رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2-8 شعبان 1420هـ -10 - 16 نوفمبر 1999
العدد 1402

مستشار الرئيس الامريكي للأمن القومي يتحدث عن الشرق الأوسط عشية الألفية الجديدة
بيرغر: الشرق الأوسط على "مفترق طرق تاريخي"

واشنطن: قال مستشار الرئيس كلينتون لشؤون الأمن القومي ساندي بيرغر إن الشرق الأوسط "على مفترق طرق تاريخي" وإن قادة المنطقة وشعوبها وثقافتها هي "في خضم تحول لم نرَ مثيلا له قط"·

في ما يلي نص كلمة مستشار الرئيس ساندي بيرغر:

شكرا لكم يا جاك بندهايم وسينثيا فريدمان وتوم سيمرلينغ، أود هنا أن أنوه بوجود سفيري إسرائيل واليمن معنا وغيرهما من أعضاء الجالية الدبلوماسية· إنه لشرف لي أن أكون هنا اليوم وسط كثيرين ممن ساهموا إسهامات كبيرة من أجل قضية السلام في الشرق الأوسط· وأدين لمنبر السياسة الإسرائيلي بامتنان عظيم لتوجيه الدعوة لي، فهذه المنظمة تحقق تغيرا حقيقيا فيما تتقدم عملية السلام الى الأمام·

بداية، أود أن أضع حدا لجدل زائف، قبل أن استنهض قضية حقيقية في حديثي· الجدل الزائف هو كيفية وصف النور الراهن للولايات المتحدة في عملية السلام· هذه القضية ظلت تلاحقنا مدة أشهر، وكنت اعتبرها مسألة مصطنعة منذ البداية· ولكن إطلاق النعوت والتعاريف على ما يبدو أصبح هو العرف السائد· وهكذا تطايرت النعوت حولنا: هل نحن الآن، أو هل يجب أن نكون، "ميسرين" أم "وسطاء" أو ربما "سماسرة" أو "شركاء" أو "عناصر محفزة" أو هل أننا "وسطاء بين الجانبين؟ في رأيي أن هذا بحث أكاديمي عقيم لأنه منفصل كلية عن الواقع·

إننا سنقوم بدور مركزي في عملية السلام ليس لأن الأطراف المعنية تريد ذلك فحسب، بل ولأن ذلك يمثل متطلبا استراتيجيا للولايات المتحدة· دورنا في الشرق الأوسط لم يكن يوما نتيجة نزوة عابرة أو فكرة طارئة، بل إنه دور تمليه مصلحة بلادنا الجوهرية في تشجيع قيام سلام شامل ويمليه تقييمنا لما هو أفضل سبيل لتحقيق ذلك· وبمعنى آخر، دورنا نابع من مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية ومن صورة الوضع الاستراتيجي في المنطقة·

إذن دعوني التفت الآن الى ما اعتبره القضية الحقيقية، القضية التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا، ألا وهي: ما مصالحنا في المنطقة، ما الصورة الاستراتيجية للمنطقة، وكيف يصوغ هذان العاملان السياسية الأمريكية إزاء عملية السلام ونحن على عتبة قرن جديد؟

سأبدأ من مقولة إن كون الشرق الأوسط في حالة من الاستقرار والسلام هو أمر ذو أهمية حاسمة لمصالح أمريكا القومية· إنه لمن الضرورة الجوهرية أن نتذكر أن ما يحدث في تلك المنطقة له أثر مباشر على أمن أمريكا ورفاهها· النزاع في الشرق الأوسط يشكل خطرا أعظم مما يمكننا تجاهله - كان هذا صحيحا في عام 1956 وعام 1967 ثم في عام 1973، ومجددا في الثمانينيات في لبنان، ثم أخيرا عام 1991 في حرب الخليج· في كل مرة، استدعى هذا المزيج القاتل من النزاعات السياسية والدينية والعرقية والنزاع بين الدول، وما رافقه من وفرة في الأسلحة التقليدية وغير التقليدية المميتة، استدعى تعاطيا أمريكيا قويا·

في الواقع أن الشرق الأوسط، ربما باستثناء جنوب آسيا، هو أخطر منطقة في العالم بالنسبة الى أمر أسلحة الدمار الشامل، ومن المناطق ذات الاحتمال الأكبر في استخدام تلك الأسلحة·

الشرق الأوسط هو أيضا موطن إسرائيل، وهي من أقرب حلفائنا إلينا ودولة تربطنا بها علاقة خاصة تضرب جذورها في التاريخ وتتميز بمصالح مشتركة وتدعمها قيم مشتركة بيننا· إن حماية أمن إسرائيل هو بمثابة حماية أمننا نحن، وهذا هو سبب أن التزامنا أمن إسرائيل هو التزام صلب ودائم· ثم إن الشرق الأوسط هو المنطقة التي تحوي ثلثي موارد العالم من النفط، ما يجعل المنطقة ذات أهمية حاسمة ليس لرفاهنا الاقتصادي فحسب، بل ولمنفعة أصدقائنا وحلفائنا في مختلف أنحاء العالم·

ولهذا السبب فإن كل رئيس أمريكي، من هاريترومان وما بعد، اعتبر الشرق الأوسط ذا أهمية حيوية لمصالحنا القومية، كما أن كل رئيس منذ دوايت أيزنهاور، أنفق قدرا كبيرا من الوقت والجهد والموارد سعيا منه الى تسوية النزاع العربي الإسرائيلي·

هذه المصالح الثابتة تكتسب بعدا أوضح عندما يطل المرء على صورة الوضع الإقليمي· إذ إننا نشهد منطقة تقف على أعتاب مفترق طرق تاريخي· وببساطة، فإن الشرق الأوسط الذي سنتعامل معه بعد عشر أو عشرين سنة من الآن لن يشبه الشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم إلا من نواح سطحية·

إن أبرز سمات الصورة الحالية للوضع هي الفرصة الجديدة، وإن تكن فرصة مقتضبة، المتاحة لتحقيق السلام· هناك زعماء في كل أنحاء المنطقة يمتلكون في أيديهم القدرة - وفي اعتقادي الرغبة أيضا - على صنع السلام· إننا نرى في رئيس الوزراء باراك شخصا يحظى بالإرادة والإيمان وبخصوصية أخرى لا تقل أهمية وهي تفويض الناخبين له للتوصل الى اتفاقات ولتنفيذ تلك الاتفاقات· والرئيس عرفات والرئيس الأسد زعيمان، أولهما يجسد القومية الفلسطينية، والثاني زعيم يشخص الدولة السورية ويمتلك القدرة علي اتخاذ القرارات الصعبة والتمسك بها· ونرى في الرئيس مبارك والملك عبدالله زعيمين قادرين على توجيه الآخرين وخلق المناخ المناسب لإحلال السلام·

وفي هذه اللحظة من التاريخ، على قصر هذا فإنه حتى الجداول الزمنية لكل هؤلاء الزعماء باتت تتماشى مع بعضها بعضا· كل واحد منهم، لأسباب تخصه - رئيس الوزراء باراك والرئيس عرفات والرئيس الأسد، يصوب ناظريه نحو الاثنى عشر شهرا المقبلة· وهذا ما يقف وراء الأهداف الطموحة، بل المهيبة، التي نطالعها: اتفاق إطار بين الفلسطينيين وإسرائيل خلال أربعة أشهر، اتفاق الوضع النهائي خلال 11 شهرا، وبحلول الصيف المقبل، انسحاب إسرائيل من لبنان في نطاق اتفاقيتين مع سورية ولبنان·

هذه الأهداف تعكس حسا من الجدية نرحب به، ولكنها تنم عن أكثر من ذلك· إذ إنها تعكس إحساسا من الإلحاحية وإدراكا بأنه في غياب تقدم سريع في عملية السلام فإن فرصة اليوم ستنحسر أمام حالات شاسعة من عدم اليقين والمجهول في الغد· الاستنتاج الذي هو أمامنا جلي ولا تمكن إساءة فهمه: إن الشرق الأوسط هو الآن وسط عملية انتقال لم نشهد مثيلا لها في حياتنا أو ذاكرتنا· من شمال أفريقيا الى الضفة الغربية، تتغير المنطقة بأشكال صغيرة وكبيرة ستؤثر على كل ناحية من حياة الناس هناك·

إن الشرق الأوسط غدا سيكون منطقة تشهد فيها كل دولة تقريبا من الدول التي تهم مصالحنا بشكل حيوي، تشهد نوعا من الخلافة في الحكم· لقد شدنا خلافات كهذه تحدث فعلا في الأردن والبحرين والمغرب والجزائر· ولكن الموضوع أكثر من أن يكون مجرد تغير في القيادة - إذن إن ما ينطوي عليه هو عبور جيل بحاله· تمعنوا فيما يلي: الملك عبدالله، عاهل الأردن، في السابعة والثلاثين من العمر· الملك محمد، عاهل المغرب، في السادسة والثلاثين· نصف عدد سكان المملكة العربية السعودية دون سن الخامسة عشرة، 65 في المئة من الإيرانيين دون سن الخامسة والعشرين· وفي الجزائر، فإن 70 في المئة من السكان هم دون سن الثلاثين· هذا الجيل الجديد لم يختبر لا الاستعمار الأجنبي ولا الحرب مع إسرائيل، لا ولم يعش أوج القومية العربية، إن نظرته الى الحياة ما زالت في طور التكوين، وأمانيه السياسية ما زالت تتفاعل وتتشكل·

ولكن، ها هنا موطن القلق: ما لم يتوفر مناخ يتمكن فيه المصلحون من استلام زمام الأمور، فإن الشرق الأوسط غدا قد يصبح منطقة تعاني من انفجارات سكانية وانفجارات اقتصادية داخلية، منطقة تعاني من التزايد السكاني الهائل ومن الأنظمة التعليمية المتخلفة· وفي واقع الأمر أن المصلحين في بلدان مثل مصر والأردن والمغرب بدأوا يتخذون خطوات شجاعة لتحديث مجتمعاتهم· ولكن الخوف من العولمة والانشغال بالمنازعات أخذ يكبل أيدي بلدان أخرى أكثر من اللازم، ويجعلها تقاوم التغيير السياسي والاقتصادي الضروري· وكانت النتيجة حدوث مستويات هابطة من الاستثمار الأجنبي ومعدلات منخفضة من التجارة الإقليمية ومعدلات متدنية من النمو وإهدار موارد كبيرة في الانفاق العسكري·

هاكم هذا المثال الدال: الشرق الأوسط يحتل المؤخرة بين مناطق العالم في مجال استخدام الإنترنت· هناك مليون شخص فقط يستخدمون الإنترنت في منطقة يبلغ مجموع سكانها 250 مليون نسمة، ونصف المستخدمين تقريبا في إسرائيل· قارنوا ذلك بالـ 88 مليون مستخدم للإنترنت في الولايات المتحدة والـ 26 مليون مستخدم في آسيا والـ 5 ملايين مستخدم في أمريكا الجنوبية· إن الذين يظلون فاقدي الصلة بالاقتصاد العالمي، فعلا ومجازا، مقضي عليهم أن يتخلفوا أكثر فأكثر·

كيف يتطور الشرق الأوسط هو أمر يهم· إنه يهم بشكل مباشر طبعا شعوب العالم العربي· وهو يهم أيضا الشعب الأمريكي نظرا لما لديه من مصالح استراتيجية وسياسية واقتصادية هناك· ثم إنه يهم اهتماما صميميا شعب إسرائيل· فبالنسبة الى ذلك الشعب أن الفارق بين شرق أوسط يركز على التنمية الاقتصادية ويتطلع الى المستقبل ومنطقة تغوص في الفقر وتلتهب بعداوات ورثتها من الماضي، هو الفارق بين السلام والصراع، بين الأمن الدائم والخطر الأزلي، بين حياة طبيعية وحياة من النوع الذي أرغموا على أن يعيشوها·

هل سيتمثل قادة الغد بخصال زعيم مثل الملك حسين أو خصال زعيم مثل صدام حسين؟ هل ستصغي أجيال الغد الى النداءات الداعية الى الإصلاح الاقتصادي والديمقراطية وحقوق الإنسان، أم هل ستصغى الى الدعاوى السطحية للتعصب الديني والتطرف السياسي؟

هل سيكون الشرق الأوسط غدا منطقة تشعر فيها إسرائيل بالحفاوة أو بالتهديد من جيرانها الذين ينفون حتى حقها في الحياة؟ مع أنه لا توجد إجابات مؤكدة عن تلك  الأسئلة، فإنني على غاية الثقة من شيء واحد، وهو أن لن يكون هناك عامل أكثر أثرا على تلك القضايا من وضعية عملية السلام·

بالتقدم على طريق السلام، يمكننا أن ندعم جيلا جديدا من الزعماء العرب أكثر اهتماما بالإصلاح الاقتصادي والسياسي، وأقرب الى القيم التي نؤمن بها، وأقل تأثرا بمشاعر العداء للغرب والضرب على إسرائيل· يمكننا أيضا أن نتيح لهم فرصة تركيز طاقاتهم على المشاكل الاقتصادية المتردية وتخفيض مخاطر القلاقل وحرمان القوى المتطرفة من الموارد التي تبقي على نشاطها· إن سلاما إسرائيليا فلسطينيا سيجفف الينبوع العاطفي والعقائدي للنزاع العربي الإسرائيلي، وهو ما من شأنه أن يلغي شرعية العداء العربي ضد إسرائيل والولايات المتحدة· ثم إن التوصل الى اتفاقات بين إسرائيل وسورية ولبنان سيؤدي الى الهدوء ويعيد الحالة الطبيعية على كل حدود إسرائيل، ويسوي الوضع في جنوب لبنان، ويحرم الإرهابيين من الموارد الأساسية والملاجئ الآمنة· لقد أصاب الملك عبدالله القول أثناء لقائه بالرئيس كلينتون في الأسبوع الماضي، عندما قال إن والده، بوضع الأردن على طريق السلام، جعل من الممكن له أن يضع الأردن على طريق التحديث والإصلاح·

ولكن تخيلوا البديل لمثل ذلك الوضع: شرق أوسط يشكل صندوق متفجرات أكثر خطورة من السابق، خليطا من المظالم الحقيقية والحلول الزائفة ومن الانتهازيين المستعدين لأن يفيدوا من الحالتين· شرق أوسط تواصل فيه جماعات مختلفة استخدام الصراع العربي الإسرائيلي كدعوة لاجتذاب المحرومين ولاجتذاب متطوعين من الفقراء عن طريق الجمع بين أعمال الإرهاب وأعمال البر· شرق أوسط يجعل استمرار النزاع فيه الالتفات الى الضرورات العاجلة والملحة الأخرى أكثر صعوبة بكثير·

بعد هذا اسألوا أنفسكم السؤال البسيط التالي: إذا تمكنت دولة مثل العراق أو إيران من حيازة ترسانة نووية، هل ستكون إسرائيل أفضل وضعا وهي محاطة بمنطقة عزلة من السلام أم وهي مطوقة وحبيسة داخل دائرة مميتة من الكراهية؟

والآن، ماذا عن دور أمريكا؟ أعتقد أن علينا أن نبقي كل ما قلته لتوي نصب أعيننا: أي مصلحتنا القومية الثابتة في السلام وكذلك الظروف الحالية الملحة في المنطقة· فكما قلت في البداية، هذان الأمران هما اللذان لا بد أن يمليا علينا ويصوغا الدور الذي نلعبه·

هذا ما كان عليه الحال دائما، من اتفاقات فك الارتباط التي ساعدت الولايات المتحدة في التوصل إليها عامي 1973 و1975 الى اتفاقات السلام التي توسطنا فيها في كامب ديفيد وواي، من النزاعات التي ساعدنا في نزع فتيلها عامي 1993 و1996 في لبنان الى القوات التي ساهمنا بها في سيناء· كان على دورنا أن يتكيف وكان علينا أن نبدي مرونة· ولكن بوصلتنا ظلت ثابتة في موقعها دون أن تتغير، وهي: حماية مصالحنا القومية بتشجيع السلام في الشرق الأوسط·

والسبيل الأمثل لدراسة ذلك هو المقارنة بين الدورين الأمريكي في اتفاقين أخيرين: اتفاق واي الذي تم توقيعه في أكتوبر 1998 والاتفاق الذي وقع في شرم الشيخ في ايلول من العام الحالي·

فقد جاء اتفاق واي في وقت اتسم بعدم الثقة البالغ والاتصالات السطحية بين الطرفين، وفي فترة اتسمت بالتشكيك في بقاء وأسس المسيرة التي بدأت في أوسلو· وفي حين أبدى الإسرائيليون والفلسطينيون قدرا كبريا من الشهية للمهاترات والقليل القليل من قبول المساومات، تدخلنا لمنع حدوث انهيار· ورأينا أنه إذا لم يكونوا ليتحدثوا الى أحدهم الآخر، إذن سيكون لزاما عليهم أني تحدثوا من خلالنا· وجمع الرئيس الطرفين معا وراء أبواب مغلقة في واي وساعد في صياغة الاتفاق· وعلى مدى تسع ليال لم يغمض له جفن، تنقل الرئيس بكل صبر من جانب الي آخر الى أن تمكنا في نهاية المطاف من إيجاد أرضية مشتركة·

ومع انتخاب ايهود باراك، لم يعد الطرفان بحاجة الى مترجم، إذ بدآ يتحدثان الواحد مع الآخر بلغة مشتركة حتى لو كان ذلك يعني الاختلاف بنفس اللغة المشتركة· وهكذا، لعبنا دورا مختلفا في شرم الشيخ، دورا مختلفا لكن ليس أقل أهمية· ويمكنني تقسيم هذا الدور الى ثلاثة أجزاء: المقدمة بدت بفوز رئيس الوزراء باراك وجهود الرئيس (كلينتون) المستمرة لمساعدة باراك وعرفات على فهم الواحد الآخر بصورة أفضل· وفي لقاءات دامت أكثر من 12 ساعة مع رئيس الوزراء الجديد ومكالمات هاتفية لا تحصى مع الزعيمين، عمد الرئيس الى إيصال رسائل موازية: الى الرئيس عرفات، مفادها أن رئيس الوزراء ملتزم التزاما جديا بشأن السلام، وأنه رجل يحترم كلمته، وأن الفلسطينيين ينبغي أن يصغوا الى اقتراحاته بعقل مفتوح· والى رئيس الوزراء باراك، وكان مفاد رسالته أن عليه أن يأخذ في عين الاعتبار ما سببته السنوات الثلاث الماضية من تقويض لثقة الفلسطينيين·

والجزء الثاني يتعلق بمكان بروز الاختلافات الحقيقية بين شرم الشيخ وواي· ففي غضون خمسة أسابيع جلس المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون معا ليصيغوا اتفاقا جديدا· وربما طرحنا نحن أفكارا ومقترحات، لكن الاتفاق كان اتفاقهم، وكان اتفاقا يتمتع بقدرة أكبر علي التنفيذ الدقيق لأن الجانبين صاغا كل عبارة فيه وكانا مدركين للفوارق الدقيقة في معانيه·

أخيرا، ومع دنونا من نهاية المطاف، ساعد الرئيس كلينتون والوزيرة أولبرايت الطرفين على اجتياز خط النهاية، فشجعاهما على القيام بالقفز من مرحلة الاتفاق من ناحية المبدأ الى التوقيع على الورق·

وما شهدناه منذ ذلك الحين هو أدلة قوية على أن حمل الطرفين على العمل معا وبصورة مباشرة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بدور أمريكي نشط، هو السبيل الأنجح لدفع السلام قدما· وهذه الأدلة مصدرها المصدر الوحيد الذي له وزن:الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني· فقد تم إنجاز قدر أكبر من ناحية صنع السلام خلال الأشهر الثلاثة الماضية منه في السنوات الثلاث السابقة· فالتعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بدأ يجني ثمارا حقيقية· ويعزز السلامة للجانبين· وقد حولت إسرائيل للسيطرة الفلسطينية نسبة 7 في المئة أخرى من أراضي الضفة الغربية· وأفرج عن 199 أسيرا أمنيا فلسطينيا قبل أسابيع فيما أطلق سراح 151 أسيرا آخر يوم الجمعة الماضي· كما أن المسائل التي أرجئت لزمن طويل، مثل الممر الآمن بين غزة والضفة الغربية، أو تشييد ميناء غزة، بدأت مؤخرا تشهد تحركا ملموسا· أي بكلمة أخري، السلام صار يفعل ما يتعين أن يفعله، وهو جني الثمار·

والآن تأتي لحظة الحقيقة· فعلى المسار الفلسطيني، وافق الطرفان بعد انتظار طويل على معالجة المسائل الأساسية التي حددت طبيعة نزاعهما طوال الأعوام الخمسين الماضية، والتي ستحدد طبيعة سلامهما للأجيال المقبلة، القدس، اللاجئون، المستوطنات، المياه، الحدود، السيادة والأمن· وعلى المسار السوري كذلك، لقد آن الأوان للقرارات الصعبة، قرارات حول محتوى الانسحاب، وطبيعة السلام، وجوهر الترتيبات الأمنية الضرورية لعقد اتفاق·

وعلى كلا المسارين، فإن هذه مسائل تتعلق حقا بالوجود· وهي مسائل صعبة· وكل النيات الحسنة في العالم لن تجعلها قرارات أسهل· كما أن كل وقت العالم لن يجعلها أسهل أيضا· ومع نفاد الوقت في الكثير من الجبهات، ومع وجود زعماء يوشكون أن يعتزلوا ويسلموا مقاليد الأمور، ومع استعداد أجيال جديدة للأخذ بزمام الأمور، ومع اختبار المناخ الاقتصادي لتغيير هائل، فإن ساعة العمل إما أن تدق الآن وإلا لن تدق أبدا·

وبصرف النظر عن كيف يصف المرء دورنا، فإن هذا الوصف يجب ألا يموه الحقيقة الأساسية التالية: نحن، الولايات المتحدة، لدينا مصالح استراتيجية حيوية معرضة للخطر، ونحن في لحظة استراتيجية محورية· ومصالحنا تلبي حينما توقع وتنفذ اتفاقات من جانب إسرائيل، وجاراتها العربيات، والفلسطينيين· ولا توجد أولوية أكبر لهذه الحكومة ولا توجد أولوية أهم لهذا الرئيس من أولوية إحلال ذلك السلام العادل والدائم والشامل الذي وهب له الكثير الكثير منكم الكثير الكثير من الأيام والسنوات من أعماركم·

وبعد أن نقول كلمتنا ونفعل فعلنا، فإن الأمر يتعلق لا بكيف نختار أن ننعت دورنا بل كيف نختار أن نلعب هذا الدور، وهذا هو ما يهم فعلا· ويجب زلا يقال إنه حينما كان الطرفان مستعدين لعمل ما كنا نحث جميعا ومنذ زمن طويل على أمله، فإن أمريكا اختارت الوقوف على الهامش· وصنع السلام ليس مباراة رياضية· فأمام إسرائيل والفلسطينيين وسورية ولبنان قرارات صعبة لاتخاذها· والعالم العربي الأرحب كذلك يجب أن يتحمل أعباء مسؤوليته بتأييد تلك القرارات والتواصل مع إسرائيل·

وعلينا نحن أن نقوم بقسطنا·

وعلينا أن نباشر بمتابعة التزاماتنا الخاصة· وهذا يعني التمويل الكامل والفوري لتنفيذ اتفاقات واي· وهذا الأسبوع مارس الرئيس حقه الدستوري بنقض مشروع قانون العمليات الخارجية الذي أحاله الكونغرس إليه· ونقضه الرئيس جزئيا لأن التشريع كان سيحجب مبلغ الـ 800 مليون دولار المطلوب هذا العام لتمويل واي، وسيحجب مبلغ الـ 500 مليون دولار المطلوب للعام المقبل· وهذا التشريع بعث أسوأ إشارة ممكنة لأصدقائنا في الـشرق الأوسط، وأقوى تشجيع ممكن الى أولئك في المنطقة الذين يعملون لإيذائنا· ونحن أوضحنا أن الرئيس لن يوقع على تشريع خاص بالعمليات الخارجية لا يشمل اعتمادات (لاتفاق واي)·

لكن الرئيس نقض التشريع كذلك لأنه كان سيخفض بصورة متهورة التمويل لبرامج أخرى كثيرة· إذ إن الحاجة لتخصيص الأموال لواي هي جزء من افتراض أكثر شمولا بكثير وهو أن حماية المصالح الأمريكية تقتضي زعامة عالمية· وأن هذه الزعامة العالمية لا يمكن المحافظة عليها بمبالغ زهيدة· فنحن بحاجة للأمول لواي تماما كما نحتاج للأموال لتمويل سياستنا الخارجية ككل·· والحفاظ على هذه البرامج الأخرى هو أساس مصلحتنا القومية· فهذه البرامج ستعمل على تقليص التهديد النووي من روسيا، وتوفير إغاثة مخففة لديون أفقر الدول الفقيرة، والوفاء بالتزاماتنا للأمم المتحدة وبنوك التنمية المتعددة الجنسيات، أي بكلمة أخرى، الدفاع عن أمننا من خلال إشاعة السلام والفرص الاقتصادية في الخارج·

لكن هناك أمورا أخرى· إذ بإحجامنا عن تمويل سياستنا الخارجية فإننا نلحق أذى لا بمصالح أمريكا فحسب، بل بمصالح إسرائيل وبمصالح كل الذين وهبوا أنفسهم للسلام في الشرق الأوسط· فزهاء نصف مساعداتنا الثنائية الى العالم يذهب لدعم عملية سلام الشرق الأوسط· وإذا أضفنا (مساعدات) واي وأنقصنا البقية فإن الصورة ستصبح غير متكافئة جدا بحيث إن المقادير الحالية لمساعدات الشرق الأوسط ستصبح بنظري غير قابلة للتحمل من قبل الشعب الأمريكي· وبصراحة، إن من مصلحة أصدقاء إسرائيل أن يكافحوا لا من أجل واي فقط بل لصالح تمويل شمولية سياساتنا الخارجية، لأنه كلما وهن تمويلنا الشامل أصبحت أكثر تعرضا للخطر مساعداتنا الى إسرائيل ومصر والأردن· وأن أعلم أن هناك أصدقاء كثيرين للسلام في أمريكا، بمن فيهم منكم الموجودون هنا اليوم الذين يؤيدون الحكومة ونحن نثابر في عمل ما هو صائب·

وغدا، ستحيي إسرائيل الذكرى الرابعة لليوم الذي اغتيل فيه اسحق رابين· وبعد أسبوعين فإن مدينة أوسلو، المدينة التي ترمز الى السلام، ستكرم ذكرى رجل رمز للسلام، ستكرم ذكرى اسحقا رابين· وسيتقاطر زعماء من حول المنطقة والعالم الى هناك لتكريم زعيم عظيم·· ويسعدني أن أبلغكم أن الرئيس كلينتون سيكون في عدادهم، وكذلك رئيس الوزراء باراك والرئيس عرفات· وهم سيكرمون ذكرى اسحق رابين على أفضل نحو ممكن، إذ سيلتقون ليكرسوا أنفسهم مجددا لعملية السلام ولإعطائها زخما إضافيا، ولتركيز أنظارهم علي الهدف الذي من أجله ضحى رابين بحياته، وهو سلام دائم بين إسرائيل والشعب الفلسطيني·

إن الرصاصة التي قضت على حياة رابين كان لها هدف آخر بالطبع وهو عملية السلام· لقد فقدنا بطلا حقيقيا، لكن عملية السلام حي يرزق· وفي الوقت الذي نكرم فيه الذكرى السنوية لوفاة أحد أعظم زعماء إسرائيل، فلنعقد العزم على عمل كل شيء في مقدورنا لتحقيق حلمه في العام المقبل·

طباعة  

مجلس الأمن الدولي يدين إدانة قاطعة جميع أعمال الإرهاب الدولي