رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9-15 شعبان 1420هـ -17 - 23 نوفمبر 1999
العدد 1403

هل يمكن التحديد العلمي في مجالات الأدب النسبية؟
في قضية الجنس الأدبي: مشكلة المصطلح والمفهوم

كتب سليمان حسين:

قد تكون مشكلة المصطلح والمفهوم في العلوم الإنسانية، أو العلوم التطبيقية من أهم المشكلات التي واجهت نقل المعرفة الجديدة عبر اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية منذ بداية ما سُمّي بعصر النهضة العربية إلى وقتنا الحاضر وذلك لأسباب كثيرة، أولها الصراع الفكري والعقيدي الحاد الذي نشب في تلك الفترة وما بعدها، بين الاتجاهات العربية التي كانت تسعى إلى مفهوم إلغاء الآخر المباين، دون وعي بضرورة التجاور والتفاهم والتآخي، وثانيها الكمُّ المعرفي الهائل الذي وفد إلى الذهن العربي من شتى أصقاع الكون، إلى درجة أدت إلى الضياع بين ركان المستورد المعرفي، وثالثها غياب المؤسسات المتنفذة التي تجمع شتات جهود الاصطلاحيين، وتعممه على المشتغلين بالعلوم اللهم إلا إذا استثنينا بعض مجامع اللغة العربية في بعض الأقطار العربية التي جهدت في سبيل ذلك، لكنها ظلت في مجالات محدودة لم تستطع الوصول بها إلى الهدف المنشود·

لذلك، لابد من تكثيف البحث في مجال التحديد العلمي لمفهومات المصطلحات، خصوصا فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، لأنها الأكثر قبولا للنسبية، وأخص النقد الأدبي والأدب لأنهما أكثر هذه العلوم أو المعارف إمكانية للخلاف والنسبية·

انطلاقا مما تقدم كان لابد لنا من أن نلقي نظرة فاحصة ومحللة لمفهوم أحد المصطلحات الإشكالية التي ما زالت حتى اليوم تجد إشكالا في الاستعمال وفي تحديد المفهوم الذي يندرج تحتها

"الجنس - النوع" في الدلالة المعجمية:

إن المصطلح مهما يغرق في ابتعاده عن وضعه اللغوي الخام، أو أصله الوضعي الأول، فإنه يبقى مرتبطا بالمستوى المعنوي لهذا الأصل الوضعي لذلك لابد من العودة إلى المعجم لاستيضاح الدلالة اللغوية الدقيقة للمصطلح الذي نتناوله في بحثنا هذا، وللوصول إلى اختيار الدال الأكثر دقة بين الدالين التاليين: الجنس، النوع تقدم لنا المعاجم ما يلي: أولا ــ لسان العرب: يقول ابن منظور "الجنس أعم من النوع·· الجنس الضرب من كل شيء، وهو من الناس ومن الطير·· والجمع أجناس وجنوس·· مادة جنس·· ويقول أيضا في مادة نوع: "النوع أخص من الجنس وهو أيضا الضرب من الشيء·· والجمع أنواع قل أو كثرَ،·· وقد تنوع الشيء أنواعا··" وهذا ما يردده جميع المعجميين العرب التراثيين، واعتمد عليهم كل من ألف بعدهم· وقد وجدنا من الباحثين المعاصرين من يخلص إلى تفضيل مصطلح الجنس على النوع، كالدكتور عبدالملك مرتاض في كتابه "في نظرية  الرواية" الذي يقول: "وأما لماذا اصطغاهما معا "يقصد الجنس والنوع" فمن أجل الميز بين معنيين اثنين مختلفين، فقد وجدنا ابن منظور يقرّر أن الجنس أعم من النوع، وهو وجه من التدقيق اللغوي أغرانا بأن نجعل الجنس هو الأصل الذي تتفرع من الأنواع، كشأن الشعر الذي، إن كان في نفسه جنسا، فإن المسارات التي عرفها عبر تطوره، وتشعب موضوعاته واختلاف أشكاله جميعا هي في حقيقتها أنواع، وقد حفلت المعاجم الأدبية التي أُلفت لغرض حد المصطلحات بالحديث عن مصطلح "الجنس والنوع" غير أنها حفلت أيضا بالمشكلة ذاتها في عدم التمييز الدقيق بين مفهوم الجنس ومفهوم النوع، فنجد مثلا، أحد المعجميين العرب المهتمين بحدود الاصطلاح يثبت في معجمه ما يلي: جنس "نوع" أدبي Genre: صنف أو فئة من الانتاج الفني له شكل متعين وتكنيك أو مضمون، والكلمة أصلها فرنسي، وهي مرادفة للنوع أو الصنف، ومن بين الأنواع الأدبية هناك الرواية والقصة القصيرة والمقالة والملحمة·· إلخ·

والكلمة عامة مرنة الحدود، فالشعر يدل على نوع أدبي، ولكن الشعر الغنائي والرّعوي والأغنية والمرثية وغير ذلك، كلها أنواع أدبية أيضا، أما في التصوير، فالمصطلح ينطبق على الأعمال التي تعالج الحياة اليومية مستخدمة تكنيكات ذات نزعة واقعية، وهنا نجد أنفسنا ملزمين بالتوقف عند النقاط التالية، لمناقشة مفهوم المصطلح السابق·

1 - يتوقع من معجم يحدّ المصطلحات والمفاهيم أن يسعى نحو الدّقة والتخلص من الازدواجية المصطلحية أو التدخل المفهومي، لا أن يزيد في عدد الدالات، فقد كانت المشكلة في "الجنس" أو "النوع" لكن هذا المعجمي أضاف إليها ما يزيد الأمر تعقيدا، فقد قدم لنا دالين جديدين "صنف" و"فئة"

2 - ينتقل المعجمي في تأصيل مصطلحه هنا من الدال غير العربي، ويبحث له عن موازيات عربية وصل عددها إلى "4" دالات - كما رأينا - ولا يكترث أبدا لمناقشة المقابل العربي الدقيق·

3 - وهذا ما جعله يتوصل في النهاية إلى أن الكلمة مرنة تقبل الرواية والقصة القصيرة والملحمة··  كما تقبل في الوقت نفسه الشعر الغنائي والرعوي، والأغنية والمرثية وغير ذلك·· وهذا الإطلاق والمرونة ليسا في النهاية من سمات المعجمية المصطلحية المنهجية الدقيقة، التي تقتضي الخلوص إلى نتيجة تكون في أقل تقدير ترجيح مصطلح أو كلمة على الأخرى اعتمادا على معيار أو مقياس معين، ثم إنه لم يحدد لنا الكلمة التي يقصدها بقوله "مرنة" فهل هي النوع أم الجنس أم الصنف أم الفئة أم الأصل الفرنسي Genre؟!

ويتناول سعيد علوش في "معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة" مفهوم النوع من وجهة نظر "سوسيولغوية" أي اجتماعية لغوية، فيقرر أن النوع يشير إلى "طبقة خطاب يتم التعرف عليها بفضل مقاييس اجتماع لغوية" ولا يحدد هذه المقاييس، فلا نستطيع أن ندرك بدقة ماذا يقصد بذلك، ولكن المهم أنه يحيل إلى مرجعية اجتماعية أولا، وإلى مرجعية لغوية ثانيا، لذلك لابد لنا من الاهتمام بهاتين المرجعيتين فيما يتعلق بقضية النوع الأدبي، فاللغة والمجتمع ضرورتان بشكل من الأشكال للحديث فيها·

ويتابع سعيد علوش موغلا في تحديد مفهوم "النوع أو الجنس" مركزا على تكوينه العضوي ويدقق فيقول:النوع أو الجنس تنظيم عضوي لأشكال أدبية كان يمكن تمييز الأنواع الكبرى عن الأنواع الصغرى في نظرية الأنواع الأدبية التي تقوم على محورين متمايزين: أ - مفهوم كلاسيكي، يقوم على تعريف غير علمي للشكل والمضمون، ولبعض طبقات الخطاب الأدبي كـ "الكوميديا - التراجيديا"،  ب - مفهوم "واقع" الأصالة التي تكشف عن العوالم المختلفة والتسلسل السردي·

وهنا يمكننا أن نورد بعض الملاحظات على مفهوم "الجنس أو النوع" عند سعيد علوش:

1 - يربط سعيد علوش المصطلح بمنتجه "الاجتماعي" وهي سمة دقيقة وضرورية تمنح الولوج في عمق فهم المصطلح·

2 - يتناول المصطلح من وجهة نظر تكوينية أو عضوية، وهو أيضا أداء مركز يؤدي إلى وعي المفهوم وعيا دقيقا·

3 - عدم الاعتماد على مصطلح واحد أو ترجيحه، وإنما ذكر المصطلحين معا لدلالة واحدة، فكان يخير بينهما بأو في اللفظ ولا يخير في المعنى، فيقول : "الجنس أو النوع" وهذا المزج جعله يميز بين أنواع كبرى وأنواع صغرى، فالأنواع الكبرى هو ما نقترح أن ندعوه "الأجناس" والأنواع الصغرى ما نقترح أن تدعوه "الأنواع" فقط دون وصف، فتقول مثلا: الشعر والرواية والمسرحية والقصة والملحمة أجناس، أما الرواية التاريخية، أو الرواية الاجتماعية·· أو المسرح الشعري، أو المسرح النثري، أو القصة الطويلة أو القصيرة، أو القصيرة جدا فهي أنواع·

ولم يقتصر الاهتمام بهذا المصطلح على المعجميين، وإنما حاول كثير من النقاد الوقوف على حد دقيق للجنس الأدبي، ومن هؤلاء الناقد العربي المعروف محمد مندور الذي كانت له إسهامات كبيرة في تاريخ النقد العربي الحديث، خصوصا في نقل المفاهيم النقدية الحديثة·

يقول مندور: إن كلمة "جنس ونوع" مأخوذة من مقولات أرسطو، وهي تستخدم في علم النبات، وعلم الحيوان، وعلم الأجناس البشرية، وليس هناك مانع من نقلها إلى عالم المعنويات، وإن كنت أفضل لفظة "فنون" على اللفظتين السابقتين، لأنها مرتبطة بالقيم الجمالية التي تميز الأدب كله عن غيره من الكتابات·· كما أن لفظة "فنون" تحتفظ بالرابطة القائمة بين الأدب وغيره من الفنون، بحيث يخشى من العدول عن هذا الاصطلاح أن يظن ظان أن الأدب لا يشترك مع الفنون الأخرى كالفنون التشكيلية والموسيقية في أسسه الجمالية وأهداف تعبيره، فالفنون كافة تتصل بفلسفة إنسانية واحدة··

1 - لم يرس مندور عن مصطلح واحد في النهاية، وإنما طرح ما يفضله لأسبابه الخاصة التي اقتنع بها·

2 - إن المسوغات التي طرحها مندور تتعلق بقضية خارج المصطلح الذي يعرضه، فإطلاق مصطلح الجنس الأدبي والنوع لن يفقد الأدب أدبيته وفنيته بمجرد نزع مصطلح الفنون عنه·

3 - يمكننا أن نعد أنواعا من الفنون كفن الموسيقى· فن المسرح، فن الرواية، فن النحت، فن الزخرفة، فن الخط، للدلالة على أن كلمة فن كلمة عامة "فضفاضة" الدلالة، فهي لا تناسب بدقة النوع أو الجنس·

 

الجنس الأدبي·· المدلول والمفهوم:

 

المشكلة التي تعترض طريقنا في هذا المجال، هي مشكلة آلية نشوء الأنواع الأدبية، وارتقائها لتنتمي في النهاية إلى سياقها الحتمي "الأدب"·

إن ظهور أي نوع أدبي مرتبط ارتباطا وثيقا بقدرات المجتمع الذي ينتج الأدب، وبالرؤى الاجتماعية والثقافية التي تنتج عن العلاقات الإجتماعية، لأن الأدب مخلوق اجتماعي بالضرورة، وهذا الخلق بتوخي أن يكون متميزا بنزوعه الجمالي على مستوى الفن والفكر والرؤيا، وهذا يعني أن الأدب، وأن جميع الأنواع الأدبية انعكاس فني جمالي فكري لقدرات المجتمع، وليس أي مجتمع، وإنما المجتمع الذي يجعل جل طموحه التقدم والتطور، وبهذا يمكننا القول: إن الأنواع الأدبية لا تظهر ارتجالا، أو على هيئة طفرة، بل إنها تنبثق من حاجات فنية أولا، وفكرية أولا، أيضا!

وهذا ما يؤكده كون جميع المذاهب الأدبية والمناهج النقدية لدى الغربيين انعكاسا حتما لنظريات فلسفية واجتماعية وسياسية، وكانت هذه النظريات بدورها نتاجا للتحولات الحضارية والأيديولوجية في المجتمعات التي أنتجتها وهو ما دعا جورج لوكاتش إلى اعتبار الرواية النوع الأدبي الأمثل للبورجوازية، وذلك في كتابه "الرواية كملحمة بورجوازية" وهو النوع الذي عبرت فيه عن انتقالها من حقبة أيديولوجية إلى أخرى، و"الأنواع الأدبية قد تعد أوامر دستورية تلزم الكاتب،وهي بدورها تلتزم به في وقت واحد·· النوع الأدبي مؤسسة كما أن الجامعة أو الدولة مؤسسة"·

 

حدود الأجناس - حدود الأنواع:

 

اعتمادا على ما تقدم، نقدم الآن تصورنا لحدود الأجناس الأدبية مستندين إلى اختيار ثابت ومدروس لمصطلح "الجنس" للدلالة على  الأنواع الأدبية الكبرى، ومصطلح النوع للدلالة على الأنواع الصغرى، وبهذا نتخلص من المرونة والاتساع الدلاليين·

ومن الواضح أن أكبر تقسيم للأدب هو تقسيمه إلى شعر ونثر، وبالرغم من وضوح هذا التقسيم، إلا أن هذا الوضوح ظاهري فقط، ويتبين ذلك عندما ننظر في الأساس أو الأسس التي تفصل بين الشعر والنثر، ولقد يبدو أن النظم هو الذي يميز الشعر عن النثر، ولكننا نلاحظ أن واضع نظرية الفنون الأدبية والتمييز بين الشعر والنثر هو أرسطو، حيث يقول: "إن ما يكتبه المؤرخ اليوناني هيرودوت عن الحرب الفارسية اليونانية قد كان من الممكن أن يكتبه نظما دون أن يدخله ذلك في الشعر، وذلك لأن أرسطو يرى أن الشعر في مثل هذا الحالة لا يتميز عن النثر التاريخي بقالبه المنظوم بل يتميز عنه بمضمونه الشعري" ويطرح هذا الكلام جوهر التمييز بين الشعر والنثر الذي لا يتجلى في النظم وإنما يتجلى في المضمون الشعري، وهاتان القضيتان هما ما دارت حولهما نقاشات طويلة وحادة، وما زالت إمكانيات هذا النقاش تتفاعل إلى يومنا هذا·

يضاف إلى ذلك ما ظهر من دعوات لاستقلالية الشعر عن أي فن من الفنون الأخرى، وأولها الموسيقى فظهرت في أوروبا "نظرية الشعر الصافي PUREPOETRY: وهي نظرية قال بها عدد من الشعراء الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل هذا القرن، ومضمونها أن الشعر يجب أن يقوم بذاته كفن مستقل، له مقوماته الخاصة التي لا يستمدها من أي فن آخر كفن الموسيقى" ويجمع الأدباء والنقاد على أن "أرسطو في كتابه "الشعر" وضع الأسس التي تقوم عليها نظرية "فنون الأدب" والفواصل التي تقوم بين كل فن وآخر على أساس خصائصه من ناحية المضمون ومن ناحية الشكل على السواء، وكان أرسطو يلاحظ في عصره أن فنون الأدب ينفصل بعضها عن بعض انفصالا تاما، حتى لنراه يحول هذه الملاحظة إلى قاعدة عامة أخذ بها الكلاسيكيون في القرن السابع عشر الميلادي، وأصبحت من المبادىء الرئيسية للمذهب الكلاسيّ الذي كان إنتاجه أوضح وأكبر ما يكون في فنون المسرح الشعري، حيث نرى الكلاسيكيين ينادون بضرورة فصل التراجيديا عن الكوميديا فصلا تاما، ويعيبون أشد العيب أن تتخلل المأساة مشاهد أو شخصيات فكاهية ويعود ذلك إلى طبيعة كل نوع أدبي، فالتراجيديا يجب أن تكون مستقلة عن الكوميديا، لأن التداخل يكسر حدة الإخلاص الفني ويخل بالمعادل النفسي الذي يقدمه كل نوع·

وفي الختام نقول: إنه لا يمكننا بحال من الأحوال الوصول إلى شمول كاف ومستقص لجملة الأفكار التي نود طرحها، في مقال قصير، وندعو الباحثين والنقاد الذين يهمهم مثل هذا الأمر إلى أن يبذلوا كل وسعهم للبحث في هذا الموضوع والوصول في النهاية إلى لغة علمية مصطلحية مشتركة تساعد في البناء عليها وتتجاوز القصور الحاصل في هذا المضمار·

 

المراجع

 

1 - الأدب وفنونه، محمد مندور، دار نهضة مصر ، ط "2" د· ت

2 - فن الشعر، أرسطو، دراسة وتقديم د· عبدالرحمن بدوي - دار الثقافة ، بيروت، لبنان، ط "2"، 1973·

3 - في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ، العدد 240، كانون الأول 1998·

4 - معجم المصطلحات الأدبية، إبراهيم فتحي، المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، تونس، ط "1" 1986·

5 - معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت، شوسبرس، الدار البيضاء ، ط "1"، 1405 هـ  - 1985·

6 - نظرية الأدب، رينيه ويلك، أوستن وارن ، ترجمة محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والعلوم الاجتماعية والآداب د· ت د·ط·

طباعة  

ضوء
 
أمنية
 
نافذة
 
أجراس