استعد أعضاء في الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي وجماعات الحريات المدنية لطرح أسئلة قاسية بشأن تنصت وكالة الأمن القومي الأمريكية على المكالمات ورسائل الفاكس والبريد الالكتروني عبر البحار، في أقسى تحقيق في عمليات الوكالة منذ أن حققت "لجنة تشيرش" في نشاطاتها التجسسية قبل 24 سنة (جاء ذلك في تقرير نشرته قبل يومين صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية)·
وبدءا من تقرير مكتوب لدى البرلمان الأوروبي الذي يضم ممثلي 15 بلدا، تنامى القلق العام في كثير من البلدان من نشاط "إيشيلون" وهو الاسم الرمزي لشبكة مراقبة عالمية تديرها وكالة الأمن القومي الأمريكية وشركاؤها في بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا· وبلغت حدة الرفض لأنشطة هذه الشبكة ذروتها الجنونية في "يوم تعطيل إيشيلون" عندما طلب منظموه من جميع مستخدمي البريد الالكتروني في جميع أنحاء العالم أن يرسلوا قدر ما يستطيعون رسائل تحتوي كلمات مثل "قنبلة"، و"قتل" في محاولة لاتخام الكمبيوترات العملاقة لوكالة الأمن القومي التي تنقب في ملايين الاتصالات المرصودة بحثا عن تهديدات للأمن القومي·
وتبقى هناك أسئلة خطيرة: فهل تتنصت وكالة الأمن القومي على المواطنين الأمريكيين، إما عمدا أو بالصدفة؟ وهل تتبادل المعلومات مع بلدان أخرى؟ وماذا تفعل عندما يتصل الأمر بأسرار تجارية أو بوجود أدلة عن فساد في المستويات الرفيعة؟
عن هذا قال باري شتانيهارت وهو نائب مدير "الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية" إنه "في الوقت الحالي نعتبر ايشيلون صندوقا أسود ونحن لا نعرف حقا ما في داخله· ونظرا الى تجاوزات سابقة لوكالة الأمن القومي الأمريكية يعتبر سوء استخدامها أكثر من معقول"·
وكانت الوقائع الأساسية لشبكة "ايشيلون" غامضة بقدر دفع الاتحاد الأمريكي للحقوق المدنية الى تأسيس موقع على شبكة الإنترنت هو W.W.Wechelonwatch.org حتى يكون بمثابة مستودع للمعلومات عن شبكة التجسس العالمية التي لم تعترف وكالة الأمن القومي قط بوجودها· وأول ما عرف أنصار الحقوق المدنية عن هذه الشبكة كان في يناير من عام 1998 بعدما أعلن البرلمان الأوروبي أن "وكالة الأمن القومي الأمريكية تخترق داخل أوروبا جميع رسائل البريد الالكتروني والاتصالات بالهاتف والفاكس"·
وفضلا عن المخاوف بشأن السرية الشخصية، يتساءل المسؤولون على جميع أنحاء أوروبا عما إذا كانت الوكالة تسرق أسرارا تجارية وتعطيها لشركات أمريكية منافسة وهذه تهمة نفاها المسؤولون الأمريكيون بقوة·
في هذه الأثناء، أضاف الكونغرس الأمريكي بندا الى ميزانية الاستخبارات للعام 2000 يقضي بأن تقدم وكالة الأمن القومي خلال ستين يوما تقريرا عن المعايير القانونية لأعمالها التنصتية على الاتصالات داخل الولايات المتحدة وخارجها·
وقال النائب روبرت بار جونيور وهو جمهوري من ولاية جورجيا الذي كان وراء هذا البند أن "ايشيلون توحي تماما بأنها برنامج يتخطى بكثير ما يجب أن يكون ويطرح أسئلة كثيرة بشأن دستوريته· وأضاف روبرت بار وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية "سي· آي· إيه" أن أحداً في الكونغرس لم يطرح أسئلة جدية على وكالة الأمن القومي بشأن المراقبة الالكترونية منذ عام 1975 عندما كشفت لجنة يرأسها السيناتور فرانك تشيرش، وهو ديمقراطي من أيداهو، أن الحكومة الأمريكية تنصتت بطريقة غير شرعية على برقيات المواطنين الأمريكيين طوال 30 سنة، كما على اتصالات المنشقين الداخليين في الستينيات·
وينفي المسؤولون الأمريكيون المطلعون على نشاطات الوكالة، من دون أن يؤكدوا وجود إيشيلون أو ينفوه، إنها تنتهك الحقوق المدنية للمواطنين الأمريكيين· وهم يقولون إن الوكالة تلتزم ميثاق المراقبة الاستخبارية للأجانب لعام 1978 الذي أدى تحقيق "لجنة تشيرش" الى ولادته· فهذا الميثاق يمنع الوكالة من التنصت عمدا على المواطنين الأمريكيين في أي مكان إلا إذا استطاعت أن تثبت سببا وجيها لكون أحدهم عميلا لدولة أجنبية أو متورطا في جرائم أخرى·
ويقول القانون إنه عندما تخترق الوكالة أي اتصالات صادرة من موظف أمريكي أو واردة إليه في إطار جمع معلومات استخبارية خارجية، لا يمكنها أن توزع هذه المعلومات على الهيئات الحكومية الأمريكية وأنه يجب إتلافها في غضون 24 ساعة إلا إذا كانت تحتوي تهديدا بالقتل أو إيذاء جسديا لأحد الأشخاص·
وينفي المسؤولون الأمريكيون أيضا أن تكون وكالة الأمن القومي وشركاؤها في الخارج تتهرب من الحظر على التجسس الداخلي بواسطة تبادل المعلومات· وقال ستيوار بيكر المشرف العام السابق على الوكالة وهو محام في قطاع الاتصالات الآن: "يمكنني أن أقول قطعا إن وكالة الأمن القومي هي متأنية بقدر ما يريدها أي من أنصار الحقوق المدنية في ما يخص التزام القانون"·