يتوقع خبراء كثيرون مستقبلا مظلما للنفط في القرن المقبل، ومردّ هذا التوقع هو الخوف المتعاظم من الآثار البيئية السيئة للوقود الأحفوري وإلى التطورات التكنولوجية المتسارعة في حقل تكنولوجيا الطاقة التي تتجه إلى إنتاج وقود عديم الكربون أو تقليله على الأقل·
ويبني بعض هؤلاء توقعاتهم على حقيقة تاريخية مفادها أن العالم كان يتنقل باستمرار من مصدر للطاقة عظيم الانبعاثات الكربونية إلي مصدر جديد أقل انبعاثات، فالإنسان انتقل من الحطب ذي الانبعاثات العالية إلى الفحم الحجري ذي الانبعاثات الأدنى، ثم انتقل "جزئيا" من الفحم الحجري إلى النفط ومن هذا الأخير "جزئيا" من الفحم الحجري إلي النفط ومن هذا الأخير "جزئيا أيضا" إلى الغاز الطبيعي، فهل يأتي يوم يستغني العالم فيه عن النفط؟ هذا التقرير الذي نشرته "نيويورك تايمز" يوم الأحد الماضي يوضح جوانب هذه المسألة، وفي ما يلي نصه:
مع ازدياد التركيزات الجوية لثاني أوكسيد الكربون التي يقول العلماء إنها تحدث التسخين العالمي، والسبب هو توسع أعداد السكان والاقتصاد عالميا، يبتعد نظام الطاقة العالمي عن الوقود الأحفوري الذي ينتج هذا الغاز·
ويقول الخبراء إن مستويات ثاني أوكسيد الكربون ربما تصبح في نهاية القرن المقبل ضعف المستويات المسجلة في المرحلة ما قبل الصناعية، لكنهم يقولون أيضا إن هذه المستويات قد ترتفع أكبر إلاّ إذا حدث تحول نحو الوقود ذي الكربون الأقل على نحو ما كان يحدث منذ 100 سنة من دون أن تلحظه غير قلة صغيرة من اختصاصيي الطاقة ·
ويقول هؤلاء الآن إن القضية تكمن في ما إذا كان يمكن هذا الاتجاه أن يتسارع بما يكفي لوقف أو لتلطيف ما يعتقده العلماء تسخينا مناخيا عالميا مزلزلا·
فمنذ نحو قرن ونصف القرن استعاض الناس تدريجيا عن الوقود ذي المقادير الكربونية الكبيرة بوقود ذي محتويات كربونية أقل، وفي البدء كان الحطب ذو المحتوى الكربون العالي، ثم حَجَبه في نهاية القرن التاسع عشر الفحم الحجري ذو المحتوى الكربوني الأقل، ثم جاء النفط ذو المحتوى الكربوني الأدنى فأزاح الفحم الحجري عن كونه المصدر الأول للطاقة في ستينات القرن العشرين·
والآن يقول المحللون إن الغاز الطبيعي، ذا المحتوى الكربوني الأدنى من النفط ربما دخل أيام عزّه، وإن الهيدروجين الذي يوفر وقودا بلا أي ناتج كربوني، ربما يبزغ فجره عما قريب·
ونتيجة ذلك، حسب ما يقدّر الخبراء، يحرق الاقتصاد العالمي من الكربون بالنسبة إلى وحدة الطاقة أقل بثلثي ما كان يحرق في الستينات، وهم يقولون إنه في الولايات المتحدة أدى الاتجاه نحو الوقود القليل المحتوى الكربوني، مصحوبا بكفاية أعظم في انتاج الطاقة، إلى خفض مقدار الانبعاثات الكربونية في الجو منذ عام 1950 بنحو النصف بالنسبة إلى كل وحدة إنتاجية اقتصادية·
لكن بسبب بقاء النمو السكاني والنمو الاقتصادي سريعين جدا عبر العقود، ارتفعت التركيزات الجوية العامة لثاني أوكسيد الكربون باستمرار إلى حد أن هذه التركيزات ستتضاعف بحلول السنة 2100·
ويقول العلماء إن هذه المقادير المرتفعة لتركيزات ثاني أوكسيد الكربون قد تؤدي إلى تسخين جو الأرض مما يراوح بين ثلاث وخمس درجات مئوية على مقياس فهرنهايت "غير المئوي" وهذا ما يعتبر مساويا للتسخين الذي شهدته الأرض منذ أيام العصر الجليدي الأخير الذي يرقى من 18 ألف إلى عشرين ألف سنة· ومثل هذا التغيّر يمكن أن ينطوي على عواقب واسعة النطاق بالنسبة إلى المناخ والحياة البشرية·
ويلتقي الآن ممثلو 150 حكومة في بون في آخر جولة للمحادثات الدولية بشأن التدابير الرامية إلى خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون·
يقول المحللون في داخل الصناعة وخارجها إن ربع القرن المقبل "الـ 25 سنة المقبلة" تحمل ملامح مرحلة من الانضاج التكنولوجي والاقتصادي الذي يتيح فرصة تسريع الاتجاه نحو اقتصاد ذي وقود منخفض الكربون، وفي النهاية نحو اقتصاد معدوم الكربون·
يحاول مندوبو الدول المجتمعين في مدينة بون صوغ تفاصيل اتفاق أبرموه قبل سنتين في كيوتو (اليابان) ويمكنه تسريع هذا الاتجاه· وليس من المتوقع أن ينجزوا عملهم قبل سنة على الأقل، فاتفاق كيوتو ما زال يحتاج الى مصادقة عدد كاف من الدول·
وأيا كانت نتيجة ذلك، يرى الدكتور جيسي أوسوبل وهو خبير في الطاقة والمناخ لدى جامعة روكفلر في مدينة نيويورك أن "نزع كربون نظام الطاقة هو العمل الأعظم أهمية الذي يظهر بعد السنوات العشرين الأخيرة لتحليل "هذا النظام· ويتوقع أوسوبل أن ينتج هذا التطور نظاما طاقيا خاليا من الكربون بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين·
ومن الدلائل الحديثة عن هذا الاتجاه هناك ما يلي:
- إن الإدارة الفيدرالية لمعلومات الطاقة أعلنت في الأسبوع الماضي أن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في الولايات المتحدة ازدادت بمعدل 1,37 في المئة سنويا في عقد التسعينيات، وهذا لا يمثل غير نحو نصف نمو الإنتاج الصناعي بمعدل 2,6 في المئة· وهذا التفاوت هو دليل على أن الاقتصاد بدأ يتحرر من الاعتماد على الوقود الكربوني·
- إن الإدارة نفسها أعلنت الشهر الماضي أن الأمر نفسه ينطبق على الصين التي هي أكبر منتج ومستهلك للفحم الحجري في العالم، حيث أفيد أن إنتاج الفحم انخفض في الفترة الأخيرة· وقال تقرير للوكالة إن الصين تخلت عن الذي كان سائدا ومفاده "أن النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة متلازمان"·
- في ديسمبر، ستطرح شركة هوندا في الولايات المتحدة سيارة ذات كفاية عالية وانبعاثات منخفضة تعمل جزئيا بالبنزين وجزئيا بكهرباء تولدها بنفسها· ويقال إن هذه السيارة لا تستهلك غير غالون بنزين واحد كل 60 ميلا داخل المدينة، وغير غالون واحد لقطع 71 ميلا على الطريق السريعة وإن خزان الوقود يكفي لقطع مسافة تراوح بين 600 ميل و700 ميل·
وكانت شركة نيسان طرحت سيارة هجينة مماثلة في اليابان، ومثل هذه السيارات تعتبر بمثابة قوة دفع للاقتصاد المنزوع الكربون حسب ما يقول هول هارفي رئيس "مؤسسة الطاقة" وهي شريكة مع مؤسسات أخرى تعمل على تشجيع الاستهلاك الفعال للطاقة والعثور على مصادر للطاقة المتجددة·
وتخطط شركات أخرى لصناعة السيارات لصنع سيارات هجينة تعتبر على نطاق واسع بمثابة مرحلة انتقالية نشهد في نهايتها ظهور سيارات تسيرها خلايا الوقود الهيدروجيني الذي لا يصدر أي انبعاثات كربونية· فمن جهتها، تبنت شركة "جنرال موتورز" في خططها خلايا الوقود باعتبارها التكنولوجيا المفضلة لكن مع التوجه في البداية نحو السيارات الهجينة حسب ما قال جون وليامز رئيس فريق الشركة المكلف بقضايا المناخ العالمي·
وفيما تتطلع شركات السيارات نحو هذا المسار، تتطلع بعض كبريات شركات الطاقة العالمية نحو توفير الوقود المناسب، وقد استقطب الهيدروجين تحديدا أعظم اهتمام·
فحتى الفترة الأخيرة، "كان خيار الهيدروجين يعتبر خيارا بعيدا" حسب ما قال جيد ديفيس وهو مدير تنفيذي في شركة "شل انترناشونال" في لندن الذي يحلل مثل هذه القضايا لشركة "رويال داتش /شل" وهي إحدى أكبر شركات الطاقة العالمية· وأضاف: "الآن يبدو أن هذا الخيار صار أقرب، وربما نراه في العقد الآتي أو بعد عقدين، فمعظم شركات الطاقة وشركات السيارات تتطلع إليه بجدية" وقد أسست "شل" لنفسها شركة فرعية تعنى بالهيدروجين·
في المدى الأقرب، سيستعمل الهيدروجين في خلايا الوقود من أجل السيارات والشاحنات والمنشآت الصناعية على نحو ما يؤمن الآن الطاقة للمركبات الفضائية في المدار، لكنه في النهاية قد يوفر وقودا شاملا خاليا من الكربون·
لن يتغير نظام الطاقة العالمي بين ليلة وضحاها طبعا، إن كان هناك أي تغيير فيه الآن· فالمنتجات الجديدة يجب أولا أن تخضع لامتحان السوق· لكن بعض المحللين يقولون إن العقدين المقبلين سيشهدان ضغوطا غير عادية من أجل التغيير لأسباب بيئية كما لأسباب اقتصادية، وعندها تندفع الشركات الى المنافسة بدافع من حب البقاء والهيمنة في نظام الطاقة الجديد·