· الأخطاء اللغوية تنتشر في المطبوع والمقروء والمسموع والمرئي
· الانحدار اللغوي انحدار فكري وثقافي لا يُستهان به
· لماذا يستطيع العربي إتقان الإنجليزية خيراً من العربية؟!
كتب نزار فلوح:
كيف لقارئ العربية أن ينجو اليوم بنفسه من مخاطر هذا التلوث اللغوي الذي يحيط به من كل الجهات، حيث تصدم عينيه الأخطاء اللغوية في كثير من الكتب والصحف المطبوعة، وتقتحم أذنيه أساليب تعبيرية فاسدة لا يستقيم معها المعنى المراد ولا تتضح الدلالة، لدرجة أن المتلقي أخذت تساوره الدهشة حين يطرق سمعه أو بصره خطاب لغوي بريء من الخطأ والضعف، بحيث بات ذلك الأداء اللغوي الصحيح ظاهرة فريدة وعزيزة المنال، والأمثلة على هذا الانحلال اللغوي أكثر من أن يشار إليها، وهي متنوعة المصادر، نجدها في الكتاب المطبوع الذي لا تكاد صفحة واحدة تمر منه دون ورود أكثر من خطأ لغوي، ونسمع في الإعلام المسموع والمرئي من التعابير ما يدل على عدم تمييز المتحدث أبسط القواعد والضوابط النموية التي تنظم البناء اللغوي للجملة، مما يؤدي الى إفساد التركيب وتبديل المعنى المقصود والاتجاه به الى معنى آخر مغاير، بحيث يبقى على المستمع أن يعيد تشكيل المعنى المراد في ذهنه من جديد·
إذا فسد الملح··· بماذا يُملّح؟
فإذا ما تركنا لغة بعض المذيعين وهفواتهم، وانتقلنا الى ندوة أو محاضرة تقام في أحد أعرق المراكز الثقافية، وجدنا بعض المشاركين والمشاركات في هذه الندوة أو تلك المحاضرة يقرأ مداخلات مكتوبة تعج بأخطاء لا يقبلها المستمع من طلبة المراحل الثانوية، الى حد أن بعض الحاضرين من الجمهور كان يقاطع هذه المداخلات بالتصحيح الجهري للأخطاء التي يرتكبها المنتدون وبعضهم - للعجب - أساتذة في أقسام اللغة العربية بالجامعة، فإذا كان المتابع يغض الطرف ويرفع العتب عمن يتحدثون في شؤون الهندسة والنفط والتجارة والمياه··· بحجة عدم تخصصهم اللغوي، فماذا عن أساتذة العربية في الجامعات والمعاهد والمدارس الذين هم مِلحْ اللغة "فإذا فسد الملح فبماذا يُملّح"؟ ثم هل تعاني اللغات الحية الأخرى مثل هذه الأعراض المتمثلة في نوع من الأمية اللغوية المتزايدة التي تكاد تجعل المجتمع ومتعلميه غرباء عن لغتهم الأم وهي أساس الهوية القومية والتكوين الثقافي للمجتمع؟··
تتسع دائرة هذه الجانحة اللغوية لتصل الى أنواع من الخطاب اللغوي المرئي الذي "يتغلغل" بسهولة في الذاكرة اللغوية للمشاهدين صغارا وكبارا، ففي اللوحات المخطوطة والأفلام "المدبلجة" كثير من هذه التجاوزات والانحرافات اللغوية التي يؤدي تكرار مشاهدتها الى التمثل بالخطأ وترسخه في ذهنية المتلقي الذي يطالعه - مثلا - في شوارع المدينة لوحة إعلانية شهيرة "إحمي إبتسامتك" تحتوي على ثلاثة أخطاء لغوية في كلمتين فقط·
استشفاء لغوي
كنا نستغرب من أحد أساتذتنا - وهو معروف بتشدده اللغوي - حين يروي لنا أنه يعمد بعد انتهاء موسم تصحيح الأوراق الامتحانية - الى إعادة قراءة أحد كتب التراث اللغوي - كالجاحظ مثلا - ليبرأ من عدوى الضعف اللغوي الذي تسرب إليه من أساليب الطلبة·· واليوم مع تفاقم ظاهرة الانهيار اللغوي نسوغ لهذا الأستاذ موقفه، فحتى الأسوياء لغويا باتوا معرضين لاحتمالات الخطأ والضعف وسط ظاهرة التلوث اللغوي المحيطة بهم من كل جانب·
انحدار فكري
وعندما نثير هذه المشكلة الملحة لا نطرحها من منظور تقليدي أو وجهة شكلية لأن أبعادها تمتد الى أعمق من كونها مجرد مشكلة لغوية، فالانحدار اللغوي هو بشكل أو بآخر انحدار فكري وثقافي، والفكرة مهما تكن نبيلة تبق مجرد وهم مختلط، ما لم تجد حاملها اللغوي المناسب، فإذا اختل أحد شروط هذا الحامل اللغوي ترنحت الفكرة واهتز مضمونها، وربما انقلبت الى نقيضها وأدت الى معنى مشوه قاصر··
أسباب المشكلة
وما تزال هذه المشكلة بحاجة الى بحث مستفيض لتشخيص أسبابها وجذورها وصولا الى اقتراح السبل والمناهج المساعدة على تجاوزها والتخلص من آثارها التي تتزايد ويتسع نطاقها التربوي والتعليمي والثقافي والإعلامي··· فهل يعود الأمر الى صعوبات كامنة في أصل اللغة وطبيعة بنيتها وقواعدها النحوية؟ أم يرتبط بخلل في مناهج تعليم اللغة وطرائق تدريسها بحيث تخفق في جعل العربية لغة سلسة أليفة على أسماع أبنائها· وسهلة المنال بالنسبة إليهم···؟ أم ينحصر الأمر في ضعف الكفاءات التي يتطلب عملها في ميادين التعليم والثقافة والإعلام مهارات لغوية عالية، لذلك تفشل في تقديم أداء لغوي مقنع ومتماسك؟
تثير هذه التساؤلات - في رأينا - تحديات جدية خطرة حول واقع اللغة العربية ومستقبلها المنظور، فهذه اللغة لم تحظ حتى الآن بمشروع قومي علمي متكامل لتيسير قواعدها، وتسهيل سبل تناولها وتعليمها قراءة وكتابة وقواعد وتعبيرا، إذ تظهر بعض المقارنات المنهجية أن المتعلم الذي يمضي زمنا في دراسة اللغة الإنجليزية ويمضي مثله في دراسة العربية، ينتهي الى مستوى في تحصيل اللغة الإنجليزية وإتقانها يفوق المستوى الذي حققه في تحصيل اللغة العربية رغم أنها لغته القومية الأم··!؟
المعلوماتية والكارثة
ويزداد هذا التحدي خطورة في ظل ما نشهده مؤخرا من ثورة معلوماتية وتدفق علمي وتكنولوجي هائل، تبدو معه فرصة اللغة العربية في المناقصة والانتشار والتطور ضعيفة بالنظر الى وضعها الراهن في مجالات التعليم والإعلام والثقافة والترجمة والاتصالات والمبادلات المختلفة، إذ يُنذر عصر العولمة باحتمالات خطر سيادة لغة عالمية واحدة على مناحي النشاط الإنساني المختلفة، وهو أمر يهدد - في الصميم - الهوية الثقافية والإبداعية القومية، الأمر الذي يدعو الى ضرورة بذل جهود عملية عاجلة لتجنيب اللغة خطر الوصول وفق هذا التدهور الى كارثة محتملة، فرؤية العربي للغة ما تزال - غالبا - أسيرة التغني الخطابي والشاعري باللغة وعظمتها وأمجادها وبلاغتها، في حين أن بنيان هذه اللغة يتفتت، وآليات استخدامها تتآكل، وينعكس هذا التدهور على مختلف مناحي التعبير بها، لذلك فالجميع مدعوون - من مختصين ومؤسسات تربوية وإعلامية الى اتخاذ الخطوات التي من شأنها إيقاف هذا التدهور اللغوي المتسارع وصولا الى التفكير بحلول بنائية وأساليب تعليمية ناهضة ومتقدمة تضمن للعربية مزيدا من الانتشار والتطور والازدهار·