طيبة الابراهيم:
هذه المداخلة القصيرة، تحمل رؤية مختلفة عما طُرح من بحوث قيمة في هذه الندوة فأنا أرى أن الثقافة العربية المعاصرة مقصرة في خدمة قضايا حياتنا القائمة، على الرغم من كون ساحتها تعج بعطاءات الفكر العربي، لمختلف الموضوعات، إلا أنها ما زالت تُعاني من قصور فادح، يبعدها عن أن تكون فاعلة وذات أثر في معالجة قضايانا الراهنة·
جاء هذا الوضع نتاجا لسبب يعتبر أبا للأسباب التي أدت إلى الكتابة في منحى ذي تعرجات كثيرة يجمعها البعد عن الواقع المُعاش·
إذ مما يلفت النظر أن جما من مثقفينا الأفذاذ يركزون، على شؤون ذات طبيعة خاصة، تنبئهم عن الواقع الآني، نذكر منها منعرجين متعارضين في الهدف، على سبيل المثال، هما - فيما أرى - عاملان مهمان في عجز الثقافة العربية المعاصرة عن معالجة قضايانا الحياتية الراهنة، إن لم يكونا وراء السبب المباشر لهذا العجز·
ومع هذا قد لا يتضحان الوضوح الكافي لملاحظة دورهما في التعتيم على رؤيتنا بأنهما أتخذا كعاملي تعطيل لمعالجة قضايانا المباشرة، لكي نستمر على ما نحن فيه·
هذان المنعرجان يتمثلان في انتهاج الكثير من المثقفين على قصر دورهم في الكتابة على موضوعين عظيمي الأهمية، الأول أبلغ أثرا وأكثر ضررا في تعطيل الفكر الفاعل، لخدمة ما يمس قضايا الحياة العربية في وضعها القائم·
ويكاد يحتل معظم الساحة الثقافية بما يفرزه من زخم العطاء·
ألا وهو إنتهاج بعض المثقفين معالجة قضايا التراث بصورة مركزة، قطعا غير عامدين الضرر ولكن لما تولي هذه الدراسات من الاهتمام والعناية الشديدة، وتلاقي من التشجيع، ما يرسخ فاعليتها بلفت الأنظار عن الواقع، لنعش الحلم الماضي، بما لا يقاس بالنسبة للدول الأخرى في قضاياها التراثية·
إذ يتخذ هذا النهج في الكتابة، وكأنه إحدى قضايانا المباشرة، وبشكل يعمل على حجب الكثير من الرؤية إلى ما في حاضرنا من مشاكل، هي أولى بالبحث والدراسة·
أو كأن قضايا العصور السالفة، هي نفسها قضايا واقع حياتنا العربية القائمة·
فنرى أن دولنا الأكثر عراقة في التاريخ، هي الأكثر اجترارا لماضيها، بما يكاد يجعلها في التفاته مستمرة إلى الوراء، وكأنها لا ترغب أن ترى موقعا لموطىء قدميها على أرضية الواقع الراهن، ومع ذلك قد لا نعدم من يدافع عن هذا الاستغراق في هذا النهج، من الدراسة والبحث· بمقولة إنه لولا الماضي لما وجد الحاضر·
وهذه مقولة حقيقية بقطع الكلام· وليس في مقدور أحد نكرانها، ولكن ليس ثمة ما يبرر أن نوقف جل جهدنا على اجترار الماضي وكأن لاشيء مما نحتاجه في قضايا حياتنا المعاصرة·
نريد أن نسأل أنفسنا ما حاجتنا إلى النزول لقعر البئر عندما نكون قد استنزفنا كل مائه؟
لماذا ننهج هذا المنهج، إلا إذا كان ثمة من يدفعنا إليه، لأن مصلحته تبقى معارضة·
لعله يراد أن نبقى ملتفتين إلى الوراء أبدا، مما يؤدي بنا إلى التعثر ونحن نحاول أن نخطو إلى الأمام·
أما الحديث عن المنعرج الآخر، وهو على أية حال أقل ضررا ولا يخلو من فائدة، وإن كانت غير آنية·
فهو ذلك المنهج لأولئك المثقفين، الذين يرون رؤى مستقبلية، لما يتوقعونه لحل المشاكل البعيدة لمستقبل الإنسانية، وهم مثل الذين قبلهم، قد يكون لهم عذرهم بأنهم يتخذون هذا المنحى، كفكر تعويضي يبرر عدم قدرتهم القسرية، عن معالجة قضايا الواقع الذي يعيشونه، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية·
ومع أن هذا النهج المستقبلي يعتبر إحدى دعائم مسيرة الفكر العربي، إلا أنه فيما يخص حاضرنا، نرى أنه في كلتا الحالتين لا في الاستغراق في العودة إلى الماضي ولا في الانقطاع في القفز على تيار الزمن ما يفي بحل مشاكلنا الآنية·
فهما جهدان على الرغم من خطبهما وقيمتهما العظيمة، إلا أنهما غير مثمرين في تسخير الثقافة لخدمة قضايانا المعاصرة·
وإذا عدنا إلى الإجابة عن ما سألنا به أنفسنا، عن السبب المباشر الذي أودى بالكثير من مفكرينا إلى الاستغراق في انتهاج ذينك السبيلين، لن نجد ما يبرره غير ما يلقونه من شطط القيود المفروضة عليهم، سواء كانت مكتوبة كقوانين رادعة، أو في الأعراف السائدة التي اتخذت صفة القانون الرسمي تعسفا·
وباختصار شديد، لن تجد ثقافتنا مسارها الصحيح، لمعالجة قضايانا الراهنة، إلا في السماح بالرأي والرأي الآخر، دون تعزير من أحد لما يضاده من فكر·
وبهذا تفتح آفاق الثقافة العربية لمعالجة كل شؤونها ـ ماضيا وحاضرا ومستقبلا - وعندما يحدث هذا التوازن، لابد أن تستقيم الأمور، هذه محصلة القول ونهايته فيما أرى·
* مداخلة أُلقيت في مهرجان القرين السادس