كتب المحرر الثقافي:
على الرغم من التفاؤل الذي وافق إعادة تشكيل لجنة الرقابة على المطبوعات في وزارة الإعلام، بإدخال أسماء ذات سمعة ناصعة في مجال الإيمان بحرية الرأي والتعبير، إلا أن الأنباء التي بدأت تتسرب عن "منجزات" الرقابة لا تبشر بالخير، مما يهدد المناخ الثقافي في الكويت بالتلبد والاحتقان وهو ما لا يليق بإحدى واحات الحرية العربية القليلة ذات السمعة التاريخية في مجال الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والنشر· وهذا يجعلنا ندق ناقوس الخطر كي لا تقع حياتنا الثقافية - كما جرى في الفترة الأخيرة - فريسة للمزاجية والأحادية والظلامية·
قائمة الكتب الممنوعة··· تطول
وذكرت مصادر مطلعة أن قائمة الكتب التي تمنعها الرقابة استعدادا لمعرض الكتاب تطول يوما بعد يوم، وقد تجاوز العدد مئة كتاب منذ أسبوع على الأقل، وحصلت "الطليعة" على أسماء (43) كتابا منها وهي آخر قائمة حتى الأسبوع الماضي، ولنا أن ننتظر قائمة ستطول وتزداد بمرور الأيام تذكر بقائمة العام الماضي سيئة الذكر، مما يدل على أن "الحسابات" القديمة ما زالت هي هي، وأن وزارة الإعلام لم تتحرر بعد من التهديدات والأراجيف الأصولية المستقوية بذوي النفوذ في مفاصل أجهزة الدولة وهيئاتها ومؤسساتها· ولذلك فإن هناك سعيا محموما للوقوف في وجه أي كتاب لا تنطبق عليه مقاسات تلك القوى المتشنجة المتخلفة، ولا يمر من ثقب بابها الضيق·
تهديدات للرقيب!
وعلمت "الطليعة" أن هناك تهديدات شفوية من بعض المسؤولين أبلغ بها الرقباء لإرهابهم وتخويفهم، مفادها أن الرقيب سيتحمل المسؤولية القانونية بما فيها المسؤولية الجنائية فيما لو أحيل كتاب مجاز من الرقيب الى القضاء، وهي تعليمات خاضعة لضغوط تيار التشدد، مما دفع بلجنة الرقابة الى المبالغة في التشدد والتحرز لتقع نتيجة لذلك في مغالطات كثيرة وتخبطات مؤسفة·
شر البلية·· ما يضحك!
وعلي سبيل المثال، فقد بلغ من ذعر الرقيب من تلك التهديدات أنه حين أجاز كتاب "الهويات القاتلة" الصادر عن "دار النهار" بعد تردد وارتباك شديدين، رفع تقريره وقد وضع خطوطا تحت عبارات مثل "رب قائل" وغيرها، تحت ظن المساس بالذات الإلهية!! فإلى أي درجة من الخوف والضغط وصل إليها الرقيب حتى جعلته لا يميز بين "رُب" بضم الراء و"رَب" بفتح الراء، مع أنها مفهومة وواضحة من السياق··· وشر البلية ما يضحك!!
محاربة الفكر التنويري
وإذا نظرنا الى قائمة الكتب الممنوعة رأينا عجبا عجابا، ورأينا مزاجية الرقيب ماثلة بصورة فاقعة، وهي مزاجية خاضعة لمزاجية قوى الضغط الرجعية، فإن معظم الكتب الممنوعة صادرة عن "دار الفارابي" و"دار المدى" و"دار الكنوز الأدبية" وغيرها، وهي دور ذات صيت وشهرة، غير أنها دور نشر تقدمية، وهذا سبب كاف لوضع منشوراتها ضمن القائمة السوداء· والغريب أن معظم تلك الكتب الممنوعة في هذه الدور هي من أشهر الكتب الصادرة حديثا، والأوسع انتشارا بين القراء العرب، والكثير منها متداول في المكتبات الكويتية، فما مسوغ هذا التشدد؟! لا تفسير لذلك إلا أن هناك توجها حقيقيا ومبرمجا لمحاربة الفكر التنويري التقدمي لتخلو الساحة لكتب الطبخ والجن والعفاريت!
تعسف رقابي
وبلغ تشدد لجنة الرقابة حد التعسف الشديد، ولندلل على ذلك نسوق هذا المثال: منعت اللجنة كتاب "عمان" للدكتور حسين عبيد غانم غباش الصادر عن "دار الفارابي"، في حين أنه في طبعته عن "دار الجديد" كان مجازا ومسموحا وهو لم يتغير فيه شيء، وقد فسح في وزارة الإعلام في عام 1998 تحت رقم 103/98، فعلى أي أساس ومعيار يمنع هذا الكتاب غير مزاج الرقيب، وأين مصداقية لجنة الرقابة في معاييرها ومقاييسها؟ أما إذا كان المقصود هو الدار، لأنها تقدمية، فإن ذلك دليل ساطع على تقصّد دور النشر التقدمية ومنع الفكر التنويري، تلبية لضغوط الظلاميين الذين لم ينحسر نفوذهم في وزارة الإعلام على ما يبدو·
وإذا كان الأمر كذلك، خاضعا لهذه المزاجية والاعتباطية، فإن أي تفسير خطأ أو قراءة خطأ أو ظن خطأ من الرقيب (ومن وراءه) مدعاة لمنع أي كتاب، وهذا أوج التعسف·
دعاية مجانية
نعتقد أنه آن الأوان للدخول في عصر المعلومات والاتصالات، والخروج من كهوف العصور الوسطى، إذ إن الرقابة على الفكر وعلى الكتب أصبحت من مخلفات الماضي عمليا، ولاسيما أن منع كتاب هو دعاية إعلامية قوية له· كما أن اتساع رقعة الممنوع في أي مجتمع هو اتساع للوقوع في الممنوع، "أشهى الى المرء من دنياه ما منعا"، ولا يمكن أن يسود لون واحد في أي مجتمع مهما أوتي من المال والقوة!