مَنْ يراقب مَنْ؟
لست َمجبراً أن ترى ما أريد فلكل منا رؤيته التي قد يصل إلى الحقيقة من خلالها، ولكن الحقيقة هذه والتي يُسعى إليها مزدوجة، فما أراه حقا قد تراه باطلا والعكس صحيح أيضا· ولذلك دوماً يبقى الخطأ والصواب، مجرد فكرة متماهية لا سبيل إلى كينونتها إلا على سبيل من مبادئنا الشخصية ومصالحنا في كثير من الأحيان والتي تتعارض مع الآخر، ـ أحيانا - وتصطدم به، وعلى شاكلة الخط ذاته تعترض أسلاك الرقابة حروف الكتابة ربما تنفيها أو تحجبها ويسعد البعض في النهاية، وعلى سبيل إراحة البال أن يُلقى بالمسؤولية كاملة على وزارة الإعلام أو على أعضاء لجنة الرقابة وكأنهما هما من يمنع ومن يسمح للكتاب أن يمرّ، الكتاب الذي عبر بالفعل على رفوف مكتبات أخرى أو على شاشات الإنترنت·· في الحقيقة لا تستطيع أن تتصيد كتابا الآن أو أن تدفنه حيا إذا كان هذا الكتاب مزيفا أو غير حقيقي - وفق ما تراه - بقدر ما يمتلك الاعتراض عليه وتعريته بما تمتلكه من حجة وأسباب مقنعة·
أزمة حقيقية هي حرية التعبير والكتابة ومدى حدودهما في مجتمعات تعتقد حتى الآن أن الحق لا يخرج إلا من بين يديها وعلى سبيل الخروج من المشكلة تقترح مثلا لجنة مهمتها الرقابة لما بين السطور وذلك ليس سوى عجز لاستيعاب المعرفة ورضوخ فكري مذل لقوى متخلفة ولا يمكننا بأية حال من الأحوال أن نلقي اللوم على وزارة الإعلام أو على أعضاء لجنة الرقابة فهما ينفذان القوانين المتخلفة والمتواجدة بشكل صلب على أرض الواقع، إن الخلل لا يكمن بهما بل بالجهة المصدرة لهذه القوانين والتي نشترك جميعا بها ولا أعرف متى سيعي أعضاء مجلس الأمة أن المعلومة تنتقل من الشرق إلى الغرب بلمسة زر فقط، الآن قبل أي وقت مضى نشعر بضرورة ماسة إلى فك كل هذه القيود الساذجة··
المبدع صلاح دبشة في مقال له في "الرأي العام" حين كتب على هامش رواية هاني الراهب "رسمت خطا في الرمال" مارس حقه الوطني في الاعتراض على ما يمس حدود الوطن وخلود وجوده في الوقت ذاته رفض مقاله هذا في صفحة ثقافية تتشدق الآن في الدفاع عن حرية التعبير وتطرح التساؤلات حول مفهوم الرقابة·· وللأسف يتم كل ذلك في جريدة نحترمها ومشهود لها في الذود والدفاع عن الحريات بشكل عام ولا أفهم كيف يمكننا أن نجامل على حساب الوطن أو نغض طرف الحقيقة ونخدع أنفسنا وندْعي أننا مع حرية التعبير التي يقابلها الحق في الاعتراض بقول لا، خصوصا إذا كانت هذه اللاء تقف في خندق واحد مع ألف باء وجودنا·
ربما نتساءل الآن مَنْ يراقب مَنْ؟ وما مدى حدود الحرية بمفهومها الشامل··؟ إذ أصبح كل ذلك مرهونا بما تقتضيه مصلحة فكر المرحلة أو أين تميل كفة ميزان القوة دون إيمان مطلق وحقيقي بحرية وكرامة ذلك الكائن الذي يُدعى الإنسان وحقه المبدئي في الحياة وحرية التعبير·