كتب شاعر الكويت فهد العسكر قصيدة "هات الدواء وكحِّلي بصري" وهي واحدة من أروع ما كتب الشاعر، صور بها مضايقات المتزمتين لكل رأي يخالفهم، ومن المفارقات أن يتجدد هذا النهج في تسعينياتنا كما كان في أربعينيات عصر "العسكر"·· الملفت في الأمر أن الأديب عبد الله زكريا الأنصاري حينما أصدر الطبعة الأولى لديوان صديقه فهد العسكر في العام 1956 لم يضمّنها هذه القصيدة وحينما عثر عليها فيما بعد في الستينيات نشرها على صفحات "الطليعة"·
شاعرنا وضّاح استوحى أجواء قصيدة العسكر فكتب هذه القصيدة:
(يا ميُّ ناب السمعُ عن بصري
في الليلة السوداءِ من صَفَرِ)ü
فتدافعتْ سُحُبٌ بأخْيلتي
ورعوُدهنّ·· ولم يحِنْ مَطري!
فمشيتُ في ليلي ··· تُتَابعُني
تلك الذئابُ··· وتَقْتفي أثري
وعرائسُ الإلهامِ خَائفةٌ
قد حرّمت·· فَتَجَاهلتْ وتري
حتى دَنا ظلٌ فآنسها
يغشى الدجى بتلفّتٍ حَذِرِ
وعَصَاه تطرقُ باَب ذاكرتي
هو ذا البصيرُ ودونما بصرِ!
قد جاء في شوقٍ يسائلُني
عن أهله؟ وملاعب السَّمَرِ؟
ويقول: أقلامي بمِحْبَرتي
كم قيّدوها فانطوتْ صوَري
(فأرقتها كرها على جزعٍ
فوق الرمال وبتُّ في سقر)
هم حاكموني في منابرهم ْ
لم يقرؤوا سِفْري ولا فِكَري!
الجاهلون·· السادرون هوىً
العابثون بروضنا النضِرِ
ما أشبه الأيام·· باعثة
تلك الوجوه بكيدها الخطِرِ!
لو باغتتْ ريحٌ منازلَهمْ
تُبْدي الستائرُ ·· سوءةَ السُّررِ
يا ميّ لا تمْسي على دعةٍ
يا ميّ لا تُبْقي ولا تذري!!
لا تأمني لمواقدٍ هدأتْ
يُخفي الرمادُ ضغائن الشرر
(يا ميّ والأقْدارُ ساخرةٌ
منّا ولم نسْخَرْ ولم نثُر)
مالي أراكِ اليوم صامتةً
أَوَما رأيتِ مهازل القَدَر؟!
(مالي أرى جاري يكفرّني
ويقدِّمُ القربان للحجرِ)
ومشعوذٌ أمستْ تمائمُه
بين الأنام كأقدسِ السوّرِ
فلسوف "أبْرُدُ" "عودَهُ" زمناً
حتى يتوب ··· فينقضي وطَري!
* * *
"العسكرُ" المنبوذ مُغترباً
قد عاد من سَفَرٍ··· إلى سَفَرٍ
أطْرقْتُ في أفيائه خجِلاً
نخلٌ ينوء بأطيب الثمر
أيامُه الخُضْرُ استوتْ طرقاً
فخُذي بها··· بالشعْرِ ··· بالعِبَرِ
أو نادميه فكأْسُه فرُغتْ
بهجيرِنا ··· يا ميّ ·· واعتذري!!
_______________
* الأبيات بين الأقواس هي اقتباس من قصيدة فهد العسكر المذكورة·
وضّاح
wadhah@taleea.com