· معظم وقت المجلس يضيع بسبب إصرار أعضاء اللجان على الحديث عن الموضوعات التي عالجتها لجانهم دون أن يتركوا الفرصة لغيرهم من النواب!
كتبت فوزية أبل:
من المعروف أن فلسفة وجود لجان مختصة داخل مجلس الأمة قائمة على أنها مطبخ التشريعات والقوانين بمعنى أن أي تشريع أو أي موضوع يحال إلى أية لجنة من لجان المجلس لابد أن يأخذ حقه وكفايته من البحث المستفيض والدراسة الدقيقة والتمحيص الوافي من مختلف الجوانب والأركان، (اللجان) كونها متخصصة في بحث موضوعات محددة، فهي بعكس ما يتم بحثه واستعراضه في المجلس تحت قبة البرلمان·
تقرير شامل متكامل
عضو مجلس الأمة الذي يترشح لشغل مقعد في أية لجنة من اللجان من الأولى والأحسن أن يكون على دراية وفهم كافيين ومناسبين وأن تكون اللجنة من صلب اختصاصه وخبرته العملية فمثلا القانونيون للجنة القانونية، الأكاديميون والتربويون للجنة التعليمية، الاقتصاديون للمالية، أو أن تكون مجالات اهتمام العضو متوافقة مع أهداف واختصاصات اللجنة، وذلك حتى يتمكن من أداء واجبه النيابي والتشريعي بأفضل عطاء وأزخر إنتاج خصوصا في أثناء عضويته في اللجنة وفي سبيل أن يفيد ويثري اللجنة بوجه خاص والمجلس بوجه عام، فمن المهم أن يكون أعضاء اللجان مؤهلين لدراسة الموضوعات التي تحال إليهم من المجلس·
وبما أن أعضاء كل لجنة من اللجان المختصة عددهم قليل وخبراتهم متفاوتة ومقارنة بكم الموضوعات المحالة إليهم، ففي كثير من الأحيان تتطلب هذه الموضوعات كثيرا من المعلومات والبيانات والأرقام وتنوع الأطروحات والرؤى والمزيد من وجهات النظر في سبيل أن تتم دراسة هذه الموضوعات باستفاضة وبحث شامل ومتكامل الأركان والجوانب، ففي مثل هذه الأحوال يحق للجنة الاستعانة بمن تراهم من الاختصاصيين والخبراء أو من الباحثين والمهتمين سواء من داخل أو خارج المجلس·
المهم أن كل لجنة من لجان المجلس ملزمة بتقديم تقرير شامل متكامل ومستفيض ودقيق حول مجمل الموضوعات والقوانين المحالة إليها من المجلس·
الوضع المثالي
فمن هذا المنطلق نجد أنه يكون من خطورة وأهمية لجان المجلس أن التقرير النهائي الذي تقدمه اللجنة إلى المجلس هو ما يوجّه رأي المجلس ويحدد مساره في شأن اتخاذ ما يمكن اتخاذه بالنسبة للموضوعات المحالة إليه، حيث تكون هذه التقارير قد ضمت خلاصة التشريع (أو الموضوع) واستيفاء واستيضاح الهدف منه إضافة إلى كشف وإبراز السلبيات والعيوب والإيجابيات والمزايا·
ومن هنا فإننا نستطيع القول إن هذا هو الوضع المثالي الذي يفترض أن تكون عليه لجان المجلس بشكلها العام وصورتها الحقيقية والمهام المناطة بها وما ينبغي أن تقوم بها من دور·
اللجان والواقع البرلماني
لكن وللأسف الشديد ما يحصل على أرض الواقع البرلماني أمر بعيد كل البعد عن أصول وقواعد الواجب التشريعي والتمثيل النيابي وما يحويه من مضامين والذي يفترض أن يكون عليه أعضاء المجلس لاسيما أعضاء اللجان·
فما نود التركيز عليه هو أنه عندما يتم تقديم وعرض التقرير من قبل أي لجنة من اللجان إلى المجلس - وطبعا بعد الانتهاء من دراسته وبحثه باستفاضة وبعد أن اشتغل واجتهد أعضاء اللجنة به - نجد أن أعضاء اللجنة أنفسهم لا يتركون الفرصة لزملائهم أعضاء المجلس الآخرين "غير الأعضاء في اللجنة" لمناقشة التقرير والتباحث في ما ورد فيه بل إنهم وأثناء عرض ومناقشة التقرير في المجلس يبادرون "أعضاء اللجنة" الى معاودة وتكرار ما بحثوه وتناولوه وذكروه في اللجنة ويتسابقون لمناقشة الموضوع نفسه ويعكسون وجهات النظر نفسها مرة أخرى داخل المجلس مع العلم أنه في تقرير اللجنة يتم تدوين وتطعيم التقرير بكل المعلومات المتعلقة بالموضوع والبيانات ووجهات نظر الأعضاء من مؤيدين ومعارضين وتفاصيل عملية تصويت الأعضاء، فكل شيء واضح ومدوّن ومثبت في التقرير، إذن لماذا التكرار والمناقشة والمعاودة والحديث من جديد من قبل أعضاء اللجنة؟!
تضييع وتعطيل المجلس
الأجدى من كل هذا وذاك أن يترك الحديث والقرار لبقية الأعضاء وإفساح المجال للتباحث والتناقش والتحاور، فجدول أعمال المجلس مزدحم وفيه بنود كثيرة بحاجة إلى أخذها مأخذ الاهتمام والتفعيل، فالتخبط والتسابق والتباري اللامنطقي واللامعقول الذي نراه من جانب أعضاء اللجان ومعاودة وتكرار الحديث ثانية وثالثة بدوره يساعد بشكل مباشر وغير مباشر في تضييع وقت المجلس وتشتيت أولوياته وتعطيل مناقشة وبحث والنظر في موضوعات لا تقل أهمية عن الموضوع المطروح والذي بدوره يشلّ عمل اللجان ويفقدها فاعليتها وحيويتها ويغيّب دورها وبالتالي سيصيب المجلس هو الآخر بالشلل والركود وفقدانه المصداقية أمام جمهور الناخبين، وتقهقر الدور الذي يفترض أن يلعبه· لا نعرف حقيقة إن كان ما يقوم به أعضاء اللجان من معاودة وتكرار الحديث والنقاش مجرد عرض عضلات ومزايدات ليس أكثر أم أنهم يجدون في الحديث والتكرار فرصة للظهور أمام جمهور النقل التلفزيوني!! أم أن البعض من الأعضاء يرغب في إيصال وجهة نظره معارضة كانت أو مؤيدة لتحقيق مكاسب انتخابية أو سياسية!! أم ماذا بالضبط؟!
في الوقت نفسه نجد برلمانات العالم المتقدم تولي لجانها أهمية خاصة وتقدم لها ما تستطيع من دعم ومساندة وتزودها بالاختصاصيين وبالإمكانات الإدارية والفنية، فمن المعروف أن عمل اللجان داخل المجلس هو الذي يعكس العمل الحقيقي للمجلس بأكمله وأداء أعضائه بما يتوافق والمرحلة المعاشة وبما يواكب متطلبات التنمية الوطنية الشاملة·