلدية عندما كان يتحدث في ندوة في دولة قطر·
وتمنوا للكويت الشيء ذاته وهم الآن في الكويت يعارضون حق المرأة السياسي كما فعلوا الشيء ذاته عندما منع البرلمان التركي النائبة قاوقجي من دخوله لأنها ترتدي الحجاب حيث ثارت ثائرتهم حينها لأنهم منعوها وهم هنا يمنعون المرأة دخول البرلمان·
وتساءل عما إذا كانت التيارات الإسلامية ستشارك من خلال الإناث بالانتخابات في حال إقرار المجلس لمرسوم حق المرأة السياسي·
أدلة وأسانيد
وقال أحمد الصراف إنه مثلما لدى التيارات الإسلامية أدلة يستندون عليها فإن لدى الجانب الآخر أدلة أيضا وآراء رجال دين تدعم وجهة نظرهم·
وأشار الى أن المستفيد من إعطاء المرأة حقوقها السياسية هو التيارات الإسلامية مثلما هو حاصل في الجمعيات بعكس الجانب الآخر الذي ليس لديه أمير جماعة تنفذ كلمته مباشرة نتيجة تمتع التيارات الأخرى بالانفتاح والحرية·
أما الدكتور أحمد بشارة فقال إن العالم الآن يتجه نحو حقوق الإنسان وحريات التعبير والتوسع فيها فيما لا تزال التيارات الإسلامية وأساتذة كلية الشريعة منغلقين في آرائهم لأنهم لا يدرسون علوم ومواد العصر·