كتب المحرر السياسي:
خيّم الذعر على أجواء الكويت منذ غروب شمس يوم السبت الماضي إثر اندلاع اشتباكات بين أفراد من الجالية المصرية قدرت أعدادهم بالآلاف مع رجال الشرطة في منطقة "خيطان"، وما جعل هذه القضية تسبب ذعرا أنها انطوت على شغب غير مسبوق لم تعهده الحياة الكويتية من قبل حيث خرجت "خيطان" على النظام لمدة يومين، استصحب معه (الخروج على النظام) عمليات تخريب واسعة شملت حرق السيارات ونهب لبعض المحال التجارية وتدميرها، والأهم من الخسائر المادية، أن الحدث كان - في مجمله - تحدياً سافراً لهيبة الدولة·
ولن يكون من المجدي البحث في الأسباب الظاهرة التي أشعلت فتيل هذا التمرد الغوغائي، لأنه مهما كان السبب الظاهر وراء هذا الحدث فإنه يعتبر بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير"، فكما أنه لا يمكن أن يكون بمقدور "قشة" أن تحطم ظهر بعير، فأيضا لا يمكن أن نصدق - أو نروّج - أن "صحناً" كان وراء اشتعال هذا التمرد·· ما نريد أن نؤكده - بعيدا عن القشة والصحن - أن هناك أسبابا كثيرة وكبيرة اختمرت لسنوات طوال حتى وصلنا الى أحداث "خيطان" بكل نتائجها الخطرة المصاحبة·
ويقول قطب سياسي كويتي مخضرم: إن التعامل مع هذا الحدث الخطير يجب أن يشتمل على معالجة تتسم بالبحث العميق للأسباب الحقيقية · كما أن معالجة نتائج الحدث يجب أن تمارس على قدر عالٍ من المسؤولية·
ويؤكد "القطب المخضرم": "إن هذه الأحداث كانت متوقعة، فلطالما بُحّت أصوات المخلصين من أبناء البلد من التحذير بمخاطر اختلال التركيبة السكانية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ولكن ليس من مجيب! فلم تألُ الفصول التشريعية المتعاقبة في مجلس الأمة وكذلك الصحافة الكويتية جهداً في إطلاق مثل هذه التحذيرات منذ بداية السبعينيات، وفي المقابل كانت هناك "جماعات ضاغطة" تدفع باتجاه معاكس لتكرس هذا الوضع الخاطئ، من أجل أن تثرى على حساب الشعب الكويتي، من خلال الأداة الأكبر لهدم التركيبة السكانية المثلى وهي "تجارة الإقامات" حتى أصبحت الأموال التي تدرها تلك التجارة تضاهي أموال "التثمين" في السابق وعوائد عمولات الأسلحة حاليا· ونظرا لأن جميع القرارات - كانت وما زالت - بيد "السلطة"، فإنها استجابت لجماعات الضغط التي تتاجر بالإقامات وسدت أذنيها عن سماع أصوات المحذرين المخلصين، وليس مهماً بعد ذلك الانحياز الظالم - في حسابات السلطة - لتلك "الفئة الظالمة" أن تصبح مسائل الأمن والسيادة وهيبة الدولة في "مهب الريح"·
ويستطرد القطب المخضرم قائلا: "ومع ذلك فإن الغزو العراقي أتاح لنا فرصة ذهبية ونادرة لتعديل الخلل الذي أصاب تركيبة السكان في الكويت منذ عقود، إن ما أتاحه الغزو لنا هو شيء أشبه بالأحلام حيث كانت "الديرة فارغة" وكانت لدينا كل الأسباب والحجج المنطقية والأخلاقية والأمنية "لتعديل أوضاعنا وفق ما نشتهي"·
ويضيف القطب المخضرم - بحسرة بالغة -: "ولكن ما إن أنعم الله علينا بالتحرير حتى حصلت تلك "الفئة" - التي تضرب دائما مصلحة البلاد عرض الحائط ولا تسعى إلا إلى جمع الأموال بكل الطرق غير المشروعة - على آلاف من تأشيرات الدخول (فيزا) موقعة "على بياض" وباعتها في عدد من العواصم العربية والأجنبية، ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى تكدست جموع هائلة من مختلف الأقطار في الكويت بلا عمل ولا مأوى، وتفاقمت مرة أخرى مشكلة التركيبة السكانية والعمالة الوافدة و"تجارة الإقامات"، وحتى بعد عودة مجلس الأمة في أكتوبر 1992 حيث تباشر الناس خيراً بتقلد وزراء شعبيين لوزارة الشؤون، فإن هؤلاء سرعان ما أخذوا يراعون مصالحهم الانتخابية - وهي مصالح خاصة تعود عليهم وحدهم بالنفع - ويغلبونها على مصالح الدولة فـ "عادت حليمة الى عادتها القديمة"·
مسائل الأمن والسيادة وهيبة الدولة في "مهب الريح"·
ويستطرد القطب المخضرم قائلا: "ومع ذلك فإن الغزو العراقي أتاح لنا فرصة ذهبية ونادرة لتعديل الخلل الذي أصاب تركيبة السكان في الكويت منذ عقود، إن ما أتاحه الغزو لنا هو شيء أشبه بالأحلام حيث كانت "الديرة فارغة" وكانت لدينا كل الأسباب والحجج المنطقية والأخلاقية والأمنية "لتعديل أوضاعنا وفق ما نشتهي"·
ويضيف القطب المخضرم - بحسرة بالغة -: "ولكن ما إن أنعم الله علينا بالتحرير حتى حصلت تلك "الفئة" - التي تضرب دائما مصلحة البلاد عرض الحائط ولا تسعى إلا إلى جمع الأموال بكل الطرق غير المشروعة - على آلاف من تأشيرات الدخول (فيزا) موقعة "على بياض" وباعتها في عدد من العواصم العربية والأجنبية، ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى تكدست جموع هائلة من مختلف الأقطار في الكويت بلا عمل ولا مأوى، وتفاقمت مرة أخرى مشكلة التركيبة السكانية والعمالة الوافدة و"تجارة الإقامات"، وحتى بعد عودة مجلس الأمة في أكتوبر 1992 حيث تباشر الناس خيراً بتقلد وزراء شعبيين لوزارة الشؤون، فإن هؤلاء سرعان ما أخذوا يراعون مصالحهم الانتخابية - وهي مصالح خاصة تعود عليهم وحدهم بالنفع - ويغلبونها على مصالح الدولة فـ "عادت حليمة الى عادتها القديمة"·
وموضوع تجارة الإقامات يقود الى الحديث عن أسلوب معاملة غير الكويتيين من قبل بعض أصحاب الشركات التي تأخذ في حقيقتها صوراً عدة كالمماطلة والتهرب من دفع رواتب وأجور العمال وصعوبة حصولهم على حقوقهم والأهم من ذلك أنه ليس هناك جهة محددة يلجؤون إليها في سبيل الحصول على حقوقهم المهضومة، فكل جهة تلقي بالمسؤولية على غيرها وهكذا في سلسلة لا تنتهي من مسلسل التسيب والإهمال إضافة إلى المعاملة غير الحضارية التي تتعامل بها أجهزة وزارة الداخلية مع غير الكويتيين، فما زاد من توتر وتصعيد فتيل الأزمة هو التصرفات والإجراءات اللامسؤولة التي خرجت من بعض رجال وأجهزة الأمن في بداية نشوب القضية، كما أن من الأخطاء التي وقعت بها أجهزة وزارة الداخلية في تعاملها مع الحدث سماحها بتدخل بعض الشباب الكويتي المدني في الاشتباكات·
ويقول - القطب المخضرم - : إن من الأمور الغريبة التي تحدث عندنا أن نحاول تلميع سمعتنا في الخارج في مجال حقوق الإنسان ونصرف على ذلك الشيء الكثير ومساهماتنا المالية في المنظمات الدولية تفوق ما تقدمه دول كبرى، ونهدم ذلك كله بتصرفات ترتكبها شخصيات جشعة تتاجر بالناس وبالبلاد وتشوه سمعة الدولة· وما حوادث انتهاك حقوق خدم المنازل التي أظهرتها الصحافة العالمية واستخدمتها سلاحاً للإساءة إلى سمعة الكويت خارجياً إلا مثل صارخ على بعض التصرفات اللامسؤولة التي ستفقدنا أصدقاءنا الذين طالما ساندوا الحق الكويتي في أيام المحن والشدائد وفي وقت نحن في أمس الحاجة إلى كسب وتأييد أكبر رصيد من الأصدقاء ومن مختلف دول العالم، خصوصاً والكويت تمر في أكثر مراحل الحرج والتوتر السياسي، فأي تناقض هذا؟ والى أين نحن سائرون؟"·
ويقول القطب المخضرم: إن هذا ما يدفعنا - أكثر من أي وقت مضى - لبذل المزيد من الجهود لإشهار جمعية تعنى بحقوق الإنسان لمعالجة مثل هذه الظواهر السلبية لأن مثل هذه الظواهر تضر بسمعة الكويت وبمصالحها العليا·
ويضيف - القطب المخضرم - : إن الموضوع الآخر الذي لا يقل خطورة عن سابقه، هو نتائج أحداث "خيطان" وما ترتب عليها من عصيان وتمرد نالا من هيبة الدولة والقانون معا، وإن أخطر ما في الموضوع الآن هو أن تعالج نتائج تلك الأحداث بشعارات إنشائية فضفاضة، فمن حقنا كدولة أن نحاسب المخربين والمدمرين والمشاغبين والخارجين على القانون وفق القانون ومبادئ سيادة الدولة، فالكويت يجب أن تكون قد تعلمت من الغزو العراقي دروسا لا تمحى من الذاكرة وأول هذه الدروس وأهمها على الإطلاق هو عدم التفريط في مسائل الأمن والسيادة، إن الدبلوماسية مطلوبة في التعامل مع الأشقاء وغيرهم ولكن يجب أن نرسخ مفاهيم جديدة في التعامل غايتها أن مصلحة الدولة فوق كل اعتبار وأنه متى ما أضعنا هيبة الدولة فلن تكون هناك قيمة للإنسان ودولته·
من هنا، يقول القطب المخضرم - إن أية معالجة لأحداث "خيطان" تحاول أن تتعامى عن موضوعي "تجارة الإقامات" وزرع هيبة الدولة وتلغيهما من حسابات المعالجة الشاملة لن تجدي نفعا، ومتى ما تجاهلنا وضع إصبعنا على قاع الجرح الآن، فإننا سنفيق يوما على أحداث أخطر وأكبر بكثير من أحداث "خيطان" وستكون النتائج مدمرة لنا جميعا - سلطة وشعباً - وحينها لن ينفع الندم·
* * *
أرقام من "خيطان"
· أعمال الشغب أتلفت وحرقت 30 دورية شرطة، و14 سيارة (صالون) و13 باصاً كما أشعلت النيران في كل حاويات القمامة في المنطقة·
· الإصابات التي سجلتها وزارة الداخلية بلغت 75 حالة: 17 من قوات الأمن و58 من المشاغبين·
· يقدر عدد الإقامات الصالحة الممنوحة من الجهات الرسمية بمليون وثلاثمائة وخمسين ألفا وهو ضعف عدد السكان المواطنين·
· تقدر مساحة القطعتين 3 و4 في منطقة خيطان كيلومتر مربع واحد·
· ويقدر عدد قاطني هاتين القطعتين بـ 60 ألف فرد معظمهم من العزاب، ومن هذا الرقم هنالك 20 ألف فرد حاصلون على إقامة مشتراه وليس لديهم عقود عمل·
ويقدر عدد شاغلي الغرفة الواحدة بستة أفراد·
· تقول الأوساط المطلعة بأن هنالك خمسة من كبار "تجار الإقامات" تقدر كفالاتهم بالآلاف ويقدر دخلهم غير المشروع منها بالملايين· وبحسبة بسيطة فمن يكفل 5000 عامل ويقبض من كل عامل 500 دينار فإن دخله السنوي 2,5 مليون دينار·