رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-24 رجب 1420هـ -27 أكتوبر 2 نوفمبر 1999
العدد 1400

ضوء

الوطن الذي يفتقده الشعراء!

 

ركان الصفدي

 

"1"

 

الشعراء العرب المعاصرون أكثر الناس إيرادا لكلمة "الوطن" ولا سيما في العقود الأخيرة من هذا القرن، وهي ظاهرة لافتة للانتباه، لأن تكرار كلمة وتداولها يعكسان شعورا جماعيا، فلهذه الكلمة جذورها العميقة وظلالها الوارفة، وهي لم تقفز من المعجم إلى الحياة قفزا عشوائيا وإنما جبلت بطين المعاناة ودم العذاب، لذلك غدت كلمة "الوطن" ذات قدسية خاصة، وذات إيحاءات نضالية لا متناهية، كما أن الوطنية شهادة حسن انتماء وسلوك، واللاوطنية خيانة وفساد·

وعلى الرغم من قدسية هذا "الوطن" فإن هناك من يحوّله إلى سلعة تباع وتشترى، وقطعة قماش تقطّع وتمزّق وتخاط وترتق، ولذلك فإن العرب أقدر الناس على تسويغ الخيانة "وقوننة" الفساد والتفريط بالوطن·

 

"2"

 

كان الشاعر الجاهلي يجول في كون لا تتعدى حدوده نهر الفرات أو جبال الشام، ولم يكن معنيا بما يدور خارج هذه الحدود، ولذلك كان الوطن بالنسبة إليه مربع القبيلة·· إنه وطن متحرك، ولم يكن يسميه وطنا!

أما الشاعر الأموي فقد أخذ يحس بهذا الوطن لأنه راح يبتعد عنه مع جيوش الفتح إلى أعماق آسيا وأفريقيا، فظهرت قصائد الحنين إلى أرض الوطن·· ولم يكن يسميها وطنا!

لم يعرف الشاعر العربي القديم الوطن لأنه لم يعرف الاستقرار إلا نادرا، ولأن هذا الوطن بلا حدود، وأنى تولّى فثمة وطنه·

 

"3"

 

لعل أول ظهور لمصطلح "الوطن" بالمفهوم الحديث كان في أواسط العصر العباسي، لأنّ الدولة العباسية أخذت تتفكك وانتشرت الدول الصغيرة على رقعتها، مما أوجد شيئا من الحدود، وإن لم تكن بفخامة حدود سايكس - بيكو، غير أنه ظلّ وطنا ملتبسا وغامضا، فمن وطن ابن الرومي الذي آلى ألا يبيعه ولم يكن سوى "بستان أو بيت" إلى وطن المتنبي الإشكالي الذي كان نابيا به، وكان أصغر من حلمه، فقال:

      غني عن الأوطان لا يستفزني

                  إلى بلد سافرت عنه إياب

وقد ربط المتنبي الوطن بالهوية القومية ولهذا أحسّ بالغربة حينما مرّ بشعب بوّان الجميل "غريب الوجه واليد واللسان" كما أن هذا الوطن عاجز وبائس لأنه "لاتفلح عرب ملوكها عجمُ"·· وهكذا نرى أن المدنية كانت تعزز الشعور بالمواطنة، زد على ذلك التهديدات الخارجية التي تجعل الإنسان يحسّ بكينونته الوطنية وما كان أكثرها في ذلك العصر·

 

"4"

 

هل نقول إن الإحساس بالوطن ينمو ويشتد حينما يهدد هذا الوطن؟ ولكن الوطن مرتبط أيضا بالسلم والحب والاستقرار، وهو ما جعل شاعرا مثل العكوّك يختار وطنا نفسيا عاطفيا حين قال:

      إن تتهمي فتهامة وطني

                  أو تنجدي إن الهوى نجدُ

الوطن، إذاً، ليس أرضا فحسب وإنما هو علاقات وانتماء وحب واستقرار·

 

"5"

 

أضرم مصطلح "الوطن" الاستعمار الغربي الذي انقض على الأرض العربية بشراهة وعنجهية، فتبلورت ملامحه وتجذرت معانيه·· وجاءت الثورات العربية الدامية لتعمده بالدم، فكان شعار الاستقلال رديفا للوطن وظلا لوجهه·· وكانت الأناشيد "الوطنية" أرجوحة الأحلام العربية·· لقد تحقق الوطن، وأنجزت صورته وإن ظلت مشوّهة متعبة·

 

"6"

 

من الطبيعي أن تصبح كلمة "وطن" قنديلا ساطعا معلقا بقصائد شعراء المقاومة الفلسطينية الذين حرموا من الوطن·· أصبحت أيقونة للنضال والإبداع حاول الكثير من أرستقراطيي الشعر الهزء بها والمساس بقدسيتها، ولكنها مع ذلك ظلت أوسع من آفاقهم المعلّبة، وأقدس من تلوثهم بفيروسات العولمة·

 

"7"

 

أ لأنّ الشعراء العرب المعاصرين يبحثون عن أوطانهم الآمنة الخالية من جنود الاحتلال وجنود الإرهاب وعسس الليالي المظلمة·· يغنون للوطن؟

أ لأننا بلا وطن حقيقي·· نكتب للوطن؟

أ لأننا لم نعرف بعد الوطن·· نكتب عن الوطن؟

أ لأننا نعيش في منافينا الخارجية والداخلية·· نصاب بالوطن؟

ستظل هذه الكلمة "الوطن" عالقة بحزننا·· حتى نصنع ذلك الوطن!

طباعة  

الهم السابع
 
الشعرية العربية في رابطة الأدباء
 
في ندوة أقيمت برابطة الأدباء
د. سعد البازعي: "الموسوعة العربية العالمية" مغامرة لابد منها

 
في ندوة مصرية - كويتية للقصة القصيرة في السفارة المصرية
العلي وسويلم وخلف وعبد القادر ينثرن هموم المرأة في عالم يواجه الموت والغربة

 
إصدارات
 
"الطليعة" تنشر قائمة للكتب الممنوعة في معرض الكتاب
تعسّف رقابي على الكتب... وقائمة الممنوعات في اطّراد

 
قائمة الكتب الممنوعة
 
فوضى الأطوار
 
نافذة
 
أجراس