كتب محرر الشؤون السياسية:
مع عودة مجلس الأمة للانعقاد تعود الدماء لتجري في عروق الحياة السياسية في البلاد بعد عطلة الصيف والتجمد الذي أصاب الكثير من القرارات والمبادرات الحكومية التي شابها التردد بينما أصيب البعض الآخر بالسكتة القلبية، مما أعاد ولو جزئيا بعض الأمل في تبديد جو الإحباط الذي عانت منه البلاد طيلة السنوات الماضية· ومع أن خطاب رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي بمناسبة افتتاح دور الانعقاد قد عكس بشكل عام جو الأمل لدى المواطنين والنواب بالتعاون المثمر مع السلطة التنفيذية لحل وإنجاز القضايا المتراكمة على مستوى حل مشاكل المواطنين ومعالجة الأوضاع الاقتصادية الراكدة إلا أن مفهوم التعاون لدى الكتل النيابية المختلفة وموقف الحكومة يتباين من القضايا المطروحة مما يعني أن الأمر ليس بهذه البساطة· خاصة وأن الخطاب الأميري العائم والذي لا يفصّل طرقا واضحة لمعالجة القضايا المطروحة لا يساعد على جلاء الرؤية·
ويقول المراقبون السياسيون، إن الموضوع الأساسي الذي سيكون اختبارا لتعاون الحكومة والمجلس هو موضوع المراسيم التي صدرت في الفترة ما بين حل مجلس 96 وانتخابات المجلس الجديد· ويتركز النظر في حقيقة الأمر على مرسوم واحد هو مرسوم الحقوق السياسية للمرأة ويفسرون ذلك بأن المراسيم التي صدرت انقسمت الى ثلاثة أقسام:
الأول : المراسيم التي عالجت احتياجات مالية لم تنتظر الحكومة انعقاد المجلس المنتخب لعرضها عليه، وهذه عرضت على المجلس وناقشتها اللجنة المالية وأقرتها بأغلبية ووافق عليها المجلس بعد ذلك مع وجود كتلة معارضة واضحة تقول إن تلك المراسيم لا ينطبق عليها نص المادة 71 من الدستور والتي تقول "إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على ألا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية"· إذ لم "يحدث" شيء في فترة حل المجلس لاتخاذ تدابير "لا تحتمل التأخير" وكان يمكن أن تنتظر تلك المراسيم انعقاد المجلس المنتخب· ولذلك فهي غير دستورية، بينما رأت أغلبية المجلس غير ذلك·
والقسم الثاني من المراسيم التي صدرت أثناء فترة حل المجلس هي تلك التي عالجت أمورا مهمة تمس الاقتصاد مثل موضوع الاستثمار الأجنبي، أو الوفاء بالتزاماتنا الدولية مثل حماية حقوق الملكية الفكرية، وغيرها، وهناك أغلبية كبيرة في مجلس الأمة لرفضها لأنها كيفما وضعتها لا تقع في خانة المراسيم التي تأتي بعد حدوث ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، ولذلك يبقى فقط المرسوم الأميري بشأن تمكين المرأة من ممارسة حقوقها السياسية· الذي يتركز حوله الاهتمام·
فالمرسوم يشكل النقطة الأساسية التي يمكن أن يتم حولها اتفاق تعاون يمكن أن يدفع بزخم بالحركة السياسية في البلاد نحو تحقيق إنجازات مهمة على الأصعدة كافة أو أن يشكل نقطة تصادم وإفشال لأمل التعاون بين المجلس والحكومة لانتشال البلاد من الرمال السياسية والاقتصادية المتحركة والتي تغوص فيها· فماذا يميز مرسوم المرأة عن غيره من المراسيم؟·
ويفسر المراقبون السياسيون ذلك بأن مرسوم حقوق المرأة يختلف من حيث نوعيته والتغيرات الذي يحدثها في استقطاب القوى السياسية مما ينتج عنه إعادة تشكيل مواقف الكتل البرلمانية·
فالمؤيدون للمرسوم يقولون إن المرسوم ليس كغيره من المراسيم فوحده الذي جاء بمبادرة وتوجيه من الأمير للحكومة بإصداره، مما يعطيه مكانة خاصة ومميزة بين المراسيم·
والمرسوم جاء ليعمل مادة أساسية معطلة من الدستور التي تنص على المساواة بين الناس دون التمييز بسبب الجنس· وهي المادة (29) والتي تقول "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين"، فجاء ليحقق العدالة لنصف المجتمع الكويتي من النساء اللاتي سُلبت حقوقهن 40 عاما بسبب قانون الانتخاب غير الدستوري، وتعثرت جميع المبادرات النيابية الخيرة لتمكينهن من حقوقهن السياسية على مدى المجالس الماضية·
والمرسوم عندما صدر أثار ضجة عالمية واسعة ركزت الأنظار على الكويت وحظي بمباركة وتأييد دوليين واسعين ومن غير المعقول إسقاطه لما ستتأثر به سمعة البلاد ونظرة العالم لممثلي شعبها الذين سيصورون بأنهم متخلفون وأعداء لحقوق الإنسان·
أما المعارضون للمرسوم فينقسمون الى عدة أقسام فمنهم من يعارض معارضة مبدئية لحقوق المرأة السياسية· وأشدهم تعصبا هي أحزاب الإسلام السياسي المتمثلة في السلف الذين يرون في المرأة عورة وأن مكانها البيت، ثم الإخوان المسلمين الذين يقفون موقفا انتهازيا ويكيلون بمكيالين إذ يشتركون في الانتخابات والبرلمانات في الدول الأخرى بينما يراعون مصالحهم الانتخابية على حساب الحقوق الدستورية، وإلى جانبهم تأتي القوى التقليدية التي ينطلق نوابها من التزامهم بالتقاليد الاجتماعية في أوساطهم أو يراعون ذلك، ومن بين ذلك عدد من النواب من المحسوبين على الحكومة·
أما القسم الآخر من المعارضين للمرسوم بحقوق المرأة فهم المعارضون من منطلقات مبدئية والذين يخرق المرسوم من وجهة نظرهم نص المادة 71 من الدستور ولا يحقق أيا من شروطها، وأنه رغم إيمانهم بتمكين المرأة من حقوقها السياسية إلا أن المرسوم لا يمكن قبوله لأنه يشكل سابقة لكسر قاعدة رفض المراسيم من غير ذات الضرورة التي تحددها المادة 71 من الدستور مما يعني أن الموافقة عليها تفتح الباب أمام الحكومة لممارسة إصدار ما ترتأيه من مراسيم أثناء عطلة المجلس أو حله وإضفاء صفة الشرعية عليها، حتى لو كانت قوانين مناقضة للدستور مثل المادة 35 مكرر من قانون المطبوعات الخاصة بتعطيل الصحف إداريا والتي صدرت أثناء فترة حل مجلس 1985 والتي ما زالت الحكومة متشبثة بها رغم جميع الحجج والأدلة على سقوطها· ويلخص المعارضون على أساس دستوريبأنه إذا مر المرسوم فالأرجح أنه سيكون بمثابة رخصة للحكومة لكي تحكم من خارج الدستور·
ويضيفون أنه بوسع الحكومة أن تأتي بقانون جديد للمجلس ينطلق من المبادرة الأميرية بتمكين المرأة من حقوقها السياسية وسيحظى قطعا بالأغلبية لإقراره ودون الدخول في طريق نقض مواد الدستور·
وتستعرض أوساط المراقبين السياسيين وجهة النظر هذه في ضوء المعطيات السياسية على الساحة فتقول إن هناك رأيا قويا من بعض القوى التي دافعت تاريخيا عن الدستور وترى مع ذلك تأييد المرسوم، تقول: إنه رغم اعترافها بالشبهة الدستورية إلا أنها تقول إن حقوقه السياسية الدستورية المهدرة لنصف المجتمع لا يمكن أن تعامل في وزن مرسوم ميزانية عاجلة أو غير ذلك فهذا الأمر حدث تاريخي وذو مصلحة غالبة ليصحح المسار المناقض للدستور وعلى ذلك فترجيح الموافقة يغلب على ترجيح الإشكال الدستوري وتضيف نقطتين: الأولى، هي أن مسألة "السابقة"، قد حدثت بالفعل في المراسيم التي أقرت في دور الانعقاد الأول ولن يضيف إقرار مرسوم المرأة على ذلك شيئا، والثانية أنه في نهاية الأمر فإن الذي سيقرر مصير أي مرسوم يصدر أثناء حل المجلس أو فترة العطلة لن تكون السابقة بل ستكون القوة التصويتية في المجلس لأن القرار في النهاية للضرورة من عدمها قرار سياسي من حق المجلس أن يتخذه·
ثم تلفت النظر الى الصورة السياسية العامة في البلاد فتنبه الى أنه يجب أن لا يغيب عن البال أن هناك موقفا موحدا داخل النظام في هذه القضية، فالمبادرة أميرية والتوحد ورادها حتمي·
وتضيف، أنه في حالة سقوط المرسوم فمن السذاجة الاعتقاد أنه باستطاعة أحد تمرير قانون لحقوق المرأة بمساندة الحكومة·
بل إن كل الدلائل تشير الى أنه في حالة سقوط المرسوم فإن القوى النافذة في الحكومة لن تألوا جهدا لمحاصرة وإسقاط أي مبادرة نيابية لإقرار مشروع قانون يعطي المرأة حقوقها السياسية· وسيصبح الموقف هو أنه يجب أن لا تتحقق أي مكافأة أو جائزة لمن أسقط الرغبة الأميرية·
وتستطيع تلك القوى النافذة وبسهولة تحريك القوى الحكومية المحافظة للتحالف مع القوى المتخلفة والمتعصبة المعادية لحقوق المرأة كل لا يرى مثل هذا المشروع النور·
ويخلصون الى أن النتيجة ستكون كارثة وطنيا ودستوريا· ويستعرض المراقبون السياسيون احتمالات الموقف فيقولون إن هناك احتمالات عدة، أحدها، أن تفاجئ الحكومة الجميع ممن يجمعون الأسماء لمعارضة المرسوم وإسقاطه، فتمارس ضغوطها الناجعة في الوقت المناسب على النواب المحسوبين عليها لمنعهم من التصويت ضد المرسوم مما سيجعلهم يتبخرون من جلسة الاقتراع حيث سيكون بعضهم خارج البلاد أو في البر أو يدخلون المستشفى لأمراض تأتي في اللحظة المناسبة، مما سيقوض العدد المطلوب لرفض المرسوم وهو 33 صوتا·
والاحتمال الثاني هو أن تكون الحسابات في غير صالح الحكومة مما سيعرضها لضغط هائل لحماية "المبادرة الأميرية السامية" في الوقت الذي سيشكل احتمال سقوط المرسوم أيضا ضغطا في الوقت نفسه على القوى الدستورية المناهضة للمرسوم من حيث الشكل وليس الموضوع لأن هذه القوى ستوصم من جانب آخر بإسقاط الحقوق السياسية لنصف المجتمع الكويتي وإفشال إعمال أحد أهم نصوص الدستور وهو المادة (29)·
هذه الضغوط على الحكومة وعلى القوى الدستورية ربما تفتح المجال لتفاهم ما حول الوسيلة التي تنقذ الموقف لمصلحة الجميع ولمصلحة الكويت قبل وبعد ذلك·