الكتاب الأصلع..!
ركان الصفدي
"1"
مشكلة الكتاب العربي ليست تقنية ولا تنظيمية ولا إدارية ولا اجتماعية ولا اقتصادية ولا تربوية ولا أنثروبولوجية ولا سيكولوجية ولا جيولوجية ولا فيزيائية ولا كيميائية، إنها فقط سياسية! وإلاّ لم يقف على الحدود العربية التي تسمح بدخول السماسرة وتجارب الممنوعات ومهرّبي الآثار والأوطان ولصوص الذهب والنفط والماء والتراب والهواء، بل ربمّا كان عبور باراك نفسه أسهل من عبور كتاب "مشبوه"!
"2"
على الكتاب العربي أن يمثل أمام عشرين رقيبا، يمثل كل منهم دولة عربية "مع الاعتذار لجمهورية جزر القمر الشقيقة ريثما نتأكد أن الانقلاب الأخير هو الأخير، ولجمهورية الصومال ريثما نتأكد أنها لن تصبح جمهوريات الصومال، وللسلطة الفلسطينية ريثما يصبح الطريق الآمن بين الضفة والقطاع الممتد كحبل التوازن في السيرك·· آمنا، ولكل من سهونا عنهم ريثما يكتمل نصاب قمة عربية طارئة"·
الرقيب الرجعي سيصادر جميع العبارات التقدمية، والرقيب التقدمي سيمنع جميع الأفكار الرجعية، وهذا سيحذف كل ما يمس بلده، وذاك سيمسح كل ما يتحدث عن الوحدة العربية، وذلك سيشطب كل ما يشير إلى النزعة القطرية، وبعضهم سيمنع كل ما له علاقة ببلد معاد وآخر سيمنع كل ما يتعلق ببلد صديق، وهذا سيحذف وذاك سيمزق وذلك سيشطب وآخر سيلغي وآخر سيسحق وآخر سيسحب إلى آخر ما في قاموسنا العربي الزاخر من أفعال متعدية إلى ألف مفعول·· بعد ذلك ماذا سيبقى من الكتاب العربي؟!
"3"
إن حال الكتاب العربي مع الرقابة العربية كحال ذلك الرجل المسن الذي تزوّج امرأتين إحداهما شابة والثانية عجوز، فكانت الشابة تنزع من رأسه الشعر الأبيض الشائب، والعجوز تنتزع الشعر الأسود·· حتى غدا رأسه كاليقطينة البيضاء الملساء· فكيف إذاً ورجلنا متزوّج بعشرين امرأة، ماذا سيبقى من شعره، بل لحمه وعظمه؟!
"4"
لو كان أجدادنا في الزمن الغابر يطبقون "معاييرنا" الرقابية في زماننا الأغبر، لما وصل إلينا إلا "صحيفة لقمان" لأن معظم الكتب التراثية، شعرا كانت أو نثرا، يخل بمعيار أو أكثر من ميزان "صاغتنا" الغطاريف، ولن نذكر الكتب المثيرة للمشكلات الرقابية صراحة وعلناً سواء من الناحية السياسية أو الدينية أو الأخلاقية وهي كثيرة جدا، وإنما نكتفي بثلاثة كتب هي أشهر كتب الأجداد الأمجاد: "الأغاني" للأصفهاني، و"البيان والتبيين" للجاحظ، و"ألف ليلة وليلة" لشعوب الشرق جميعا، فهذه الكتب الثلاثة تضرب بقانون الرقابة عرض·· البحر، وكان حريَّا أن تمنع هذه الكتب قبل منع أي كتاب، فهي لم تكتف بالإشارات السياسية ولم تحتو على ما يمسّ بالمقدسات فقط ولم تتضمن وصفا جنسيا لتفاحة، وإنما نبشت كل ما في أعماق الإنسان العربي من وحول·
فلتمنع هذه الكتب الثلاثة وأمثالها، وليبق معرض الكتاب لـ "الشيف رمزي" وتاريخ الطوابع وقراءة الكف والقدم!
"5"
الكتاب في بلادنا ممنوع حتى تثبت·· إجازته، والكاتب العربي متهم ومسجون حتى يطلق سراحه، والثقافة العربية مشبوهة حتى تثبت تخلفها!
"6"
لماذا نستوطىء دائما حائط الكتاب مع أنّ وسائل الإعلام المختلفة زاخرة بما يخدش حياءنا السياسي والاجتماعي، وقارىء الكتاب في هذا الزمان لم يعد الإنسان العادي الذي خطفته الصورة التلفزيونية ووسائل الترفيه المختلفة، وإنما هو المثقف الذي يزن الأمور بميزان العقل والوعي، وهو على درجة كافية تؤهله للتمييز بين الصواب والخطأ·· القراء ليسوا طوابير مصطفّة على كتاب جاد، فعّمن نمنع الكتاب؟
"7"
كنا نردّد سابقا مقولة "اعرف عدوك" ولذلك فإن من العجب أن يمنع كتاب مذكرات لزعيم صهيوني "وهل نتوقع ألا يمسّ عدونا مقدساتنا أو ثوابتنا، بل وجودنا نفسه، غير أنناحين علمنا أن كتب الأصدقاء تمنع أيضا "روجيه غارودي على سبيل المثال" بتنا بحاجة إلى مقولة "اعرف صديقك"·· أيضا!
"8"
علينا أن نقيم تمثالا تذكاريا تكريميا بطول أحزاننا وعرض خوفنا وارتفاع أحلامنا لمخترعي الانترنت!