رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2-8 شعبان 1420هـ -10 - 16 نوفمبر 1999
العدد 1402

عندما يصبح الأمر مصادرة متعسفة لحق الاجتهادهذه الضجة حول كتاب "أبي آدم"*

 ·   إن التناقض بين القرآن وما توصل إليه العلم من حقائق نهائية مستحيل، وإنما يأتي التناقض من جهة أن العلم لم يستقر بعد على بر الحقيقة الكاملة وما زال يدور في إطار النظريات الظنية الدلالة، الى جانب أن التناقض قد يأتي من ضعف التفكير الذي تتم به معالجة الأفكار

·  لو استجاب عامة المسلمين واستجاب القضاء لا قدر الله لمن يثيرون الزوابع، ويقتحمون ساحاته، منادين بتكفير المجتهدين، ومطالبين بالتفريق بينهم وبين زوجاتهم·· لرأي يرونه، أو شبهة تعلقوا بها·· لأغلق - بالتخويف والإرهاب - باب الاجتهاد·· ولانتهى الفكر والنظر قبل أن يبدآ·· ولضاع على الأمة خير كثير

·  قضية كتاب "أبي آدم" لا يترتب عليها عمل، ولا يستقيم بسببها أو يعوج سلوك، ولا تتأثر بها الأمة في معاشها ولا في معادها، فهل كان الأمر مستحقا لهذه الضجة؟! وهل استوجب مثل هذا الاجتهاد، في صوابه وفي خطئه الالتجاء إلى القضاء؟!

 

أحمد كمال أبو المجد*

ترددت طويلا قبل أن أستجيب لاقتراح بعض الأصدقاء أن يكون موضوع هذا المقال تعقيبا على الكتاب الذي أصدره الدكتور عبدالصبور شاهين بعنوان "أبى آدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة"· ذلك أنني كنت قد ألزمت نفسي بالامتناع عن الخوض في الزوابع الصاخبة التي يحركها كل حين بعض الغاضبين، اعتراضا على كثير مما يكتب أو يقال·· وامتشاقا لحسام "الذود عن دين الله"، وعن ثوابت العقيدة والشريعة! وهو غضب يستحق الاحتفاء والتقدير حين يكون صادقا متجردا عن الهوى والرغبة في تسوية حسابات سياسية أو فكرية أو شخصية، وحين يتعلق الأمر - حقيقة وفعلا - بخروج ظاهر جلي على تلك الثوابت، لا مجال معه لتأويل أو اعتذار· أما حين يتحول الأمر الى مصادرة متعسفة لحق الاجتهاد، ومسارعة الى الاتهام بغير بينة ولا دليل، وإسراف في إساءة الظن بالمقاصد والنوايا - وهي من السرائر التي يتولاها الله - وتوسع هائل - لا معيار له ولا ضابط - في تحديد ما يعد من ثوابت الإسلام، أو "ما عرف منه بالضرورة" على حد ما يقول علماء الأصول، فإن "الاشتراك" في المبارزات الكلامية التي تعقب إعلان التهم التي يوجهها أولئك الغاضبون، قد يفهم على أنه قبول لهذا المنهج الفاسد في تناول أمور العقيدة والشريعة·· وقد ينطوي على تشجيع - غير مقصود - على ممارسة هذا الأسلوب الفاسد في الحوار، وما يؤدي إليه ذلك كله من قفل أبواب الاجتهاد وتردد كثير من العلماء وأصحاب الأقلام في الجهر بآرائهم مخافة أن تتناوشهم - في الصدور والظهور - سهام أولئك القناصة المتربصين·

وإلى جانب هذه الأسباب الموضوعية، للتردد في التعقيب على كتاب "أبي آدم"، فقد كان لدي سبب شخصي خاص يرجع الى أنني أبديت رأيي في الكتاب داخل "مجمع البحوث الإسلامية" الذي أتشرف بعضويته·· وقد انتهى المجمع - بعد مناقشة مستفيضة للكتاب وما جاء فيه - الى رأي واضح وضعه بين يدي المحكمة التي تنظر دعوى بعض الأفراد ضد مؤلف الكتاب وضد الأزهر الشريف يطلبون فيها الحكم بمصادرة الكتاب، والتعويض المالي عما سببه لهم الكتاب من آلام نفسية!! وعبر واحد منهم عن أسفه، لأن قانون الحسبة في مصر - بعد تعديله منذ سنوات - لم يعد يمكنه من رفع دعوى تفريق بين مؤلف الكتاب وزوجته، لأن أمر هذه الدعوى قد صار بيد النيابة العامة وحدها·

ورغم هذه الأسباب التي دعتني الى التردد في التعقيب على الكتاب·· فقد غالبت ذلك التردد، وراجعت نفسي مراجعة شديدة فيما كنت قد اعتدته من تناول قضايا الاجتهاد وتجديد الفكر الديني برفق وحذر شديدين، حرصا على تجنب شغل عامة الناس بقضايا فكرية لا يترتب على كثير منها نفع ولا عمل، فضلا عما تثيره المواجهة الصريحة من غضب أطراف تملك من أسلحة التخويف الفكري رصيدا هائلا تضيع معه - الى غير رجعة - موضوعية الحوار·· وكان سبب هذه المراجعة التي غالبت فيها التردد، إحساسا متزايدا عندي، وعند كثير من الباحثين والمؤرخين بشدة حاجة الدنيا من حولنا الى الإسلام الصحيح بعقيدته الواضحة الصافية، ونزعته الإنسانية السمحة، وإحساسا بأن مآل موجة التدين التي تتعاظم في مجتمعنا المصري وعلى امتداد العالمين العربي والإسلامي، مرهون بما يتحقق لها ولمنهجها الفكري والعملي من صواب واعتدال ورشد، فإن تحققت لها تلك الأمور كان تعاظمها نعمة على الناس ورحمة لهم· أما إذا غاب عنها الصواب والاعتدال والرشد، فلن يكون تعاظمها إلا مدخلا لصراعات كبيرة تتجاذبها الرؤى المختلفة، والمواقف المتنافرة، وتتحكم فيها أفكار بعض العقول القاصرة، والصدور الضيقة، والأمزجة المعتكرة المتشنجة·· ولن تكون ثمرة ذلك كله إلا تراجع فرص الخروج من مأزق التخلف والتراجع - الذي يجاهد العرب والمسلمون للخروج منه - وتعذر إسهام العرب والمسلمين في توجيه الحضارة العالمية المعاصرة·· ولقد بدا لي أن التعقيب على كتاب "أبي آدم"، رغم إيماني بأن الأمر كله لا يستحق الضجة القائمة حوله فإنه قد يكون مناسبة معقولة للوقوف في وجه الغارات التي توجه كل حين الى حق العلماء والمفكرين في الاجتهاد· فقد نفد والله الصبر، وآن للإسراف في الحذر والتردد أن يترك موقعه لمواجهة فكرية صريحة، توضع فيها النقاط فوق الحروف، وتسمى أخطاء المنهج بأسمائها الحقيقية·· ولا يعبأ فيها أصحاب الرأي بإرهاب المرهبين ولمز اللامزين، ويرتفع فيها فوق صخب هؤلاء جميعا قول الله تعالى: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} (الأحزاب 37)·

تراتبية مكان آدم ـ عليه السلام في الخليقة

أما الكتاب، فأول ما يحتاج القارئ الى ملاحظته في شأنه أن طبيعة موضوعه، وهو "قصة الخليقة ومكان آدم - عليه السلام - في سلسلة الخلق الإلهي" تجعل من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - على الباحث، أي باحث، أن يصل فيه الى رأي قاطع يدعي أنه وحده الصواب، لا يراجعه فيه أحد·

ذلك أن مشهد خلق الإنسان قد وقع في لحظة أو لحظات تاريخية بعيدة الغور في التاريخ، في زمن أو أزمان لم يكن التدوين والتوثيق العلمي حاضرين فيها حتى يقال إن للعلم فيها رأيا قاطعا يبلغ مرتبة اليقين··· ولذلك فإن ما يشير إليه المؤلف على أنه "تصور العلم" في قضية بدء الخلق لا يعدو أن يكون تقديرات متفرقة قائمة على "استنطاق" الحفريات التي تكشف عن تطور الحياة على هذا الكوكب الأرضي، أو مستندة الى بعض مقررات علوم الجيولوجيا، (طبقات الأرض)، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والبيولوجيا (علم الأحياء)·

ومن الناحية الأخرى، فإن النصوص القرآنية التي تتحدث عن خلق الإنسان، وعن آدم - عليه السلام - لا تعالج التفاصيل التي تبين كيفية الخلق، كما لا تعنى بتحديد المسافات الزمنية التي قد تكون أحاطت بمراحل ذلك الخلق·· إذ ليس شيء من ذلك داخلا في وظيفة صاحب الرسالة - [ - ولا هو من مقاصد القرآن الكريم الذي هو - من قبل ومن بعد - كتاب هداية·· لا يتحدث عن قصص الأقدمين إلا لكي يكتشف الناس عن طريقها سنن الخالق - سبحانه - في أمور خلقه ولكي يلتمس منها المؤمنون بالوحي عبرة وعظة تنفعهم في حاضرهم ومستقبلهم: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى} (يوسف 111)، {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} (هود 120)·

وبسبب هذين الأمرين لا يملك كاتب قديما كان أو حديثا أن يكون له في أمر بدء الخلق رأي حاسم تؤيده نصوص قطعية الورود والدلالة، أو تؤيده شواهد علمية نظرية أو تجريبية تبلغ في دلالتها مرتبة اليقين·

وعلى ذلك فإن أكثر التفصيلات التي يتناولها الدكتور عبدالصبور شاهين بالعرض وإبداء الرأي أو بترجيح احتمال على احتمال، إنما تدخل في نطاق الغيب الذي استأثر الله - سبحانه - بعلمه·· وهو المعنى الذي يرشد إليه قوله تعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} (الكهف 51)·

وفي إطار الضجة التي أثارها الكتاب، حين نقلها المعترضون عليه من ساحة الحوار الفكري الى ساحة القضاء·· فإن الهدف من هذا التعقيب ليس تصويب الدكتور شاهين في آرائه وتأويلاته للنصوص، أو تخطئته في ذلك كله أو بعضه·· فالاجتهاد لا ينقضه اجتهاد مثله، والظن لا يدفع بالظن·· وإنما يهدف هذا التعقيب الى مناقشة منهج المؤلف في بحثه، وعرض الأفكار الأساسية التي احتوى عليها·· ثم البحث فيما إذا كان المؤلف بما انتهى إليه من آراء واجتهادات قد خالف في شيء من ذلك - كما يقول رافعو الدعاوى القضائية - ثوابت العقيدة الإسلامية، ومحكم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية·· أم إنه اجتهد في دائرة يجوز فيها الاجتهاد، نحن من جانبنا نخالفه في بعضها، ويظل بذلك مأجورا على أي حال في ظل القاعدة الإسلامية التي تشجع على الاجتهاد، وتدعو الى إعمال الفكر، والنظر في الأنفس والآفاق··

وقد حدد المؤلف منهجه وغايته من معالجة موضوع الكتاب تحديدا واضحا في مقدمة الكتاب، حين وصفه بأنه "محاولة لفهم النصوص التي جاءت في القرآن الكريم، وهي قطعية·· تروي وقائع قصة الخلق، وأيضا للتوفيق بين التصوير القرآني، والاتجاه العلمي في تصوير الحياة البشرية على هذه الأرض، ولا حرج علينا في هذا ما دمنا نرعى قداسة النصوص المنزلة، وما دمنا لا نخالف معلومات من الدين بالضرورة، وما دمنا نقدم رؤية عقلية تحترم المنطق، وتستنطق اللغة من جديد، وتدعم إيمان المؤمنين بما ينطوي عليه كتاب الله من أسرار قد تكون خفيت عن بصائر ذوي التمييز، ثم أذن الله - سبحانه وتعالى - لبعض السر أن ينكشف وللرؤية أن تنجلي"·

أما محاولة فهم النصوص القرآنية التي تروي قصة الخلق فأمر لا خلاف على جوازه، بل على وجوبه، وقد صرح المؤلف في مقدمة الكتاب كذلك بأن "جل اعتماده" في عرض قصة الخليقة قد كان على "استنطاق آيات القرآن باعتبارها المصدر الأول والأوثق الذي ينبغي اعتماده في هذا المجال"·

أما ما يسميه المؤلف "الاتجاه العلمي في تصوير الحياة البشرية" فإنه لا يذكر من أمره أكثر من احترام النتائج التي توصلت إليها علوم الجيولوجيا، وعلم الإنسان (الأنثروبولجيا)، والتي اعتمدت فيما وصلت إليه من نتائج على دراسات مستفيضة ومتواصلة لطبقات الأرض وخواصها وللحفريات التي ترشد الى من عاش على كوكب الأرض من مخلوقات والتي تقدر - على وجه التقريب - الآماد الفاصلة بين مراحل تطور الحياة على ظهر هذا الكوكب· 

النظريات الظنية الدلالة 

وإذا كان المؤلف قد أورد عديدا من آراء العلماء ونظرياتهم في تطور الحياة على ظهر الأرض، وفي تقسيماتها الى عصور حددوا لكل منها أمدا زمنيا معينا، فإنه لم يفته الاتفات الى نسبيتها، وأن ما قالوه في شأنها لا يبلغ أبدا مرتبة اليقين العلمي فهو يصفها جميعا (ص36) بأنها "جملة من النظريات المشتجرة والمتعارضة التي تركز كلها على تاريخ وجود الإنسان، وأصل هذا المخلوق، وهي كلها تؤكد نسبية المعلومات التي تضمنتها، ولكل واحدة منها أدلتها التي تستند إليها في تقرير جوانب التصور الزمنية والخلقية، ولا ريب أن في كل منها شيئا من الحقيقة، أشياء من الخيال تصب في بحر الضلال"· وهذا الإدراك من جانب المؤلف لنسبية المعلومات التي قامت عليها النظريات العلمية التي عرضها، واضح لا شك فيه· وهو لذلك، لا يجعلها مساوية للنصوص القرآنية، فيقول (ص42): " لا بد أن نسلم بأن معطيات العلم ليست حقائق مطلقة في أغلب الأحيان بل هي رؤى نسبية من حيث إن العقل الذي يتوصل إليها مرتهن بقيود من البيئة والزمان، والقدرات الذاتية، والدلائل المتاحة··

أما القرآن وهو الكلمة الإلهية النهائية في الخطاب ما بين السماء والأرض أو ما بين الأعلى والأدنى، فإنه ولا شك يقدم للعقل الإنساني الحقائق النهائية في الموضوع، ولكن الأجيال تتفاوت في فهم النص المقدس، حتى ليبدو ما استخرجه الفكر الديني حتى الآن من النصوص - مناقضا للعلم، ولا سبيل الى تحقيق اللقاء بينها، ونحن نقرر - بادئ ذي بدء - أن التناقض بين القرآن وما توصل إليه العلم من حقائق نهائية مستحيل، وإنما يأتي التناقض من جهة أن العلم لم يستقر بعد على بر الحقيقة الكاملة وما زال يدور في إطار النظريات الظنية الدلالة، الى جانب أن التناقض قد يأتي من ضعف التفكير الذي تتم به معالجة الأفكار"·

وهذا المنهج الذي رسمه المؤلف لنفسه لا عوج فيه ولا اعتراض عليه·· ولكن العقبة التي صادفت المؤلف في متابعته وإعماله فيما يتصدى له تتمثل - كما قلنا في بداية هذا التعقيب - في أن العلم ليس له قول قاطع في أمر بدء الخلق حتى يسعى باحث أو فقيه للتوفيق بينه وبين الدين· كما أن الإسلام بمصدريه الأساسيين، القرآن الكريم والسنة النبوية، ليس له رأي قاطع في كثير من التفاصيل التي تتعلق ببدء الخلق، وحقيقة آدم، والمسافة الزمنية التي قد تكون باعدت بين مراحل الخلق·· ومن هنا فإن محاولة الدكتور شاهين، حين ينظر إليها من خلال المقولات والاجتهادات التي انتهى إليها، ليست في حقيقتها محاولة للتوفيق بين العلم والدين كما يقول·· وإنما هي محاولة عالم متخصص في اللغة "لاستنطاق" النصوص القرآنية، استنطاقا لغويا خالصا للتوصل الى نتائج يحتاج قبولها الى أكثر من دلالات اللغة، التي تظل دائما قرينة، أو دليلا مساعدا·· وفوق ذلك فقد لاحظنا أن المؤلف في "استنطاقه" لنصوص القرآن الكريم قد اعتمد على نصوص تشهد للنتائج التي توصل إليها وأهمل نصوصا أخرى تشهد لنتائج مخالفة··

أما المنهج الذي اعتمده وأعلنه فيظل - في ذاته - منهجا صحيحا ومقبولا··

وحتى يفهم هذا كله على وجهه فإننا نضع قائمة بأهم الآراء التي انتهى إليها المؤلف لنرى إن كان فيها ما يخالف ثوابت العقيدة أو الشريعة·

لقد انتهى الدكتور شاهين الى النتائج والآراء التالية:

1 - أن الحياة على كوكب الأرض قد سبقت خلق الإنسان بآماد طويلة يصعب تحديدها·

2 - أن الإنسان الذي كرمه الله وأمر ملائكته بالسجود له هو امتداد لمخلوق واحد هو "البشر"!! وليس - كما تقول نظرية النشوء والارتقاء، حلقة في سلسلة تطور كانت القرود فيها حلقة سابقة ثم تطورت الى أن صارت "الإنسان" الذي نعرفه·

3 - وأن الله تعالى خلق "البشر" من طين، ولكن ليس في آيات القرآن ما يقطع بأن ادم عليه السلام قد خلق مباشرة من ذلك الطين·· وأن الاستعمال القرآني لكلمة "بشر" يدل على كائن سابق في الزمان وفي الكيف على "الإنسان"· فهو كائن لم يكن يحمل الملكات العلوية المتميزة من سمع وبصر وفؤاد، ولم يكن يحمل الأمانة التي حملها آدم وبنوه·· منذ تحول البشر الى "إنسان" حين سواه الله ونفخ فيه من روحه·

4 - وأنه لا حاجة الى تحديد حقيقة الطين الذي خلق منه البشر، فالقرآن يعبر عنه تارة بالتراب وتارة بأنه "طين لازب" وثالثة بأنه "صلصال كالفخار" أو أنه "صلصال من حمأ مسنون"·

5 - أن الله تعالى وقد تناول البشر المخلوق من طين فسواه وصوره، فإن هذه التسوية لا يلزم أن تكون قد تمت على الفور في أعقاب الخلق، بل إن الخلق والتصوير مرحلتان في عمر البشرية لعلهما استغرقتا بضعة ملايين من السنين، والتصوير هنا يقابل التسوية في مواضع أخرى، مع ملاحظة استعمال الأداة التي تفيد التراخي بين الأمرين" (الكتاب ص 86)· ويوجز المؤلف رأيه في قصة الخلق بقوله: "إن الإنسان يخرج من البشر، وإنه قبل التسوية لم يكن المخلوق البشري إنسانا·· بل كان مشروع إنسان في حيز القوة قبل أن يكون إنسانا في حيز الفعل"·

خلق الإنسان ومراحل تسويته

وفي سياق شرحه لرأيه، يشير المؤلف الى عدد من الآيات القرآنية التي تشهد، على نحو أو آخر "لهذا الرأي"·· من ذلك إشارته الى قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (المؤمنون 12)·· ويقول في بيان وجه استدلاله بها "وكأن الآية تدفع عن العقل إدماج العمليتين في عملية واحدة، فالإنسان خلق من (سلالة) نسلت (من طين)، أي أنه لم يخلق مباشرة من الطين، أما ابن الطين مباشرة فهو "أول البشر" وكان ذلك منذ ملايين السنين"، ثم يشير المؤلف الى قوله تعالى في سورة السجدة: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين· ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين· ثم سواه ونفخ فيه من روحه} (السجدة 7-9)·

ويجمع المؤلف رأيه كله  في قوله (ص 91):

"فخلق الإنسان بدأ من طين أي في شكل مشروع بشري، ثم استخرج الله منه نسلاً (من سلالة من ماء مهين) ثم كانت التسوية ونفخ الروح، فكان "الإنسان" هو الثمرة في نهاية المطاف·· عبر تلكم الأطوار التاريخية السحيقة العتيقة"··

ويتحدث الكاتب في سياق هذا الشرح عما يسميه "مراحل التسوية"، مستدلاً بآيات لا نراها في الحقيقة شاهدة بالضرورة لما ينتهي إليه من رأي، فهو - على سبيل المثال - يستدل بقوله تعالى: {ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} (السجدة 9)·

وقوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} (النحل 78)·

فيقول: إن هذا "الجعل قد تم خلال مراحل التسوية"·· وإن الله تعالى جعل للبشر هذه الأدوات في مراحل التسوية المتعادلة حين شاءت القدرة أن تزود هذا المخلوق البشري بما يحتاج إليه من أدوات الكمال"·

أما في خصوص آدم عليه اسلام وعلاقته بما كان قبله من المخلوقات·· فيقول المؤلف: إنه يستطيع أن يقرر مع علماء الإنسان أن الأرض عرفت هذا الخلق الذي ظهر على سطحها منذ ملايين السنين·· وقد أطلق العلماء على هذا المخلوق خطأ أو تجاوزاً لفظ إنسان كينيا·· واستخدام كلمة "إنسان" في وصف هؤلاء ليس إلا على سبيل التوسع·· وإلا فاللفظ الدقيق بلغة القرآن والذي ينبغي أن يستخدم في تسمية تلك المخلوقات العتيقة التي تدل عليها الأحاديث هو البشر·

"أما الإنسان فلا يطلق بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المكلف بالتوحيد والعبادة لا غير، وهو الذي يبدأ بوجود آدم عليه السلام، وآدام على هذا هو أبو الإنسان وليس "أبو البشر"، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله، تمهيداً لظهور ذلك النسل الآدمي الجديد، اللهم إلا تلك العلاقة التذكارية، باعتباره من نسلهم"·

ويضيف المؤلف (ص  105) أن "خلق الإنسان تم عبر ثلاث مراحل هائلة هي: الخلق، والتسوية، والنفخ·· وأن مرحلة الخلق الأولى هي التي أحالت التراب أو الطين إلى مخلوق ظاهر (بشر) يتحرك على الأرض بالروح الحيواني، كما تتحرك سائر الكائنات·· ثم تناولت القدرة ذلك المخلوق في المرحلة الثانية بالتسوية أو ما يمكن تشبيهه بهندسة البناء وتجميله، وهي مرحلة التعديل المادي أو الظاهري، وقد استغرقت ملايين السنين، والله أعلم بتفاصيلها، ثم جاءت المرحلة الثالثة، وهي الممثلة في تزويد المخلوق السوي بالملكات والقدرات العليا التي جوهرها (العقل)·· وبذلك اكتمل مشروع بناء (الإنسان) فكان (آدم) هو أول (إنسان) وطليعة سلالة التكليف بتوحيد الله وعبادته"·

وهذا كله لا ينطوي فيما نرى على مخالفة لأمر ثابت ثبوتاً يقينيا بدليل قطعي الورود وقطعي الدلالة حتى يعد من ثوابت العقيدة التي لا يجوز لمسلم إنكارها أو القول بخلافها· وهي الثوابت التي يسميها علماء الفقه والأًصول "ما عُرف من الدين بالضرورة" وهو تعبير يحتاج إلى ضبط، حتى لا يدخل فيه البعض كل ما يعن لهم مما يرونه هم من قواعد الإسلام وثوابت عقيدته وشريعته· 

"البشر" و"الإنسان" 

ودون أن نشغل القارئ بمناقشة الكتاب مناقشة تفصيلية نكتفي بالقول بأننا نستدرك على أمرين اثنين وردا في كتاب الدكتور عبدالصبور شاهين:

الأول قوله: (ص 117): " ليس غريباً أن نتصور أن آدم جاء مولوداً لأبوين، وأن حواء جاءت كذلك على الرغم مما سوف يلقى هذا التصور من معارضة تلقائية ورفض عنيف بلا تفكير"·

وهذا القول من المؤلف في تقديرنا - مبتور الصلة بالمقدمات التي بناه عليها، وهي أن ملحمة خلق البشر وتسويته وتزويده بالملكات العليا التي أصبح بها إنساناً قد استغرقت ملايين السنين "حتى أذن الله للصبح أن ينبلج فأشرق الإنسان من سلالة البشر واكتمل المشروع وجاء آدم"· فضلاً عن عدم اتساقه مع النص القرآني الذي يقرر {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران 59)·· فسياق هذه الآية يتضمن الرد على الذين استغربوا خلق عيسى عليه السلام من غير أب·· وذلك بذكر الأولى وهو وجود إنسان آخر خلق من غير أبوين·· ولو صح ما يقرره مؤلف الكتاب لما كان لهذه الآية ما لها من قوة الدليل·

الثاني: إصراره على أن البشر غير الإنسان·· وإيراده للعديد من النصوص القرآنية التي تشهد لهذا المعنى·· واغفاله نصوصاً أخرى تؤكد استعمال القرآن للكلمتين "البشر" و"الإنسان" بمعنى واحد·· وتقطع في الدلالة على أن "البشر" الذي تشير إليه هو الإنسان المكرّم الملكف الحامل لخصائص "التسوية" التي جعلها المؤلف قاصرة على "الإنسان"·

·    من هذه النصوص قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله··} (آل عمران - 79)·

·     ومنها قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد} (الكهف: 110)·

·    وقوله تعالى: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا} (الإسراء: 93)· 

ما أشبه اليوم بالبارحة 

وبعد·· فهذا كتاب "أبي آدم" تناول قضية لم يقل أحد إنها من أصول الدين، واجتهد في شأنها اجتهاداً أصاب في بعضه وأخطأ - فيما نرى - في بعضه الآخر·

وهي بعد قضية لا يترتب عليها عمل، ولا يستقيم بسببها أو يعوج سلوك، ولا تتأثر بها الأمة في معاشها ولا في معادها، فهل كان الأمر مستحقاً لهذه الضجة؟! وهل استوجب مثل هذا الاجتهاد، في صوابه وفي خطئه، الالتجاء إلى القضاء؟!

تلك هي القضية التي تحتاج إلى وقفة·· وما أشبه اليوم بالبارحة·· فقديماً وجه البعض تهتمي الكفر والردة للشيخ علي عبدالرزاق الذي نخالفه في أكثر ما انتهى إليه في كتابه المعروف "الإسلام وأصول الحكم"، ولكننا نرفض توجيه تهمتي الكفر والردة إليه رفضاً قاطعاً لا تردد فيه، "فأصول الحكم" عند المدارس الفقهية السنية جمعيها، ليست من أصول الدين، بل هي عندهم من فروع الفقه·· ومن ثم فإننا نوافق الذين استدركوا على بعض العبارات التي استعملها العالم الجليل الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر في رده العلمي القيم على الشيخ علي عبدالرزاق بكتابه، الذي نتمنى أن يطلع عليه الكثيرون والذي سماه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، نستدرك على إشارته مرتين أو ثلاثاً إلى ما انتهى إليه الشيخ علي عبدالرزاق بأنه "إلحاد في الدين" وما أشبه اليوم بالبارحة، وما أسوأ بدعة جر المفكرين والمجتهدين إلى القضاء طلباً لمصادرة آرائهم وحجب مؤلفاتهم·· بل والتفريق بينهم وبين زوجاتهم!! 

أبو زيد "الأول" 

في عام 1917 قضت محكمة دمنهور بردة كاتب اسمه "محمد أبوزيد" وكان من العلماء ومن تلامذة الشيخ رشيد رضا عليه رحمة الله·· لأنه في مجلس من مجالسه قرر أن "نوحا عليه السلام هو أول الأنبياء والرسل، وأن ليس في القرآن ما يشير إلى آدم على أنه نبي أو رسول" فأقام عليه الشيخ "محد صالح الزواوي" دعوى حسبة رفعها اثنان من المحامين طالبين الحكم بردته وتطليقه من زوجته، (روى تفاصيل تلك السابقة الأستاذ فهمي هويدي في مقال له بجريدة الأهرام يوم 1993/12/14 بعنوان "عبرة أبوزيد الأول")·

ويُحمد "لمحمد أبوزيد" أنه وقف أمام محكمة دمنهور مدافعاً بالحجة عن الرأي الذي ارتآه··مقرراً - في موضوعية العلماء وشجاعتهم - أن القول بنبوة آدم يصح مع ذلك على سبيل الظن، ومن ثم لا تكون مخالفته مخالفة لمعلوم من الدين بالضرورة··

كما يحمد له أنه لم يقف عند حد الدفاع عن نفسه وإنما طلب إحالة هذين المحاميين إلي مجلس التأديب لأنهما "احتالاً بالكذب والافتراء على تكفير أهل الدين والتفريق بين المسلمين"·

ولكن محكمة دمنهور·· لم تلتفت لهذا الدفاع العلمي الرصين وإنما نصبت من نفسها جهة إفتاء وتفسير وحكم على أصحاب الرأي في دينهم وعقيدتهم مقررة أن "نبوة آدم عليه السلام ثابتة بالكتاب والسنة وبالإجماع ومعلومة من الدين بالضرورة· لذا يكفر جاحدها·· ورتب قاضي محكمة دمنهور على ذلك نتيجته المؤلمة المؤسفة مقرراً أنه - "حيث إن المنصوص عليه شرعاً أن المرتد عن دين الإسلام ينفسخ زواجه في الحال ويفرق بينه وبين زوجه لهذا فرقنا بين الشيخ محمد أبوزيد المذكور وزوجه"· 

مشغولون بما لا يفيد

ولكن بقي في هذه القصة أمران مشرقان جديران بالاحتفال:

أولهما: أن مجلة المنار، في شجاعة وعلم وإيمان بحرية البحث والاجتهاد، تصدت لحكم قاضي دمنهور قائلة إنه "ظاهر البطلان بعدم انطباقه على الدعوى من جهة الصورة، وبعدم صحة ما استدل به القاضي·· إذ "أن الردة تكون بجحد المدعى عليه للمعلوم من الدين بالضرورة، ونبوة آدم ورسالته ليست كذلك"·

الثاني: أن المحكمة الكلية الشرعية بالإسكندرية قضت يوم أول ديسمبر 1918 بإلغاء حكم محكمة دمنهور··· وأصدر الحكم فيها الشيخ مصطفى سلطان "وكان الزحام شديداً جداً وقد حضر الجلسة جمهور كبير من المحامين والعلماء·· وبعد مرافعات المحامين من الجانبين أصدر رئيس المحكمة حكمه مقرراً أن نبوة آدم، وإن دل عليها الكتاب والسنة، واتفق عليها العلماء·· ولم يعرف بينهم خلاف فيها·· إلا أنها ليست من ضروريات الدين بحيث يعرفها الكافة كالصلاة والصوم، بل هي من الأمور النظرية، والقول بأنها معلومة من الدين بالضرورة دعوة غير مقبولة"·

وأضافت المحكمة كلاماً دقيقاً قيماً يستحق أن نردده معها هذه الأيام، وذلك حين تقول:

"إن منكر شيء من الأمور النظرية مستنداً إلى شبهة - ولو غير صحيحة - لا يحكم عليه شرعاً بالكفر·· لأن الكفر نهاية في العقوبة فلا يكون إلا عن نهاية الجناية"· وحين يقول مقرراً أصلاً فقهياً وعلمياً عظيماً ينقله عن علماء الأصول "إن الكفر شيء عظيم، ولا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، وما يشك في أنه ردة لا يُحكم بها، إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك"·

ولعل مما يحتاج إلى ترديد من جديد هذه الأيام ما أعلنه قاضي محكمة الإسكندرية قبل أن ينطق بتبرئة الشيخ محد أبوزيد: "الإفرنج مشغولون بما يفيدهم وأنتم مشغولون بما لا يفيد"، وهي عبارة تستحق أن نوجهها لمن يثيرون الزوابع، ويقتحمون ساحات القضاء، منادين بتكفير المجتهدين، ومطالبين بالتفريق بينهم وبين زوجاتهم·· ولو استجاب لهم عامة المسلمين واستجاب لهم - لا قدر الله - القضاء لأُغلق - بالتخويف والإرهاب - باب الاجتهاد·· ولانتهى الفكر والنظر قبل أن يبدأ·· ولضاع على الأمة خير كثير·

ومن عجب أن تتكرر الواقعة، ويتكرر نفس المسار بعد نحو سبعين عاماً من قضية الشيخ محمد أبوزيد، فقد نشر باحث لبناني معروف هو الأستاذ "عزالدين بليق" كتاباً عام 1990 عنوانه: "نبوة آدم ورسالته بين الظن واليقين"، ذهب فيه إلى رأي قريب من رأي الشيخ محمد أبوزيد فأصدرت المحكمة الشرعية السنية في لبنان حكماً عليه بالردة، وبالتفريق بينه وبين زوجه، فجاء الرجل إلى مصر وحصل على آراء عدد من العلماء من بينهم المرحوم الدكتور عبدالمنعم النمر، والمرحوم الشيخ محمد الغزالي، والمرحوم الدكتور عبدالله المشد، كما حصل على رأي من مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو، وقدم هذه الآراء العلمية لمحكمة الاستئناف الشرعية السنية فقضت بمثل ما قضى به رئيس محكمة الإسكندرية، منذ أكثر من سبعين عاماً··

الكاف والنون

وهذا كله يثير قضية كبرى تتجاوز كثيراً حدود التعقيب على كتاب "أبي آدم" كما تتجاوز موضوع الشيخ محمد أبوزيد والأستاذ عز الدين بليق·· وهي تتصل بالعقل المسلم المعاصر·· وتصوره لثوابت العقيدة والشرعية، كما تتصل اتصالاً وثيقاً بقضايا "الحرية" ومكانها في الإسلام·· فالإسلام الذي دعا إلى التفكير والسير في الأرض طلباً للمعرفة وسيعاً إلى العلم، والذي دعا إلى أداء الشهادة بالحق منادياً في الناس: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} (البقرة 283)·

 ذلك كله فإن مناقشة كثير من الكتاب لآراء المجتهدين والعلماء تكشف عن تصورات فاسدة عديدة لمعنى "المشيئة الإلهية" وعلاقتها بــ "القوانين والنواميس" المودعة في الخلق وفي الطبيعة·· فبعض هؤلاء يتصور المشيئة الإلهية تحكماً مباشراً لا تحكمه علل ولا مقاصد مرددين - في غير فهم صحيح - أن كل ما يجرى في عالم الطبيعة وعالم الإنسان، إنما هو أمر مباشر للمشيئة الإلهية يقع - كما يقولون - بين الكاف والنون - في أمره تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس 82)·

ونسي هؤلاء، كما نسي أكثر العامة، أن علم الله تعالى وقدرته يمتزجان بعدله ورحمته·· وأنه سبحانه لا يعاملنا بالكاف والنون، وإنما يحاسبنا على ما كسبناه بأفعالنا، أحراراً "مختارين"، معلناً على الأمة منذ بدء الوحي {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم 39) ومعلما المؤمنين به أن هذا الكون - طبيعة وناسا - محكوم بقوانين ونواميس وسنن {فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا} (فاطر 43)··

الجهل بما لا يضر 

ألا ليت هذه الضجة التي ثارت حول كتاب "أبي آدم" - كما ثارت من قبل حول كتب أخرى غير قليلة - أن تكون مناسبة لتصحيح التصور السائد عن ثوابت الإسلام في عقيدته وشريعته··· ولتصحيح منهج الذين يتصورون أن خوفهم على الإسلام يبرر لهم أن يكونوا وصاة على عقول الناس وحكاماً على نواياهم وبواعثهم، وسيوفاً مسلطة تفرق بين الزوج وزوجه· وليتها تكون - كذلك - حافزاً لإعادة العقل إلى عرشه في مجتمعات العرب والمسلمين، وسبيلاً إلى استرداد الحرية لمكانها "العلى" بين فرائض الإسلام وقيمه العليا·· فالحضارات - قديماً وحديثاً - لا يبنيها إلا الأحرار وأصحاب الرؤوس المرفوعة، والقلوب المطمئنة، والجوارح التي تعمرها الثقة، ويملؤها العدل وتزينها الرحمة·

وما لم يتم هذا الإصلاح المنهجي للعقل المسلم المعاصر فإن الحديث عن دور رائد يؤديه المسلمون مع شعوب الدنيا في مطلع القرن الجديد يغدو أحلاماً لا تقوم إلا على أوهام·

وليت هذه الضجة حول قضية غيبية - لا يترتب عليها عمل - أن تكون فاتحة لأعين الباحثين في علوم الإسلام والمشتغلين بهموم المسلمين كي يصححوا رؤيتهم للأولويات، فيجعلوا الاشتغال بالهموم الحقيقية للأمة - وما أكثرها وأخطرها - مقدماً على الاشتغال بقضايا نظرية مقطوعة الصلة بتلك الهموم، الجهل بها لا يضر، والعلم بها لا ينفع، ولكنها تصرف الأمة - عامتها وعلماءها - عن ممارسة الجهاد الحقيقي استنفاذاً لها من التفرق والتشرذم، واستخلاصاً لعقلها من الحيرة والضياع، ولواقعها السياسي والثقافي من مخاطر الجمود على الموجود، أو الوقوع في مزالق الانقياد والتبعية للآخرين·

* الكتب وجهات نظر - العدد السابع أغسطس 1999

** وزير الاعلام المصري الأسبق

طباعة