شيكاغو: كأنهم عادوا مئة عام إلى الوراء· كأنهم أرادوا تخليد اللحظة، وربما إعادة كتابة التاريخ الأدبي للأمريكيين العرب من جديد· كأنهم عادوا في المكان وعادوا في الزمان لإطلاق الشرارة التي بدا أنها ذوت، والجذوة التي بدأ أنها أنها انطفأت· كأنهم عادوا ليؤكدوا لجبران خليل جبران وأمين الريحاني وإيليا أبي ماضي ورفاقهم من أعضاء الرابطة القلمية الكُثر، أن أدب الأمريكيين العرب لم يمت أبداً رغم سباته الطويل، الطويل، وأنهم لازالوا يكتبون الرواية والقصة القصيرة والشعر والنفد، وإن بلغة غير لغة الضاد·
أكثر من 30 كاتباً وشاعراً أمريكياً من أصل عربي توافدوا على هذه المدينة الكبيرة في الغرب الأوسط الأمريكي، التي تكتظ بالعرب (يقدر عددهم بأكثر من ربع مليون) القادمين من كل حدب وصوب عربي إلى العالم الجديد، ليخلّدوا من جديد لحظة ولادة حركة أدب عربي رفيع في الولايات المتحدة راهن كثيرون على أنها لحظة لن تحل، لحظة بعيدة بُعد العرب عن أمريكا أو أمريكا عن العرب·
من شاركوا في هذا المؤتمر، الذي أشرف على تنظيمه الصحفي الأمريكي الفلسطيني المقيم في شيكاغو، والعامل في صحفها ومحطات إذاعتها وتلفزيونها، رأي حنانيا، عدد من الكتاب الأمريكيين العرب الذين باتوا معروفين في الولايات المتحدة، بل وبعض أنحاء العالم العربي، وعدد من الكتاب والشعراء حديثي التجربة ممن لم يتجاوز بريق أسمائهم حدود ولاياتهم أو حتى جامعاتهم التي يدرّسون أو يدرسون فيها·
ومن الكتاب والشعراء المعروفين الذين شاركوا في المؤتمر الذي استغرف ثلاثة أيام (10 - 8 أكتوبر) الجاري: الشاعرة ألماز أبي نادر؛ الروائي شوقي "شو" دلال؛ الكاتبة والباحثة ناتالي هاندلج؛ الشاعر سام حمود؛ الكاتبة الصحفية لورين علي؛ الكاتبة سهير مجج؛ والكاتب والباحث مايكل سليمان· وغابت عن المؤتمر أسماء معروفة مثل الشاعرة نعومي شهاب ناي والروائية ديانا أبو جابر وكاتبة القصة القصيرة كاثرين عبدالباقي·
عقد المؤتمرون، الذين أملوا أن يكون مؤتمرهم الأول هذا بمثابة بداية لتنظيم حركة جديدة للكتاب الأمريكيين العرب المبدعين، عشر جلسات في أيام المؤتمر الثالثة، تركزت في غالبها على بحث المشاكل والتحديات التي تواجه الكتاب العرب في أمريكا وكيفية إيصال الصوت الأدبي العربي إلى "أطر التيار العام" للأدب الأمريكي، وإلى دور النشر والمجلات الأدبية الكبيرة المتخصصة· وعقدت الجلسات الرئيسية في المؤتمر تحت شعارات مثل التحديات التي تواجه الكاتب العربي الأمريكي "كتابة الرواية الأمريكية العربية"؛ فرص الكتابة لأمريكيين العرب في الصحفاة الأمريكية"؛ تحديات تواجه الأمريكيين العرب في نشر أعمالهم"·
الصحفي حنانيا، الذي ألف نفسه عدة أعمال أدبية وصحفية أبرزها "سعيد أنني أبدو كإرهابي: نشأتي كعربي في أمريكا"، لخص وضع أدب الأمريكيين العرب في الولايات المتحدة بأنه كما "السندريلا، التي يتم تجاهل جمالها من قبل شقيقاتها من أبيها رغم أنها أجمل منهن" ويضيف حنانيا، مواصلاً مقارنة أدب الأمريكيين العرب بسندريلا، أنه رغم "أن نهاية سندريلا كانت نهاية ناجحة، فإن حظنا ككتاب أمريكيين من أصل عربي ليس كحظ سندريلا، أو ليس كذلك حتى اللحظة على الأقل" ويزيد أن معضلة أدب الأمريكيين العرب هي، من جهة، أن أبرز كتابهم الأدبيين السابقين، مثل جبران خليل جبران، مازالوا "غير معروفين إلى حد كبير للقارئ الأمريكي على أنهم أمريكيون عرب، رغم أن كثيرين منهم قرأوا كتابه المشهور النبي· ومن جهة، فإن كتابهم المعاصرين المعروفين كعرب أمريكيين، مثل إدوارد سعيد ووليد الخالدي ورشيد الخالدي وغيرهم، لا يكتبون أدباً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كتباً سياسية وفكرية وأدبية، وهو ما يجعلهم غير مؤثرين في الساحات الأدبية الأمريكية"·
يقول حنانيا: "وعليه، فإن الأدب العربي الأمريكي الحقيقي مازال يراوح بين هذه النوعين من الكتابة، ومازال يصارع ربما من دون أمل، ويعاني من واقع أن أحداً لا ينتبه إليه ولا يعترف به ولا يقرأه"·
وفي حديثه عن مشكلة أخرى، أعرب الكثير من الكتاب الأمريكيين العرب عن اعتقادهم بأنها تمثل مشكلة "كبيرة" أمامهم، وهي مشكلة التمييز ضدهم "كعرب بسبب أسمائهم وبسبب المواضيع التي يطرحونها"· وأقر حنانيا أن التمييز "موجود"· وانتقد وسائل الإعلام الأمريكية واصفاً إياها أنها "متحيزة تاريخياً ضد العرب بشكل عام وضد أدب الأمريكيين العرب بشكل خاص"· وأردف أن "عدداً قليلاً من كتب الأمريكيين العرب تجد طريقها إلى الصحفات المغمورة في الصحف والمجلات المخصصة عادة لمراجعة الكتب الجديدة"·
واتفق الكثير من حضور مؤتمر شيكاغو من الكتاب الأمريكيين العرب، بل والمدعوين من غير العرب المتعاطفين مع قضاياهم، مثل الكاتب عضو الكونغرس الأمريكي السابق بول فيندلي مؤلف كتاب "تجرأوا على الحديث"، على قضية رئيسية وهي أن "التمييز موجود، ولكنه ليس عذراً مقبولاً لعدم الكتابة أو لعدم تحسين مستوى كتابتنا، أو لعدم الرد على ما يكتبه الآخرون ضدنا"·
لكن عدداً كبيراً من هؤلاء كذلك أكد أن التمييز "ليس السبب الرئيسي الذي يحول دون نشر أعمالنا الأدبية" وحثوا جمهرة الكتاب العرب الأمريكيين الحاضرين على السعي إلى تحسين أدائهم ومستوى كتابتهم·
الكاتبة والشاعرة الأمريكية العربية الجديدة ليزا سهير مجج، التي تعد أطروحة دكتوراه عن الأدب الأمريكي العربي في جامعة مشيغان، تعترف أن الكتاب الأمريكيين العرب يمرون "كما نمر نحن الأمريكيين العرب العاديون، بمرحلة مشكلة الهوية·· مشكلة من أنا؟ عربي أم أمريكي"· وتضيف "إننا نكتب وكأننا في غالب الأحيان نرى أن كلمتي أمريكي وعربي متناقضتان ولا تلتقيان"· وأردفت أن هناك "مشاكل كثيرة تعاني منها صورة العربي في أمريكا، مثل مشكلة وضع المرأة وانعدام الديمقراطية والإرهاب، وهي كلها مشاكل تعكس في صور نمطية يتم الترويج لها بشكل أوسع في أمريكا كي تصبج الصورة الممثلة للعربي، وبالتالي للأمريكي المتحدر من أصل عربي"· وقالت الشاعر ألماز أبي نادر، التي باتت من أكثر الكتاب الأمريكيين العرب المبدعين شهرة في العالم العربي حيث تمت كتابة أطروحتين أكاديميتين عنها وثالثة في الطريق، إنه في حين أن هناك "تمييزاً"، فإن "أبواب الدوائر الأدبية بدأت تفتح أمامنا" غير أنها حذرت من أن هذا الباب "يُفتح لبرهة قصيرة ثم سرعان ما يغلق"· وقالت إن "أدب الأمريكيين العرب يمر بمرحلة انتقالية"·
وفي ختام المؤتمر، يوم الأحد ، 10 أكتوبر، أصدر المؤتمرون ثلاثة قرارات سياسية رئيسية تتعلق بحرية الفكر والتعبير في العالم العربي، والتمييز في الولايات المتحدة حظيت بتأييد الأغلبية الساحقة· وأول هذه القرارات كان بمثابة دعوة إلى السلطة الفلسطينية "لوقف حملة قمع الصحفيين وإطلاق سراح المعتقلين منهم، والسماح بحرية التعبير"· والثاني، المتعلق بحرية الفكر والتعبير في لبنان، ناشد "حكومة لبنان عدم تقديم الفنان اللبناني الشعبي الذائع الصيت مارسيل خليفة إلى العدالة" لاتهامه بتهمة التجديف بسبب إحدى أغانيه التي هي أصلاً قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش· أما القرار الثالث فكان شجباً لمجلة "كومنتري" الأمريكي اليهودية ودعوة لمحرريها إلى "التبرؤ من مقال نشرته مؤخراً وحاول فيه كاتبه التشكيك في مصداقية وخلفية المثقف والأستاذ الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد" على خلفية كتابه الجديد عن سيرته الذاتية الذي صدر هذا الخريف·