كتب المحرر الثقافي:
في مثل هذه الأيام من العام الماضي، تم الأخذ بجدول البرنامج الثقافي لفعاليات مهرجان القرين ومعرض الكتاب العربي الذي كان معداً سلفا منذ عهد الأمين العام السابق للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، كما هو دون تغيير من الأمانة العامة الجديدة للمجلس، فكان مُرْضيا إلى حدٍ ما، على أمل تطويره، وتجديده مستقبلا، لتزيين قامة الكويت بأثواب تليق وتتناسب و"العرس" الثقافي المقبل ولتهيئتها كعاصمة للثقافة العربية عام 2001·
فماذا حدث هذا العام؟ ولماذا تم الفصل - الذي تفاءلنا به - بين فعاليات مهرجان القرين ومعرض الكتاب؟ وهل "تلك الخصوصية تكمن في أن هذه الدورة تأتي منفصلة عن معرض الكتاب بهدف تركيز الجهد وإتاحة الفرصة كاملة أمام الأنشطة المختلفة لتأخذ الوقت للاستفادة منها" - على حد تعبير د· محمد الرميحي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - أم إتاحة الفرصة لشيء آخر؟!
منذ انطلاقة مهرجان القرين الثقافي ظهرت أصوات تنادي بفصله عن معرض الكتاب العربي الذي دأبت الكويت على رعايته وتنظيمه منذ أكثر من عشرين عاما، حتى لا يضيع "الكتاب" في مهرجان أحدث منه ظهورا، من هنا استبشر المهتمون بالشأن الثقافي خيرا بفكرة الفصل بين "المهرجان" و"المعرض" وارتكزت فكرة الفصل على ألاّ تكون هناك ازدواجية بين الأنشطة الثقافية المختلفة بحيث تكون الأمسيات الشعرية مصاحبة لمعرض الكتاب والمحاضرات الثقافية والفرق الفنية والفولكلورية والمسرحيات من نصيب مهرجان القرين·
فكان من المتوقع من المجلس الوطني للثقافة بعد أن أقنعنا بأهمية الفصل بين الأمسيات الشعرية المصاحبة لمهرجان القرين وإلحاقها بمعرض الكتاب "العربي"، نقول كان المتوقع أن يكون للشعر مكان متميز وحضور مكثف بعد أن أصبح نشاطا مستقلا لا ينازعه أي موضوع آخر، ولكن للأسف كان هناك شعر ولكنه نبطي وكأن من ينظم معرض الكويت العربي للكتاب ديوانية شعراء النبط وليس مجلس الثقافة· وكلامنا هذا لا يعني - بأي حال من الأحوال - التقليل من شأن الشعر الشعبي ولا من شعرائه وإنما ينصب الحديث على أن لكل لون ثقافي قنواته الطبيعية التي ترعاه ومؤسساته المنظمة لأنشطته·
ويأتيك بالأخبار··!
يتفاجأ المهتمون والمتابعون للشأن الثقافي في ساحتنا المحلية خلال الأيام الماضية بنشر الجدول الزمني المعد بالأنشطة الثقافية المقامة على هامش معرض الكتاب والذي سرّبه أحد أعضاء اللجنة المنظمة إلى إحدى الصفحات الثقافية في صحيفة يومية، دون علم المنظمين الآخرين والقائمين على إعداد الأنشطة المصاحبة للمعرض الذين آثروا وحاولوا التكتم عليه إلى حين البدء بأنشطة هذا المشروع "الثقافي"! خوفا من إجهاضه؟!
وحين نما إلى مسامعنا خلال الأسابيع القليلة الماضية كثير من المعلومات عن بعض "التحركات" التفاوضية، وعن طبيعة وشكل الأنشطة المراد إعدادها لهذا الحدث، فإننا لم نود الخوض فيها أو الكتابة عنها، شكاً منا في المعلومات الواردة، وعدم تصديقنا لجرأة محتوى البرنامج أو الكثير من التفاصيل التي لا يمكن تصديقها!
لكن بعد التأكد والقراءة عنه "رسميا" في الصفحات الثقافية، عدنا - وبشيء من الاعتذار - إلى مصادرنا التي كشفت أن هناك اتفاقا أو "صفقة" ثقافية مربحة بين الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وبين أحد رؤساء تحرير مجلة أسبوعية (نشر يوم الخميس الماضي خبر في الزميلة "القبس" يؤكد أن المجلس الوطني للثقافة أوكل مهمة تنظيم الأنشطة المصاحبة لمعرض الكتاب إلى ماضي الخميس رئيس تحرير مجلة "الحدث") يلتزم فيها الطرف الأخير بإعداد وتنظيم واختيار مواد الأنشطة الثقافية التي يريد، وأسماء ضيوفه المدعوين، والوجهة التي يراها! ويقيم لذلك "عرسا" ثقافيا على هامش معرض الكتاب خلال الفترة من 23/11/99 وحتى 13/12/99· وتقول مصادر عليمة لـ "الطليعة" إن هذا الاتفاق سيتم بموجبه أن يدفع "المقاول" مبلغا ماليا زهيدا لـ "المجلس" ليرفع "الأخير" يديه عن تنظيم الأنشطة والفعاليات ويغنيهم "المقاول" مشقة الاعداد، أو المسؤولية المترتبة عليه! كما ينص الاتفاق أيضا أن جميع ايرادات هذه الأنشطة المقامة تصب في "جيوب" المنظمين وشركة التسجيلات الفنية التابعة لهم فما علاقة الفن بذلك؟
أمسيات نبطية·· وأخرى نبطية!
وبالنظر إلى الجدول المعد للأنشطة الثقافية، يتضح لنا اقتصارها على إقامة أمسيات شعرية فقط! ونبطية فقط!
فمنذ بداية هذه الفعاليات، سوف تتغنى جماهيرنا بالشعر الشعبي والنبطي، لتتزاحم على بوابات قاعات المهرجان لـ "16" شاعرا شعبيا "كويتيا وخليجيا"، لأن "المقاول" يعلم تماماً أن الاقبال الجماهيري لأمسيات شعر النبط سيدر أرباحا خيالية عليه كما في تجربة "هلا فبراير" في العام الماضي، كما أضاف المصدر أنه تم طبع تذاكر لدخول المهرجان ليحقق الهدف الذي أنشىء من أجله وتطبيقا لدراسة الجدوى الاقتصادية التي أعدت لذلك·
كما تم الشروع بالاستعدادات الفنية لتسجيل الأمسيات الشعرية لتباع فيما بعد على أشرطة "الكاسيت"·
وحين أضاف "المقاول" ثلاث أمسيات للشعر العربي الفصيح فإنه كمن يذر الرماد في العيون، وكان من المفروض أن تظاهرة ثقافية كمعرض الكتاب "العربي" أن يكون فيها الشعر العربي الفصيح هو محور الأنشطة فيه لا أن يكون مجرد نشاط منزوٍ وخجول ولـ "تبرئة الذمة" و"رفع العتب" ولو كانت المناسبة معرضا لدواوين الشعر النبطي لما احتج أحد ولكن أن يمسخ معرض الكتاب العربي التي كانت الكويت من طليعة الدول التي تبنته، وتبعها فيه آخرون فهذا ظلم بحق الكويت العاصمة الثقافية "المزعومة"·
تسليم "ملف" بأكمله!
بالطبع، لا يمكن أن يلام صاحب أي مشروع تجاري/ ثقافي على مقايضته و"شطارته" في سوق يعرض به صاحب الشأن بضاعته بأرخص الأثمان، ولمشتر واحد! كي لا يتحمل هذا البائع مسؤولية الكساد فيما بعد، أو تلف بضاعته، أو حتى مشقة تسويقها والترويج لها·
فنحن لا نلقي باللوم على المنظمين - أو المقاولين لا فرق - أصحاب "المشروع" الذي سلِّم إليهم "ملف" العاصمة الثقافية، وإنما نحمّل كل المسؤولية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب لتخليه عن دوره ومهامه التي أنشىء من أجلها·
كنا نعتقد - أو نحلم - أن هناك حركة دؤوبة في دهاليز المجلس الوطني للثقافة لتشكيل لجان مشتركة من موظفي المجلس وأهل الشأن من جمعيات النفع العام كرابطة الأدباء ورابطة الاجتماعيين وغيرهما من المختصين بالتراث الفني والمسرحي لاستقبال موكب العاصمة الثقافية عام 2001، وإذا بنا نصاب بالإحباط للتخطيط العشوائي أو لعدم التخطيط نهائيا! لحدث سنوي بسيط، مثل مهرجان القرين وأنشطة معرض الكتاب العربي، الذي تكرر كثيرا منذ عقود ولم نكن نحتاج إلا للخروج من شكله التقليدي الذي حقق - مع ذلك - حضورا نسبيا مميزا لنا على الساحات الثقافية العربية، واستقطب أسماء لمفكرين ومثقفين وشعراء مرموقين عربيا مثل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وأدونيس والروائي المتميز حنا مينه وشاعر بقامة عبد الله البردوني، فهل وصل بنا الحال الآن إلى أن نتجرد من أحلامنا ونطمح فقط بإيقاف عجلة فعالياتنا الثقافية على ما كانت عليه، خوفا من دورانها للخلف؟!
* * *
د. الرميحي: انتشار الشعر النبطي لا يعني الجودة وأكبر مثال على ذلك الإقبال الكبير على الصحف الصفراء في بريطانيا
في مقابلة له في مجلة "الحدث" (عدد أغسطس الماضي) عبر د· الرميحي بكل وضوح عن رأيه في الشعر الشعبي، وقال إن الإقبال الجماهيري على الشعر النبطي لا يعني الجودة وفيما يلي نص سؤال "الحدث" وإجابة د· الرميحي:
· المجلس الوطني متهم بعدم الاهتمام بالشعر الشعبي على الرغم من جماهيريته الكبيرة التي بدت واضحة في أمسيات "هلا فبراير"، فما تعليقكم؟
أنا أحد الذين يستهويهم بعض الشعر الشعبي، وأشدد على كلمة بعض، لأنه مثل بقية الشعر، فيه الجيد وفيه الرديء· وعندما كنت في "العربي" كان من ضمن النقد الذي يوجه إليّ اهتمامي بالشعر الحديث رغم كونه بالفصحى· والشعر الشعبي أو النبطي بالتأكيد له قراؤه وجمهوره وهو يؤرخ لحوادث كثيرة، ولكن لا أعتقد أننا في المجلس الوطني في هذه المرحلة يجب أن نحتضن مثل هؤلاء الشعراء، لأن تقييمهم مازال متفاوتاً ولهم مجالاتهم الأخرى التي تحظى بقبول الجمهور·
ودعوني أؤكد لكم أن إقبال الجمهور العام لا يعني الجودة والمثال توزيع الصحف الصفراء في بريطانيا والإقبال الكبير عليها بأكثر من الصحف العريقة ذات القيمة كالجارديان مثلاً· ونقطة أخرى تتعلق بتثبيت وتأكيد لغتنا العربية الجميلة كرسالة ضرورية للمجلس الوطني فهي التي تصلك بجمهور أوسع بكثير من الجمهور المحدود في بعض المناطق·