حوارية العنق والسكين
ركان الصفدي
(1)
مدججا بالقوانين وبطمأنينة قاتل يضحك لك وهو يصافحك ليقودك الى شبكة عنكبوت الكتروني، وبعد أن يغلق عليك البداية، ويجصّص النهاية بالوعود والوعيد، يتابع طمأنينته وضحكه مقدما لك عصفورة الحرية منتوفة الريش منزوعة المنقار مفقوءة العينين مكسورة الجناحين·
تعود مخوّضاً في مستنقع العدم واللاجدوى ملطخا بألف سؤال!
(2)
تحشر نفسك في الحشود المتحلقة كالهنود الحمر حول الأيديولوجيا المذبوحة، بعضهم يسلخ جلدها ليصنع منها أحذية توصله الى مقار الشرعية الدولية، وبعضهم ينزع فروها ليتدفأ به من صقيع هشاشته، وآخر يوزع لحمها الطري على جمعيات قدامى الثوريين، وآخر يهرس عظمها وينثره على مكاتب إغاثة اللاجئين الهاربين من قصف المجلات البترولية الصقيلة··· عند ذلك تدرك أنك وحدك تماما إلا من··· مئتي مليون حلم·
(3)
حسن جدا، لقد كانت الدول الاشتراكية تضحك على ذقون العالم الثالث، وكانت تقمع المخالفين، وكانت امبراطورية شر تنظر الى العالم الحر بشزر، وكانت تنفر الناس من الهمبرغر والجينز الأمريكي·· وها هي ذي قد سقطت كحصان هرم وسط ذئاب جائعة· قل لي أيها العم (سام): لماذا ينتحب العالم الثالث والرابع والخامس الآن، ولماذا انتشر الشر كالشوك في كل بقعة من هذه المعمورة، ولماذا زاد عدد العراة والجائعين أكثر من الأرباح النفطية··· تلك شرور من أيها المنافق؟!
(4)
قبل أن تطالبني بالهدوء والحوار البناء، وقبل أن تتهمني بأنني إرهابي يقض مضاجع الآمنين، ومتطرف لم يروضه النظام العالمي الجديد··· ارفع سكينك عن عنقي قليلا كي لا يتلون كلامي بلون الدم، وأنفاسي بحمرة الغضب!
(5)
لا تبك يا صغيري من الجوع، فمعدلات البورصة تزداد ارتفاعا، ومؤشرات (داوجونز) و(وول ستريت) تبشر برخاء عميم·· لا تبك أيها المتطرف الصغير، من يفكر الآن بتفاهات الفقراء، فالقطاع العام أصبح ملكا لقطاع الطرق، والقطاع الخاص لا يعرف أبجدية الأنين ولا يفهم إلا لغة الأرقام··· لا تبك أيها الصغير الملحاح، السادر في غيه التاريخي، لقد انقضى زمن الثورات وأتى زمن الثروات··· لا تبك أيها الرجعي الصغير، فالنظام العالمي الجديد مشغول بربط جميع الخيول بوتد واحد··· لا تبك، فلم يبق لدي - يا صغيري - إلا قبضة من بارود أخبئها··· لانتحاري!
(6)
في نهاية هذا القرن، حينما سيقف العالم يغلبه الانفعال أمام الرقم 2000، سيتطاحن العالم الثالث والرابع والخامس والعرب على الأصفار الثلاثة·· هل اخترع العرب "الصفر" ليسكنوا فيه؟!
(7)
لا تتحدث عن الوطن وإلا اتهمت بأنك ضد العولمة، ولا تتحدّث عن العولمة وإلا اتهمت بالعمالة للأجنبي··· عليك أن تحدق فقط الى هذا العالم الذي يتصاعد منه الدخان بعينين دامعتين وقلب مثقوب··· بطلقة سؤال!
(8)
لو لم يكن "صحن خيطان" فارغا لما حدث كل هذا··· هكذا نتذكر، ونحن نتأمل بلاغة الخراب، أننا لا ينبغي أن ننسى كل شيء في بحبوحة الاسترخاء الفكري، وأن الاتجار بالإنسان جريمة كبرى وخيمة النتائج، وأن جميع تنظيراتنا ومخططاتنا المستقبلية ومؤتمراتنا العلمية والاجتماعية والثقافية والسياسية وتياراتنا وأحزابنا وكتبنا وصحفنا ومقالاتنا وسجلاتنا وخلافاتنا واتفاقاتنا، تقف عاجزة أمام لحظة "فعل" واحدة!
وما أكثر الصحون الفارغة في بلادنا! وعلينا أن ننتظر قرقعتها في كل لحظة، حين لا تساوي قوانين العالم كله بصلة ورغيفا يسكتان صراخ بطن جائع· فيا أصحاب الصحون الفارغة "صوموا تصحّوا" وجوعوا··· تصْحوا!