كتب محرر الشؤون الخارجية:
كان الافتتاح الرسمي لمفاوضات الوضع النهائي على المسار الفلسطيني مسبوقا مثل كل مناسبة تفاوضية مهمة بعملية عسكرية· لكن وجه الاختلاف هو أن إسرائيل واصلت التفاوض· فقبل توقيع اتفاق شرم الشيخ (واي ريفر - 2) في الخامس من سبتمبر وقعت عمليتان انتحاريتان واحدة في طبريا والثانية في حيفا· لكن ايهود باراك فضل خلافا لسلفه اليميني بنيامين نتانياهو مواصلة السير في عملية السلام لا تعليق المفاوضات·
في الواقع تتضارب دواعي التفاؤل بمستقبل هذه العملية بقوة مع دواعي التشاؤم· ففي إسرائيل الآن حكومة تؤكد مرة بعد أخرى أنها تواصل نهج رئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين وخليفته شيمون بيريس· لكن هذه الحكومة نفسها تؤكد رفضها التخلي عن القدس الشرقية أو تفكيك المستوطنات ولا تقبل حتى الآن إعادة لاجئي 1948· وإذا كانت هذه الحكومة ورئيسها يعلنان أنهما لن يحتفظا بمرتفعات الجولان، فلماذا لم تبدأ المفاوضات على المسار السوري· وعلام ينطوي وعد باراك بالانسحاب من جنوب لبنان حتى لو لم يحصل اتفاق؟ وعلى المسار الفلسطيني يستمر التضارب بين التفاؤل والتشاؤم· فباراك أطلق مجموعة من السجناء الفلسطينيين وشرع في مفاوضات الوضع النهائي وإن كانت بعد تأخير مثل كل مرة· وهو حدد مع الفلسطينيين في اتفاق شرم الشيخ شهر فبراير موعدا نهائيا لإنجاز اتفاق إطار على قضايا الوضع النهائي وشهر سبتمبر من السنة ألفين موعدا نهائيا لإبرام اتفاق الوضع النهائي· فهل تصدق المواعيد؟
وماذا تفعل الولايات المتحدة· ففي قمة أوسلو الأخيرة في الثاني من نوفمبر، وعد رئيسها بيل كلينتون بأن يبذل كل ما في وسعه لدفع عملية السلام الى الأمام· بل إن المنسق الأمريكي دنيس روس قد يأتي الى المنطقة كل أسبوعين حتى يتابع تقدم المفاوضات· فماذا يمكن أن يحدث؟
أول استهلال لمفاوضات الوضع النهائي لا يبشر بخير كثير على المسار الفلسطيني· فرئيس الوفد الإسرائيلي أوديد عيران كرر أن التفسير الإسرائيلي للقرار 242 يختلف عن التفسير العربي· وهذا الموقف استمرار لموقف باراك الذي قال لصيحفة "لوموند" في 21 سبتمبر عندما زار باريس للمرة الأولى أن الضفة الغربية هي مهد الشعب اليهودي وأن الاحتفاظ ببعض المستوطنات قضية لا نقاش فيها·
في حقيقة الأمر، هناك تلازم بين المسارين الفلسطيني والسوري (وتاليا اللبناني) تفرضه حقائق الواقع وإن كانت لا تقره مواقف الأطراف (وتحديدا منظمة التحرير وإسرائيل) وهو تلازم يتصل بآفاق الوضع النهائي لا باتفاقات المرحلة المؤقتة· والأسباب كثيرة·
ففي تصريحه لـ "لوموند" في 21 سبتمبر، قال باراك إنه يعتمد على حكومة قوية تمثل جميع قطاعات الشعب الإسرائيلي في حزب العمل الى حزب المهاجرين الروس (الميال قليلا الى اليمين) وحزب "شاس" الذي لا يعارض عملية السلام إنما يستند الى ناخبين يمينيين، كما الحزب القومي الديني· وهو يبدو تعلم الدرس جيدا من اغتيال رابين برصاص متطرف يهودي· فالتحالف الحكومي يؤمن له قاعدة شعبية واسعة· لكن التخلي عن الأراضي في الضفة ما زال ينطوي على إحداث توتر بين الإسرائيليين قد يرقى الى القتل·
وفي المجال الخارجي، استطاع باراك أن يستعيد ما خسرته إسرائيل من تأييد في أيام نتانياهو بتنفيذه بعض ما ورد في اتفاق شرم الشيخ· لكن كل ذلك لا يكفي· فأية صفقة نهائية مع السلطة الفلسطينية لا يستطيع باراك أن يبرمها إلا إذا قدم للشعب الإسرائيلي إنجازا على مسار آخر· وهذا المسار هو اللبناني· وهناك يستطيع باراك أن يضرب عصفورا آخر، فإذا انسحب من لبنان وأنهى تورطا يكلفه نحو 30 قتيلا من جيشه في السنة، يسحب باراك ورقة لبنان من أيدي سوريا، ويلبي مطالبة شعبية قديمة في إسرائيل بإنهاء التورط· ومن هنا كان وجه التلازم الموضوعي بين المسارين الفلسطيني والسوري (واللبناني المتلازم معه)·
في الواقع أحدث اقتراح الانسحاب من لبنان إرباكا لدى سوريا· فالبديهي أن يحدث ترحيب بأي انسحاب إسرائيلي من أراضٍ عربية محتلة· لكن وسائل الإعلام السورية صورت الأمر وكأنه "فخ" ينصبه باراك لدمشق· وقد يكون ذلك صحيحا لكن ما البديل إذا انسحب؟ وكيف لا تكون إسرائيل المستفيد الوحيد من ذلك؟ وإسرائيل التي خسرت معظم التأييد العالمي، حتى في الولايات المتحدة، تبدو الآن في وضعية الهجوم على الساحة الدولية·
منذ ما قبل عملية أوسلو، تبينت صعوبة المسار الفلسطيني وتعقيداته· واتفاقات أوسلو لعام 1993 تحمل كثيرا من التفسيرات المتضاربة· وذلك لم يحدث في أيام نتانياهو إنما يرقى فعلا الى أيام رابين· فأي انسحاب إسرائيلي جزئي لم يحدث في موعده المحدد· ولا يمكن أن نستبعد الآن استحقاق المواعيد القصوى على المسار الفلسطيني من دون تنفيذ الالتزامات· وهذه المرة لن تكون إسرائيل معزولة كما كانت في أيام نتانياهو·
لكن إذا كانت إسرائيل تقبل فعلا الانسحاب من الجولان باستثناء جزء صغير من الأراضي تعتبره حقا لها وفق ترسيم الحدود الدولية لعام 1923 قرب بحيرة طبريا فلماذا لا تبدأ المفاوضات مع سوريا؟
في هذا الصدد، تؤكد دمشق حقها في استعادة جميع الأراضي المحتلة بما في ذلك هذا الجزء الصغير، وفي إقامة سلام عادل شامل· ومن جهتها تؤكد إسرائيل بلسان الجنرال أوري ساغي (الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية والمعين حديثا رئيسا للوفد المفاوض مع سوريا) أن دمشق ستحصل على ما نالته مصر بعد كامب ديفيد والأردن بعد اتفاقية عربة لا أكثر· ووفق هذه الرؤية، وميزان القوى الإقليمي والدولي لن تستطيع سوريا الحصول على أكثر من الأراضي، في حين أن المفاوضات ستغطي كل شيء الترتيبات الزمنية وتقاسم المياه والتطبيع الذي لا تقبل إسرائيل أن يكون أقل من التطبيع مع مصر والأردن·
وفي هذه الأثناء، تتمسك دمشق بدور أمريكي فاعل لا متفرج، وهذا يعني أنها تريد مفاوضة الولايات المتحدة لا إسرائيل مباشرة· لكن الأكثر أهمية في هذا المجال أن دمشق لا تستطيع القبول بما تعرضه إسرائيل· فعملية السلام مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضية الخلافة في سوريا والرئيس حافظ الأسد لا يستطيع تأمين انتقال سهل للخلافة في ظل اتفاق مع إسرائيل لا يرضي طموحاته لاسيما إذا كان قاسيا في الأمن والمياه· لكن بقاء ملف السلام معلقا لا يساعد أبدا في تسهيل مهمة الوريث·
بعيد انتخاب باراك، صدرت مواقف لافتة من دمشق تشيد به· ثم طلبت القيادة السورية من الفصائل الفلسطينية المعارضة لعملية السلام أن تستعد للانتقال الى العمل السياسي· وبعدما تأزمت أخيرا بين دمشق وتل أبيب، عاودت هذه الفصائل، وتحديدا الجهاد الإسلامي و"فتح الانتفاضة" و"حماس" تشديد لهجتها، بل اعتبار الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للمجابهة مع إسرائيل· بل إن الصحف الإسرائيلية روجت أن طائرة إيرانية نقلت الى حزب الله عبر بيروت مباشرة لا عبر دمشق أسلحة جديدة· وإذا صح ذلك فسيكون رسالة سورية الى إسرائيل· ومنذ انتخاب باراك، شنت الطائرات الإسرائيلية غارات على جنوب لبنان تعادل ما شنته في ثلاث سنوات من حكم نتانياهو·