· كان ساد يعتقد بعدم وجود نظام أخلاقي في الطبيعة، ولذلك لا ينبغي للأقوياء أن يشعروا بأن هناك ما يحول دون تنفيسهم عن عواطفهم على حساب الضعفاء
روبرت دارنتون
(1)
قبل عدة سنوات وقع نظر باحث حاد البصر على ملف مثير للاهتمام عن أزمة مرورية حدثت في القرن الثامن عشر· فكثيراً ما كان يسد شوارع باريس زحام المرور في ظلم "النظام القديم"، لأن العربات كانت تسير على أي من جانبي الطريق وتتكدس في مواجهات وتعجز عن الرجوع للخلف، بسبب ما وراءها من مركبات وصعبوة جعل الخيول تسير للوراء· وكانت نتيجة ذلك احتدام الغضب في الطرقات· وفي حادث سيىء بعينه وقع في ميدان "بلاس دي فيكتورا" سنة 1766، قفز نبيل غاضب من عربته، واستل سيفه، وأغمده في بطن الحصان المربوط في العربة التي كانت تعترض طريق عربته· وكان ذلك هو الماركيز دي ساد·
نحن الآن في سبيلنا لمعرفة ساد آخر، أقل جلالاً من الماركيز الفاسق فسقاً له مهابته الذي ما برح يفتن الخيال الأدبي منذ عصر بودلير· فها هو قد خرج من أضابير الأرشيف· وبعد سنوات عدة من التنقيب في المصادر الجديدة، نحن على استعداد لتقدير حجم الرجل· وهذا هو الهدف وراء كتابين صدرا حديثاً بين أولهما والآخر شهر واحد·
هذان الكتابان ينتميان إلى صنف أدبي يمكن أن تسميه السيرة السلبية· وهي تلك التي تروي قصة حياة على طريقة السيرة العادية، غير أنها تجعل البطل يبدو سيئاً؛ وهذا يخلق المشاكل· فأنت إذا قدمت بطلك على أنه يفتقر إلى فضائل البطل التقليدية وسماته، وتكشف قدميه المصنوعتين من الصلصال وتشوطهما من تحته، ربما يخرج قارئك من الركام ليسأل: "لماذا أزعجت نفسي بهذا الكتاب؟"·
وأفضل طريقة للتغلب على هذه المشكلة هي أن تصدم القارئ بعمل غير أخلاقي· فعليك باختيار الهدف الصحيح، ويفضل أن يكون شيئاً مبالغاً في قيمته أو منفوخاً، ثم أخرج ما بداخله بقوة· وقد أثبت ليتون ستراتشي في بادئ الأمر فاعلية هذه الطريقة بتحطيمه شخصيات العصر الفيكتوري في لوحات اسيرة التي نشرها سنة 1918، واستعارت ليليان روس هذه الطريقة لكي تبرز مساوئ هيمنجواي· منذ ذلك الحين أرهب توم وولف ليونادر برنشتاين؛ وداس جيفري ميسون بقديمه على قبر فرويد؛ والآن يتولى كاتبو السيرة أمر الماركيز المهيب·
إنهم يواجهون نسخة غريبة من مشكلة السلبية: فساد كان النقيض لكل ما هو محترم، وكان بمثابة الحليف لكل من هو في اليسار ويرغب في لعب تلك الرياضة الفرنسية المفضلة، وهي epater le bourgeois (اصدم الطبقة الوسطى)· كيف يتسنى للمرء أن يخرج البطل من الماركيز مع أنه هو نفسه كان معتاداً على ممارسة نفس اللعبة؟ وحل هذه المعضلة يمكن العثور عليه بين لف التاريخ الأدبي ودورانه، وهي قصة تستخق الدراسة في حد ذاتها لأنها تبين أن التاريخ والأدب يجري الجميع بينهما لشن هجوم على الاتجاهات الثقافية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الميراث السادي·
ظلت أعمال ساد سرية في بادىء الأمر· فقد كانت تطبع في أركان بروكسل المظلمة، وتباع "تحت الطاولة" في فرنسا، وتوزع "تحت العباءة" بين المعجبين، وتحبس في قطاع الجحيم" بالمكتبة الوطنية، وتخفى على "الرف الثاني" في المكتبات الخاصة، ويقرؤها الأولاد الأشقياء والثوار "بيد واحدة" (وزعم ريستيف دي لابريتون أن دانتون أثاره بقراءة "جوستين")، وظلت تلك الأعمال علي مسافة معقولة خارج القانون· وكان الحاجز القانوني يتلاءم مع الطبقة البورجوازية في القرن التاسع عشر، ذلك أن بها من الصدوع ما يكفي لوصول الكتب إلى الشخص المناسب ودن أن تقع في اليد الخطأ· وكان يتلاءم مع البوهيميين كذلك، إذ أزال حدود المجتمع البورجوازي، حيث أمكن الاستهزاء من كل المحظورات وكان عالم خيالي، مشحون بالطاقة الشهوانية، ينتظر من يستكشفه·
وضع سانت بوف، الذي رسم خريطة الساحة الأدبية في أربعينيات القرن التاسع عشر، ساد على خط مهم من خطوط التقسيم:
إني أجرؤ على الجزم دون خوف من التناقض بأنه ربما كان بايرون وساد (ومعذرة للربط بينهما) ربما كانا أعظم مصدرين للإلهام بالنسبة لكتابنا المحدثين، حيث أحدهما مرئي تماماً في العلن، والآخر سري - ولكنه ليس شديد السرية· وإذا كنت ترغب، وأنت تقرأ روائيين بعينهم ممن تروج أعمالهم الآن، في الوصول إلى قاع الصندوق، إلى السلالم السرية المؤدية إلى الخلوة، فلا تضيع ذلك المفتاح الأخير·
وقد وضع بودلير وفلوبير وويسمانس و"كتَّاب محدثون" غيرهم أنفسهم على الجانب السادي من هذا التقسيم؛ وفي سنة 1909 عرفه أبولينير على أنه الخط الذي يفصل القرن التاسع عشر عن القرن العشرين· وبعد أن حيا ساد باعتباره "أكثر الأرواح التي وجدت حرية"، أخرج الماركيز "المهيب" حديث العهد بالمهابة من الخزانة· وأعلن أولينير أن "الأفكار التي نضجت في جو (جحيم) مكتباتنا المشين نالت ما تستحقه من اعتراف، وذلك الرجل الذي بدا أنه لا يساوي شيئاً طوال القرن التاسع عشر بكامله يمكن أن يسود القرن العشرين سيادة مطلقة"·
وتحققت نبوءة أبولينير· فمن الواقعية إلى السريالية ومن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، أوحى ساد إلى حد ما بكل حركة من حركات الطليعة الفرسنية تقريباً· فكيف لم يلاحظ كاتبو السيرة ذلك؟ فبعد الحرب العالمية الأولى أخذت صناعة ساد تنمو وتتطور· إذا تلت الواحدة من طبعات رواياته الدراسية ــــ وكانت قاصرة في بادىء الأمر على المعالجين النفسيين والمتخصصين المسموح لهم بالوصل إلى الأقسام المحظورة من المكتبات ــــ الأخرى، وهو ما يرجع الفضل إليه بشكل خاص لجهود موريس هاينه· وبعد الحرب العالمية الثانية تدفقت المطبوعات: نسخ متعددة الأجزاء من أعماله، ومراسلاته، وأوراقه العائلية، تصاحبها في كل مرحلة سير ودراسات نقدية جديدة· وحيث إن اشعلة انتقلت من هاينه إلى جلبرت ليلى، وموريس ليفيه وجان جاك بوفير وآني لو برون، فقد كان يسيطر على العلم حاملو الشعلة· وأخيراً بلغ ذلك الحجم الضخم الذي جعل ساد نفسه يتخذ هيئة ــــ roquemonument "النصب التاريخي" وهو مؤلف الأعمال الكلاسيكية المعترف به·
لـــم تقف الـــدولة مــكتوفة الأيـــدي بينما أتــباع ســـاد يغـــمرون المكتبات· فــقـــد أدانت المحـــاكـــم الفــــرنسية ســــاد مــــن 1814؛ وأكــــدت على عدم مشروعيتها سنة 1957، عندما رفض المجلس التأديبي فــــي باريس شــــهــــادة بعض الأدباء البارزين ــــ وهم جان كوكتو وجورج باتاي وأندريه بريتون ــــ وحكمت على بوفير بدفع غرامة قدرها 120 ألف فرنك لنشره Journees des Sodome Les 120 "أيام سدوم" Philosophie dans le boudoir la "الفلسفة في المخدع" وla Nouvelle Justine "جوستين الجديدة"· غير أن التشريع الجديد فتح السوق أمام أعمال ساد في الستينيات· كما أن حلقة دراسية عقدت في ايكس أون بروفنس سنة 1966 وضعتها على رأس جدول أعمال الدرس العلمي· وقد بدأت في الظهور في قوائم مناهج الأدب· والتهمها الطلاب التهاماً· بعد أن فتحوا شهيتهم بقراءات باتاي وماركوز أو الحديث عن الجنس والثورة في أروقة نانتر·
ولكن ما إن خفت حدة صدمة مايو ويونيو 1968 حتى بدا ساد أقل ثارة· فبعد أن أقره رولان بارت وميشيل فوكو وجاك لاكان، أخذ يبدو نبياً لما بعد الحداثة وعنصراً أساسياً من عناصر معتقد فكري جديد· وفي سنة 1990 دخل "بيبليوتك دي لا بلياد" وهو ما يعد أعلى مراحل الاعتراف به· وفي مقدمة لطبعة بلياد من أعماله، بدا ميشيل ديلون محرجاً: ماذا كان يفعل فاسق مثل ساد في مكان لطيف كهذا؟ وكانت الإجابة واضحة: لقد وصل·
بطبيعة الحال كان هناك من يحطون من قدر ساد بدءاً من معاصريه، ممن لم يكن لديهم خبر يقولونه عن كتاباته المعلنة وكادوا لا يعرفون شيئاً عن أعماله المجهولة التي حُكم عليها فيما بعد بأنها "سادية" (دخل مصطلح "السادية" بمعنى الحصول على المتعة بالحاق الأذى بالآخرين المعجم لأول مرة سنة 1834)· غير أنه ما إن يطاح به من على قاعدة حتى يوضع على غيرها· والآن، وبعد الضربات الشديدة التي جاءت في صورة سيرتين صدرتا مؤخراً، نجده يترنح ترنحاً شديداً·
السيرة الأولى التي كتبتها فرانسين دي بليسيكس جراي هي أخف الاثنين وطأة· فهي لا تهاجم ساد هجوماً مباشراً، وإنما تلكزه من وسط القصة بطريقة تتيح مكاناً لبطل بديل: هي زوجته· وإن كانت الماركيزة لا تدعي أنها جليلة· فهي لم تكن جذابة ولا ذكية، بل لم تكن مثيرة للاهتمام· ولكنها وقفت إلى جانب زوجها· وفي الوقت الذي أمضى فيه نصف حياتهما الزوجية في السجن، حيث تدهورت حاله وشعر بالأسى على نفسه، جاهدت هي بإيثار كي توفر له حاجاته وتعمل على إخراجه من السجن· وفي نهاية الأمر عندما خرج وهو يمشي متثاقلاً سنة 1790، كان قد نالها ما يكفيها· وقد حصل هو على ما يستحقه، وهو مكان مختلف عليه في التاريخ الأدبي· بينما حصلت هي على ما أرادته، وهو الحرية وأن تكون مغمورة ــــ وطلاق لا خلاف عليه·
ويمثل الكتاب الثاني، وهو من تأليف لورنس بونجي، السيرة السلبية في أقصى صورها· فلا يجد بونجي شيئاً طيباً يقوله عن الشخصية التي يتناولها· وهو يقول إن ساد كان طفلاً مدللاً· وهو لم يكن يصلح كضابط في الجيش؛ وكان زوجاً فظاً؛ وكان كفيلسوف ينتحل آراء غيره؛ وكان كسجين منافقاً يرثى حاله؛ وكان كثوري يغير آراءه تبعاً للظروف؛ أما كشخصية من شخصيات التاريخ لأدبى فقد كان غلطة· ويضفي عداء بونجي التام والسافر لساد حيوية على قصته، رغم منعطفاتها وتفاصيلها الزائدة عن الحد· إنها عريضة اتهام أكثر منها سيرة؛ وهي بالنسبة للقارئ الذي يألف النسخة البطولية من القصة تحوى سحراً لا سبيل إلى مقاومته: ما هو الدليل الدامغ الذي سينجلي بعد ذلك؟ وما الدافع وراء الأمر كله؟
وبالنظر إلى السيرتين معاً نجد أنهما يقدمان رأياً جديداً، ليس عن ساد وحسب، بل عن الحالة الراهنة للدراسات الأدبية· فدى بليسيكس ويونجي ينظمان سردهما بنفس طريقة من سبقوهما: الطفولة، "العلاقات الغرامية" الإجرامية الخمسة سيئة السمعة، وسنوات السجن، والثورة، والشيخوخة في مستشفى شارينون للمجانين· غير أنهما يركزان على النساء في حاية سادية· إذ تركز دي بليسيكس جراي على زوجته، بينما يركز بونجي على أمه وزوجة أبيه·
تستهل دي بليسيكس جراي كتابها بسؤالين: "كيف يكون الحال لو كنت الماركيز دي ساد؟·· ومن المؤكد أنهما ليسا سؤالين أكاديميين، غير أن بليسيكس دي جراي لم تكن تعتزم وضع كتاب أكاديمي ولا تتظاهر بأنها تنتج بحثاً جديداً· كما أنها لا تقتحم أرضاً جديدة، ذلك أن الساديين أنتجوا مكتبة صغيرة من المقالات المطولة عن مدام دي ساد، وزواج دي ساد، والمرأة السادية· وذي بليسيكس جراى تروي قصتها بمهارة فائقة، محافظة على الإيقاع وعلى اهتمام القارئ طول واحد وثلاثين فصلاً من الدراما العائلية· وفي قاع ذلك كله تجد مثلث الحب والكراهية المكون من الماركيز والماركيزة والحماة مدام دي مونترويل·
وينطوي هذا التأويل على قدر من التفسير النفسي· فاتباعاً منها لمعلمها عميد الدراسات السادية، موريس ليفيه، ترجع دي بليسيكس جراي السادية إلى "عقدة أوديب السلبية"، وهي حالة خبيثة كان أو لمن شخصها في ساد هو الناقد الفرنسي بيير كلوسوفسكي سنة 1933· وحسبما يقوله كلوسوفسكي، فإن ساد كطفل كان لا يمكن أن يعمل من خلال التنافس الأوديبي المعتاد مع والده، لأنه كان يرى والده ضعيفاً، وأضحية يتقرب بها لـ "ذلك المعبود المزيف" أمه· وبمطابقته بأبيه، حول ساد شهوته ضد أمه، وما إن بدأ يكتب حتى عاقبها عقاباً لا آخر له في خيالات تعذيب الأم التي في رواياته·
من حسن الحظ أن دي بليسيكس جراي تتعامل مع عقل ساد الباطن بخفة· فهي تأخذنا على جناح السرعة إلى طفولته، موضحة كيف كان "عفناً مدللاً" من جانب سلسلة من الأمهات البديلات ــــ وهن جدته وعماته وخليلات أبيه ــــ بينما انسحبت أمه إلى أحد الأديرة وأبوه إلى شوارع باريس وصالوناتها بعد أن فشل في أن يكون دبلوماسياً· وبعد ثلاثة فصول سريعة نصل إلى الموضوع الرئيس للكتاب، وهو زواج ساد من رينيه بيلاجي دي مونترويل·
في ذلك الوقت كان ساد، الذي لم يبلغ الثالثة والعشرين بعد، قد نال شهرة كبيرة باعتباره شخصاً منغمساً في الملذات الحسية، بحيث لم يعدل له مثيل في الأرستقراطية الملكية التي كانت أسرته تنتمي إليها· وكانت أمه، سليلة عائلة كونديه الأميرية، هي الجانب الأفضل في نسبه· أما أبوه، وهو كونت من عائلة نبيلة إقطاعية قديمة من عائلات البروفانس، فقد انشغل بالجري وراء الثروة· وكان أصهاره بمثابة تلك الثروة· وبما أن عائلة مونترويل قد رتقت حديثاً إلى مرتبة النبالة، وكانت على قدر كبير من الثراء، فقد أرادت أن تزوج أبناءها وبناتها من عائلات كبيرة· وكانت ابنتهم الكبرى رينيه بيلاجي لا تتمتع بأي جمال، وكانت تجيد تقطيع الأخشاب، كما اتضح ذات شتاء قارس في ضيعة ساد في البروفانس، ولم تكن تجيد أي شيء آخر· إلا أن أمها عوضت ما كان ينقصها، إذ كانت على قدر ملحوظ من الفطنة والانشغال بأمور الدنيا·
في بادئ الأمر فتنت مدام دي مونترويل بصهرها الوسيم الفاسق· وعندما ألقي القبض عليه، بعد خمسة شهور من زفافه، بسبب عربدة وخشية مع إحدى العاهرات (فضيحة جين تستار)، استغلت صلات زوجها بالشرطة والمحاكم لإخراج ساد من السجن؛ ورحبت به مرة أخرى في ضيعتها في نورماندي· وتتوقع دي بليسيكس أنه ربما لمس ساد وتراً جنسياً كان قد ظل كامناً فيها خلال السنوات الأخيرة من زواجها من رجل سلبي ممل· وربما حصلت على بعض الإثارة النظارية باتباع سلوك ساد المشين، واستمتعت كحديثة عهد بالنعمة بالقيام بدور الأم البديلة لشخص متحمس ممن يجري الدم الأزق في عرقوهم· ومهما كان حال عقل مدام دي مونترويل الباطن، فقد أقنعت نفسها طوال خمس سنوات بأن صهرها كان منغمساً وحسب في فجور الشباب المعروف عند كبار الأرستقراطيين، في حين كانت لها شهرة كبيرة في عالم العاهرات في باريس، حيث كان عنيفاً في ضربهن بالسياط واتيانهن من الخلف، مما جعله يسجل في ملفات الشرطة على أنه خطر داهم على العاهرات·
في عيد الفصح سنة 1768 أغرى ساد شحاذة صغيرة اسمها روز كيلر بالذهاب إلى منزل خاص كان قد استأجره لعربدته في ضواحي باريس· وبعد ذلك حبسها في إحدى الغرف وهددها بالقتل، وخلع ملابسها، وقيدها في سرير ووجهها لأسفل وضربها بلا شفقة بالسوط بينما كان يصيح بالفحش من القول· وطبقاً لبعض الروايات الخاصة بهذا الحادث (فضيحة أركويل)، ومن بينها رواية بونجي، شق ساد ظهر ضحينة بسكين وصب الشمع الحار في الجروح· إلا أنه عندما غادر الغرفة هربت هي؛ وذاعت القصة، حيث أثارت من الغضب ما جعل ساد يتعرض لخطر إدانته في المحاكم الجنائية· ومرة أخرى تدخلت مدام مونترويل، وكان تدخلها في تلك المرة بإرسالها Lettre de cachet أو أمر ملكي، من أجل اعتقاله في أحد سجون الملك· وكانت العائلات الأرستقراطية كثيراً ما تسخدم هذه الوسيلة حماية لاسمها بإبعاد أبنائها العصاة عن النظام القضائي العادي· وأمضى ساد سبعة أشهر فقط في السجن قبل أن يفرج عنه ويعود إلى ضياعه في البروفانس ويستأنف سلوكه الجنسي الطائش·
في الحادث الثالث باسم "فضيحة مارسيليا"، وهي التي أقنعت مدام دي مونترويل في نهاية الأمر بأن صهرها كان مسخاً أخلاقياً· وبعد أن فشل ساد في العودة من جديد إلى جادة الصواب، انزوى في حصنه الذي يعود إلى العصور الوسطى في لاكوست بالبروفانس مع رينيه بيلاجي وأختها، المتدينة ابنة التاسعة عشرة التي هتك عرضها على الفور· وفي سنة 1772 قام هو وخادمه لاتور بحملة "صيد" في مواخير مارسيليا· وهناك استأجر أربع عاهرات، وبعد ضرب متبادل بالسياط جعل لاتور يطأه أمامهن· كما أنه دفعهن إلى تناول جرعة زائدة من الذباب الهندي على أنها حلوى، غير أنها أحدثت ألماً شديداً في المعدة جعلهن يعتقدن أن السم دس لهن وشكونه للشرطة· انتشرت الشائعات عن تلك العربدة الشيطانية غريبة الشكل· وفر ساد إلى إيطاليا يصحبه لاتور والمتدينة· وأصدر برلمان ايك أون بروفانس ضده حكماً غيابياً بالإعدام ثم أطيح برأسه صورياً وأحرق لارتكابه جرائم اللواط والتسميم·
وكان في نظر حماته متهماً كذلك بغشيان المحارم· وهنا تحولت مدام دي مونترويل من مدافعه إلى مدعية·وقد طاردت ساد مطاردة عنيفة، كأنه روح من الأرواح المنتقمة، كما أثارت الشرطة عليه واستغلت كل اتصالاتها بين السلطة الفرنسية والأجنبية كي تدخله السجن· وبعد سلسلة من الكمائن للإيقاع به وتمكنه من الهروب، جعلتهم في آخر الأمر يسجنونه في فنسان ثم في الباستيل، وكان ذلك يتم دوماً بأمر ملكي، بغرض تقليل الضرر الواقع على سمعة العائلة·
ماذا فعلت رينيه بيلاجي في هذا كله؟ كانت بريئة وجاهلة في بادئ الأمر، ولكنها اكتسبت في النهاية القدر الكبير من المعرفة الشهوانية مما جعلها تصبح شريكة في جرائم ساد· فحسبما تقوله دي بليسيكس جراي، كانت هي الأخرى تثيرها طاقته الشيطانية جنسياً· وتبادلت رينيه بيلاجي الأدوار مع أمها، إذ قامت بمهام الأم والترتيبات المنزلية في لاكوست، حيث مارس ساد آخر عربدته في الفترة من 1773 إلى 1777 ولم يعاقب على أي من جرائمه في تلك المفترة، رغم شهرته كخارج على القانون، وذلك لأنه كان لايزال يحكم ريف البروفانس باعتباره صورة في غير زمانها من بارون العصور الوسطى· وكان الجسر المتحرك الذي على مدخل لاكوست يرفع عند حلول الظلام، مما كان يحبس الخدم والضيوف في عالم من الرعب الغوطى، من ذلك النوع الذي كان قد أخذ يظهر في الروايات وداعب الخيال الأوروبي في المئة سنة التالية·
أما ساد فخلق هذا العالم في يالواقع، وتعاونت معه زوجته في ذلك، حيث استأجرت "سكرتيراً" صبياً وخمس فتيات صغيرات ليتولوا شؤون البيت ــــ وهذا معناه في واقع الأمر أن يكونوا عبيداً جنسيين· ويظل ما كان يحدث في الغرفة الداخلية السرية في القصر (فضيحة الفتيات الصغيرات) لغزاً، لأن مدام دي مونترويل دمرت أشياءها الخاصة فيما بعد· وربما كان من بينها أدوات مشينة وأدوات تعذيب من ذلك النوع الذي كان ساد يستعمله أركويل والمنزل الخاص الآخر اللذين جهزهما لعربدته· وعلى أي الأحوال فقد كان لابد في نهاية الأمر من إرسال الأطفال لتلقي العلاج الطبي أو حبسهم لكي لا يتكلموا·
وتولت رينيه بيلاجي التخلص من آثار الجرائم· بل إنها رتبت أمر "الخادمة" نانو، التي كانت قد ساعدت في تجنيد الأطفال، كي تودع السجن بتهمة السرقة الملفقة· وبعد ثمانية عشر شهراً استأجر ساد حريماً آخر· غير أنه عندما عرفت العاملات الجديدات ماهية الخدمات المطلوبة منهن هربن جميعاً عدا فتاة أسمتها عائلة ساد جوستين· وحاول أبوها إنقاذها، حيث تحدى الماركيز في عقر داره وأطلق عليه النار من مسدسه، غير أن الرصاص أخطأه وهرب هو لينشر موجة جديدة من الشائعات عن الجريمة في غرف التعذيب السرية (فضيحة كاترين ترييه)·
وبعد عدة سنوات تلقى ساد رسالة من مدام دي مونترويل تخبره أن أمه كانت تحتضر· وأسرع ساد ورينيه بيلاجي بالسفر إلى باريس تصحبهما "جوستين"· وربما كان يريد أن يتفاوض على عفو من أمه وهي على فراش الموت وعلى مصالحة مع حماته· غير أن رجال الشرطة تعقبوه بمجرد وصوله، حيث اعتقد أن مدام دي مونترويل الغادرة عبأتهم ضده؛ وفي 13 فبراير 1777 وضعوه في سجن فنسان· وبخلاف فترة قصيرة في صيف 1778 أمضى ساد الثلاث عشرة سنة التالية في السجن، حيث كان يلعن حماته ويطلب العفو من ابنتها·
وتمثل السنوات التي أمضاها ساد في السجن، وهي التي وثقتها مراسلاته، أجمل الفصول في سيرة دي بليسيكس· فهي تبين كيف تعايش مع محبسه بتنفيس غضبه في مدام دي مونترويل، وباختراعه أكثر وسائل تعذيبها براعة في خياله، لينقل في النهاية خيالاته إلى رواياته· وعندما كان رينيه بيلاجي تتسلم رسائله كانت لا تجد أنها مأمورة بأن تكره أمها وحسب، بل كان يأمرها كذلك بالقيام ببعض الأعباء· كان ساد يصرخ قائلاً: أحضري طعاماً! ــــ ولم يكن طعاماً عادياً، ولكن أفخر أنواع الطعام اللذيذ في باريس: "سمان ملفوف بورق العنب، قدور من نخارع البقر، باتيه السالمون الطازج، الكرنب الصغير المشوي، فطائر"· وعندما كانت الأصناف لا ترضي ذوق ساد، كان يرسل ربته خفيفة على ظهر اليد قائلاً: "بسكويت سافوي ليس ما طلبته على الإطلاق: كنت أريده أن يكون مغطى بكامله بالكريمة، من أعلاه ومن أسفله"· وأحياناً يكون صفعة على الوجه: "ليأتيني رد على ما أطلبه في هذه الرسالة، إن كنت قادرة عليه، حتى يمكنني أن أقول ولو مرة واحدة أنك كنت تصلحين لشيء أثناء سجني"·
كان يطلب كذلك ملابس مبهرجة على أحدث طراز: "أرسلي لي ردنوجوت صغيراً لونه خوخي، مع صديري وبنطلون من التويد، على أن يكون القماش خفيفاً وألا يكون بشكل خاص من التيل؛ وبالنسبة للبدلة الأخرى، ليكون لونها طين باريس مع قليل من التطريز الفضي، على ألا يكون بالطبع جدائل فضية"· وطلب الماركيز كذلك أشرطة لشعره، ودهاناً معطراً لذقنه، وبودرة لوجهه· ولم يكن هناك من يريد أن يؤثر فيه بملابسه المبهرجة: إذ كان يلبس لنفسه؛ حيث كان يغرق في نرجسية تزداد سنة بعد أخرى·
وكان ترينيه بيلاجي تدور في أنحاء باريس ملبية لنزواته بينما تتراكم عليها الديون· ولكي تسدد ثمن الأشياء التي ترسلها له مرة كل أسبوعين، اضطرت في آخر الأمر إلى بيع بلكات أحذيتها الفضية· وعندما حصلت في النهاية على تصريح لزيارتها، ارتدت بعض الملابس الفاخرة - لكي تتلقى وحسب محاضرة عن كونها تشبه العاهرة: "لو كنت امرأة مؤدبة، لكان عليك أن تسريني أنا وحدي، والطريقة الوحيدة التي تسريني بها هي من خلال أعظم أشكال اللياقة وأكمل آيات التواضع·· إني أطالبك بأن تأتي·· وعلى رأسك قبعة كبيرة جداً·· دون أن يبدو في شعرك أدنى قدر من التجعيد، أو الشينيون، أو الجدائل·· حافظي على فضيلتك"! وهي موعظة مستغربة من كبير كهنة عبادة الشيطان·
غير أن رسائل ساد التي بعث بها من سجنه حافلة بالمفاجآت· فقد تفاخر بأنه لم يمارس الجنس مع النساء المتزوجات وعبر عن رعبه في فكرة زنى النساء: "خيانة المرأة·· عواقبها قاتلة ومظلمة، وهو ما جعلني لا أتسامح بشأنها"· لقد أقر تلك الصورة المتطرفة من المعايير المزدوجة بحيث بدا متطهراً بالمقارنة بأقرانه في الطبقة الأرستقراطية· ورغم اعترافه بالإلحاد وممارسته اللواط مع أشخاص من نفس جنسه، فقد منع زوجته من التردد على صالون التفكير الحر الذي تنظمه الماركيزة دي فيليت، لأنه أشيع عنها أنها "قطعة من سافو"· وأفقده الخوف من أن تخونه زوجته صوابه· وكان يعذب نفسه بتخيله رينيه بيلاجي تخونه مع سكرتيره، وأرسل إليها رسماً للشاب البريء وقد أدمى جسمه الضرب بالسياط مع رسالة تقول: "هذه الطريقة·· التي يستحق أن يعامل بها أي وغد من هذه النوعية عندما ينسى الاحترام الواجب نحو سيده"·
في نهاية الأمر هدأت رينيه بيلاجي من روعه بالانتقال إلى شقة بائسة في أحد الأديرة، كانت تكلفها نصف ما كانت تدفعه مقابل غرفته وطعامه في السجن؛ وحتى وقتها نهرها بطريقة أبوية قائلاً: "عليك قبل كل شيء أن تحبي الله وأن تفري من البشر! إني ألزمك بالبقاء في غرفتك، وبكل ما لدي من سلطات لزوج على زوجته أمنعك من مغادرتها، مهما كانت حجتك"· وفي الوقت ذاته أمر ساد رينيه بيلاجي أن تلف باريس، ليس فقط لتأتي له بالحلويات، وإنما كذلك بقضبان اصطناعية، لكي يمكنه أن يحشو نفسه من فتحتيه· ولم يكن هناك غير ما هو الأفضل لتحقيق الغرض - وهي الأدوات الناعمة الأبنوسية التي حفرها أفضل نجار أثاث في المدينة· وكان ساد صريحاً صراحة ملحوظة بشأن أنشتطه الجنسية - أي تفضيله للواط، وممارسة للاستمناء، وصعوبة وصوله لنشوة الجماع· وبعيداً عن ظهوره بمظهر واحد في من مسوخة مكتملة الفحولة التي تظهر في رواياته، يبدو هو في المقابل ضعيفاً وبديناً وربما شبه عنين، كما أكدت سيمون دي بوفوار·
وردت رينيه بيلاجي على شكاوى ساد برقة، وإن لم يمنعه ذلك من أن يشكو من أسلوب كتابتها: "لقد أرسلت لي ثلاث صفحات من الكلام غير المترابط·· غير أنه من عادتك أن تصدر عنك أشياء تتسم بالغباء"· وكانت هي أبعد ما تكون عن الغباء، حيث بدا أن لديها إدراكاً فطناً لعلته النفسية· فقد حشدت خطاباتها بتعبيرات الحب، بعضها جنسي وأكثرها صادر عن أم: "صديقي العزيز، أرجوك رجاء حاراً·· ألا تستسلم لاكتئابك· إلى لقاء يا ولدي الصغير· قبلاتي لك"· "أحبك ولن أتوقف عن حبك يوماً·· أقبلك بكل روحي"·
وأبدى ساد هو الآخر عاطفة صادقة، حسب علمنا، غير أن خطاباته نادراً ما بعدت عن الموضوع الوحيد الذي كان يهمه بالفعل - وهو نفسه· كان يهاجم بشدة ظلم وضعه في السجن، وهو الماركيز، بسبب توجيهه بضع ضربات لعدد من العاهرات اللاتي أجزل لهن العطاء· وكان يشكو مر الشكوى من ظروف محبسه· كما لام رينيه بيلاجي لوماً شديداً لعدم توفيرها الراحة له: "كنت أرقد على الأرض كالكلب، وأعامل معاملة الوحش الشرس، وكنت وحيداً على الدوام ومحبوساً·· كادت صحتي أن تنتهي ويقضي سلوكك المشين عليّ"·
وواقع الأمر أن ساد كان يتمتع بظروف مريحة بعض الشيء، وخاصة بعد نقله من فنسان إلى الباستيل سنة 1784· فقد كانت له غرفة كبيرة جيدة الإضاءة قطرها ستة عشر قدماً، كانت يعلق فيها سجاد ولوحات للعائلة، وكانت تفوح منها رائحة الزهور الناضرة، وبها مكتبة تضم ستمئة مجلد· وكان يسمح له بالسير في فناء السجن وبرؤية رينيه بيلاجي مرة كل أسبوع· وعندما نقل إلى مستشفى شارينتون للمجانين قبل عشرة أيام من اقتحام الباستيل، أفرج عنه في آخر الأمر في 2 أبريل سنة 1790·
وما أن أصبح حراً حتى رفضت رينيه بيلاجي أن تراه· ولم يكن من الممكن لعلاقتهما - التي كانت كلها عطاء من جانبها هي وأخذ من جانبه - أن تستمر في ظل نظام الحرية الجديد· وانتهزت رينيه بيلاجي فرصة التشريعات الثورية التي طبقت على الأسرة وحصلت على الطلاق وخرجت من حياة ساد·
ويمضي سرد دي بيليسيكس جراي من حياة ساد الثورة واتصاله بالممثلة ماري كونستانس حتى الفترة الأخيرة التي أمضاها في السجن وعودة إلى شارينتون· غير أن بقية الكتاب يبدو كحاشية لسنوات السجن التي امتدت من سنة 1777 حتى 1790 ومع اختفاء رينيه بيلاجي وكذلك أمها، اللتين لم تكن لهما علاقة بساد بعد الإفراج عنه، لم يعد هناك وجود لمثلث الأم والابنة والزوجة؛ وبذلك تفقد القصة الكثير من التوتر الذي يجعلها مشوقة·
فلماذا نعتبر كتابها سيرة سلبية؟ تتعامل دي بليسيكس جراي مع ساد بتعاطف، حيث تبقى مع مقربة من النقاط الرئيسية الخاصة بالصورة البطولة لحياته التي عرضها وريس ليفيه، وهو رائد الدراسات السادية في الوقت الراهن· غير أنه بجعلها رينيه بيلاجي بطلة القصة قضت على الجو المميز للمهابة الشيطانية التي أحاطت بالماركيز· وهو يبدو في النهاية مستحقاً للشفقة - فهو ضعيف، ويتأوه، ومدلل، ومدعٍ، ومنغمس في ملذاته، ويرثى لحاله، وطفولي التصرف، وكثيراً ما يبدو مضحكاً·
(2)
ومع ذلك فهو يبدو نبيلاً مقارنة بالصورة التي رسمها له لورنس بونجي، وكما فعلت دي يلسيكس تحديد المرأة التي كانت وراء جرائم ساد، غير أنه يخرج علينا بمتهمة مختلفة: وهي أم ساد، التي كان اسمها عند الميلاد ماري إليانور دي ماييه دي كارمان، وهي تنتمي لفرع كونديه من عائلة البوربون الحاكمة· فماذا كانت مشاعر ساد نحو أمه؟ هذا السؤال يبدو أكثر أهمية مما يبدو، كما يقول بونجي، لأنه بمثابة المفتاح للتيمة الأساسية لروايات ساد، وهي كراهية الأم·
وهذه التيمة يمكن أن نجدها بكل تأكيد في كل مكان في أعمال الماركيز: ففي رواية - velle Justine La Nou "جوستين الجديدة" نجد دي بريساك بطل القصة الشرير يخطب في أمه، وهي ضحية على درجة كبيرة من الفضيلة، كما يلي:
- صمتاً يا سيدتي! لا تتصوري أن لقب أم الخادع يعطيك أي حق عليّ· إن سماحك لنفسك بأن يضاجعك رجل لكي تأتي بي إلى هذه الدنيا ليس بالمؤهل العظيم في نظري· وتلك الروابط الطبيعية العبثية ليس لها سلطان على روح مثل روحي·
وبعد ذلك يمارس اللواط معها، ويدع الكلاب الشرسة تمزقها إربا وفي نوبة من البهجة يغمد سكيناً في قلبها·
كما أن مدام دي مستيفال، وهي أم على قدر مماثل من الفضيلة في رواية dans La boudoir La philosophie "الفلسفة في المخدع"، تموت ميتة أشد فظاعة· إذ تمارس ابنتها الشذوذ الجنسي معها باستخدام قضيب اصطناعي، وتدع خادماً مصاباً بمرض الزهري يغتصبها، وتخيط فتحتيها لكي تموت من شدة الألم الذي حدثه داخلها المرضي وعدم خروج الفضلات· وتتعرض الأمهات لأشكال متشابهة من العقاب، الواحد منها أبشع من الآخر، في رواية Les 120 Journees de Sodome "أيام سدوم المئة والعشرون"· وهذه التيمة على قدر من الإلحاح جعل كتاب السيرة بعامة يبحثون عن أصولها في علاقات ساد بأمه، وهي امرأة شديدة الورع وشديدة الأرستقراطية انفصلت في نهاية الأمر عن أبيه لتدخل أحد الأديرة· وينبع أكثر الآراء شيوعاً، وهو الرأي الذي قدمه موريس ليفيه وغيره من دارسي ساد المتشددين، من عقدة أوديب السلبية التي قال بها كلوسوفسكي: أصبح ساد الصغير متعلقاً تعلقاً شديداً بأبيه وسيطرت عليه رغبة معاقبة أمه لهجرهما معاً·
ومهماكانت صحة ذلك كنظرية، فهذا الرأي يعجز عن مواجهة اعتراض واضح: فربما لم تكن أم ساد غائبة عن طفولته وكلنها كانت غير موجودة في الأرشيف وحسب· والحقيقة أننا نعرف القليل عنها، وما نعرفه لا يوحي بحدوث أي هجر خلال السنوات الأربع الأولى من حياة ساد - التي هي أهم سنوات في رأي من اتبعوا كلوسوفسكي·
وفي الرابعة أرسل الماركيز الصغير إلى أقاربه في البروفانس، غير أن بونجي يؤكد على أن ذلك لم يحدث بسبب انهيار زواج والديه انهياراً فعلياً· وعلى العكس من ذلك، فإن مثل هذا التوثيق، وهو دليل جديد يقدمه بونجي نفسه، يشير إلى أن أم ساد كانت تدعم أبيه على الدوام بينما كان يدمر مستقبل حياته الدبلوماسية وأنها لم تدخل الدير حتى كان قد أسلم نفسه لحياة المجون والكسل على أطراف القصر التي استغرقت كل وقته· وهذه المحاجة تضيع في بعض الأحيان في التفاصيل الغامضة والتوقع الفارغ، غير أن ما يكفى منها يلتزم بتدمير الرأي التقليدي الذي يقول إن السادية تعود في أساسها إلى إهمال الأم·
وبعد انتهاء بونجي من ترتيب أجزاء قصة طفولة ساد،· يقوم بترتيب بقية حياته· وهو يختار التفاصيل التي تدينه في كل نقطة، كأنه مدع يوجه تهماً لأحد المجرمين· كما أن بطولة ساد المفترضة في معركة بورت ماهون سنة 1756 كانت حالة من الهوية الخطأ· وأجبرته حالة سيلان على تأجيل زفافه سنة 1763، وتعطل مستقبله العكسري بسبب إصابته بالبواسير التي زاد من شدتها انغماسه في الملذات الحسية·
وبحلول سنة 1770، وبعد أن أصلح ساد جسمه بالقدر الذي يمكنه من الجلوس على خصانه، كان قد اشتهر بأنه شخص فاسد، مما جعل زملاءه الضباط لا يقبولنه في المواخير الأفضل حالا لأن الشرطة كانت قد حذرت العاهرات من أن ذوقه الجنسي الشاذ قد تحول إلى التعذيب· وعندما نقل مسرح جرائمه إلى قصره في البروفانس، كان يفضل ممارسة الجنس مع الأطفال· وعندما كان الجسر المتحرك يرتفع كان الخدم يخرون خوفاً من السياط والسكاكين·
ولم يعاقب ساد على جرائمه، مستغلاً نفوذه كأرستقراطي وصلات أصهاره في المحاكم· ولم يكن يشعر نحو الأشخاص الأقل أصلاً، وخاصة زوجته، إلا بالاحتقار· وقد كتب إليها عندما وضعته السلطات في آخر الأمر في السجن قائلاً: "كم تتضح خستك ووضاعة محتدك أنت ووالديك في كل شيء!" بل إن سجنه كان نموذجاً للامتياز الأرستقراطي، لأنه تم بأمر ملكي أنقذه من حكم الإعدام في المحاكم العادية·
ومع أن ساد نفسه على أنه شهيد من شهداء الاستبداد الملكي بعد سنة 1789، فقد ظل ملكياً في السر طوال الثورة ولم يعدل احتقاره الطبقي لعامة الشعب· فقد كان يمقت على وجه الخصوص من كانوا يحاولون تحسين وضعهم في الحياة:
دون أن يدروا، كان كل شيء يشدهم إلى تلك الحفرة من الطين العفن التي حكمت عليهم الطبيعة أن يعيشوا فيها، وعندما يرفعون أنوفهم إلى ما هو أعلى من الوحل، فإنهم لا يشبهون في ذهني شيئاً أكثر من الضفادع النتنة المثيرة للاشمئزاز التي تحاول في كل لحظة أن تخرج من وحلها، لكي تسقط فيه من جديد·
وأثناء الثورة، زعم ساد أنه نقل من الباستيل، قبل اندلاع الثورة بعشرة أيام، لأنه كان قد حث الحشود التي كانت خارج نافذة السجن على الثورة· والواقع أنه نقل إلى شارينتون لأنه أصيب بحالة من الهياج بعد أنزاله من على برج كانت المدافع تطلق منه على المواطنين أسفله·
وبعد إخراج ساد من شارينتون أدار معطفه إنقاذاً لجلده· وبعد أن ارتدى ملابس تتناسب مع المواطن ساد، أنكر أصوله الأرستقراطية وزور هوية جديدة له باعتباره كاتباً ــــ ليس كاتب عمله " السادي" الأول "جوستين" الذي لم يعترف به قط، ولكنه اعترف بمسرحيات وروايات عاطفية من الدرجة الثانية مثل Aline et Valcour "الين وفالكور" وcomte Oxiern "الكونت أوكتيير" وLe Suborneur "الراشي"· وفي السياسة كان يعوي مع الذئاب· كما قدم للناس نفسه زوراً على أنه من اليعاقبة، وكتب تأبيناً لمارات، وانتخب أميناً لمنطقته السكنية في باريس، غير أنه لم يشارك قط في أية مجزرة· وعندما اتهم بـ "الوسطية" نجا من المقصلة قبل يوم واحد فقط من تنفيذ الحكم فيه بفضل سقوط روبسبير·
وغرق ساد في الفقر في ظل حكومة المديرين وأعيد إلى شارينتون في عهد القنصلية· ومع أنه كان متحفظاً عليه باعتباره مجنوناً مجرماً، فقد عومل معاملة متساهلة وسمح له بتمثيل مسرحيات في مستشفى المجانين حتى سنة 1813· وفي تلك السنة، وكان في الثالثة والسبعين من عمره، اشترى الخدمات الجنسية من مادلين ليكليرك، ابنة موظف في شارينتون، وظل يعبث معها حتى قبل أسبوع من وفاته في 2 ديسمبر 1814·
وكما يقول بونجي، برزت فكرتان في هذه الرواية التي لا تفيد في شيء، وهما الاستغلال الجنسي والسمو الأرستقراطي، وكلاهما مستمد من والدي ساد· فالجنس الذي أخذه عن والده، وكان لوطيا وفاسقا، واستأجر المنزل الخاص الأول لعربدة ابنه عندما بلغ السادسة عشرة· أما الميل للإيذاء الجسدي فمصادره أعمق، وإن لم تكن عقدة أوديب السلبية الرهيبة، فهي على الأقل شيء من العداء المستحكم نحو أمه، الذي حوله ساد فيما بعد الى حماته· وألقى ساد باللوم على مدام دي مونترويل فيما يتعلق بإلقاء القبض عليه وسجنه، وهو ما كان محقا فيه الى حد كبير· وكان يتخيلها تطارده في مخابئه الجنسية وتخطفه من متعته· وبعد ذلك بحث عن متعة تعويضية بتخيله للطريقة التي يعذبها بها، إن هو استطاع أن يخرج من السجن:
أيا آلهة الجحيم، فلتعلموني كل ما عندكم من أصناف العذاب، هلموا أسروا في أعماق أعماقي بكل أسرار فنكم البغيضة، ولتتضاعف قسوتكم، وليؤججها ما في هذا القلب الذي يشعر بالمرارة من غل! ومن أجل رضائي الوحيد، ومن أجل ما لا أريد غيرها من خدمة، أتيحوا لي الفرصة كي أجمع كل أصناف العذاب وأسومه هذا الجنس الكريه الذي ضحى بي، ذلك الجنس الذي أكرهه أشد ما تكون الكراهية!
أيا قوى الجحيم، فلتمنحيني رغبة نيرون، بألا يكون لكل نساء الأرض إلا رأس واحد وأن يكون هذا الرأس لتلك المرأة سليطة اللسان التي طغت علي! ولتمنحيني بعد ذلك متعة الإطاحة به! من رسائل السجن حتى الروايات، ومن مدام دي مونترويل حتى النساء بعامة، يبدو مسار السادية واضحا· لقد رعى الماركيز أشد حالات كراهية الحماة التي سجلها التاريخ· غير أنه ربما استمد بعضا من ساديته مباشرة من أمه هو· فعندما علمت بالفضيحة التي تسبب فيها حادث أركويل سنة 1768، كتبت الى قائد الشرطة تقول إن الأوغاد الحقيقيين الذين يستحقون أقسى عقوبة هم الصحفيون الذين تجرأوا وعرضوها على الجمهور:
إن انتهاك الحرمات هو الذي يجلب العار لأي شخص، وهؤلاء السفلة الذين قاموا بمثل هذا العمل البغيض يستحقون السجن بقية حياتهم· ولا يمكن السماح لأي من كان بتلويث اسم إنسان وثيق الصلة بي دون أن ينال جزاءه!·· إن سلالتي ليس لديها ما يشينها من وصمات تلوم نفسها عليها، ولا بد من تعليم الناس كيف يبدون الاحترام الواجب نحو عائلة محترمة على كل وجه· كيف يجرؤون بالحديث عن ابني بهذه النعوت! هؤلاء التعساء والشحاذون يستحقون الشنق!
وحسبما يقوله بونجي، ورث ساد هذا الاتجاه من أمه· ورغم وضعه كواحد من أفراد الشعب أثناء الثورة، كان يرى نفسه على الدوام على أنه ارستقراطي· وكان أفراد الطبقة الارستقراطية فوق القانون ولهذا السبب لا يمكن أن ينتهكوه· ولذلك لم يعتبر ساد قط أفعاله جرائم· وحيث إنه ينحدر من "سلالة" أمراء، فقد كان بإمكانه أن يفعل ما يحلو له لمن هم دونه·
أضاف ساد الى هذا الاتجاه، الذي كان عتيقا حين ولد هو، فكرة أكثر حداثة، وهي فكرة تكاد تكون خاصة بنيتشه، وإن استمدها ساد من قراءته لدولباك والأدب الإباحي: وهي تقول بأنه ليس هناك نظام أخلاقي في الطبيعة، ولذلك لا ينبغي للأقوياء أن يشعروا بأن هناك ما يحول دون تنفيسهم عن عواطفهم على الضعفاء· وتستمر هذه الفكرة المهيمنة في حياة ساد كما في رواياته· وعندما أبلغوه بغضب العامة من فضيحة اركويل، رد على ذلك بذهول· فلماذا ينبغي لإنسان أن يشعر بـ"تعاطف مع حمار عاهرة ضرب بالسياط"؟ فلم تكن العاهرات يحسبن آدميات: "·· إن طريقة معاملتنا للبغايا ليست لها عواقب تزيد عن عواقب الطريقة التي نتغوط بها"· إلا أن روز كيلر، الضحية التي يتعلق بها الأمر، كانت أرملة في السادسة والثلاثين عاطلة عن العمل، ولم تكن بغيا·
وكان من بين ضحايا ساد الآخرين أعداد كثيرة من الخدم والأطفال، وكانوامن الإناث عادة· ومع أنه أعلن حق المرأة في المتعة وجعل النساء بين أبطال روايته المسوخ، فقد اختصهن بالتعذيب في منازله الخاصة كما في رواياته· فقوانين الطبيعة أقرت تضحية الأقوياء بالضعفاء: "من الظلم تقصير أيام شخص تكون تكوينا حسنا، وأقول أنا إنه ليس من الظلم منع ميلاد كائن من الواضح أنه لن يفيد العالم في شيء· ويجب تطهير النوع البشري من الحشائش من البداية"· ونحن الآن في باريس القرن الثامن عشر، ولكن لا يبدو أننا بعيدون كثيرا عن أوشفيتس·
ووجد كتاب آخرون، أبرزهم كامي وكينوه، صلة تدعو للقلق بين خيالات ساد والنزعة الهتلرية· ووجد قراء كثيرون أن كتبه غير قابلة للقراءة· وأنا نفسي بصفتي قارئا أرى أن كتابات ساد أكثر انحطاطا من كثير من الأدب الخليع في عصره، وهو أدب يفيض مرحا ونقدا اجتماعيا وفلسفة ونكاتا سردية راقية بالإضافة الى الجنس· ولن أبادل رائعة فيفان دينون ذات الأربع عشرة صفحة بأعمال ساد الكاملة·
ومع ذلك فإنه عندما يواجه أي قارئ بالأعمال الكاملة، وبينها فلا بد أن يسأل عن السبب في أنها أشعلت الكثير من الخيالات، ولماذا وجد كتاب كبار من أمثال فلوبير وبودلير مثل هذا الإلهام فيها· وأعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في تلك الجرأة الشديدة والطاقة التي فيها جميعا· فقد أطلق ساد الطاقة باختراقه المحظورات التي كانت تبدو غير قابلة للاختراق وبقوله أشياء بدا أنه لا يمكن التحدث فيها·
وقبل عبادة الشيطان والسيريالية ومسرح العنف بزمن طويل، وصف سانت بوف سطوة ساد على القراء· لقد روى تجربته هو، وإن نسب التجربة لقارئ شاب في القطاع المحظور من المكتبة:
في الجزء الأعلى من المكتبة، وعلى رف منفصل في ركن أسود يعلوه الغبار، كانت هناك بعض المجلدات التي أخفيت عناوينها إخفاء محكما بورق تغليف منفر بقصد الحماية - ليس حماية الكتب· غير أن هذا الورق المشؤوم هو الذي كان وراء قرار جوليان·· تردد في بادئ الأمر فقد أخبره صوت داخله بأنه يوشك أن يرتكب فعلا شريرا، وشيئا فشيئا أضحى أكثر شجاعة· وكان أول ما فعله هو تمزيق جزء من غلاف الكتاب الخلفي كي يعرف عنوانه· كان العنوان بسيطا، وهو اسم امرأة·· وفي النهاية لم يقو الفتى على الانتظار أكثر من ذلك فمزق الغلاف الذي كانت تمسك به أربعة أختام شمعية بكامله· فتح الكتاب·· ولك أن تتخيل ماذا حدث لذلك الشاب، شديد الجهل والخجل والضعف، عند قراءة كتاب يمكن أن يهز بسهولة أشد الأجسام قوة وثباتا·· ماذا كان يفعل جوليان المسكين، وقد اتخذ موقف المقاتل ضد الماركيز دي ساد، رأسا برأس مع هذا النمر الذي يزأر، هذا النمر الغاضب، هذا الضبع الذي يقطر دما، هذا القذر الوحشي الآثم··؟ وا أسفاه! إن ليلة واحدة من القراءة جعلته يتقدم في العمر عشرين سنة·
يهمل دي بليسيكس جراي وبونجي هذا الجانب من ساد، أي ساد الكاتب، الذي كان له سلطان طاغ على مدى قرنين من الأدب· غير أنهما نجحا في فهم ساد الرجل؛ وهذا ليس إنجازاً سهلاً، لأنه يمثل أقصى تحد لكاتب السيرة باعتباره نمطاً من أنماط فهم الظرف الإنساني· وهو لا يصف نفسه بأنه "أكثر الأرواح التي وجدت حرية"، غير أنه سعى إلى الحصول على الشكل الغريب من المتعة الخاص به مقاومة ملحوظة للتسوية· كيف يمكن للمرء أن يفهم رجلاً كان يتباهى بارتكابه أشد المحرمات في عصره وينبذ حياته سعياً وراء الفسق والفجور؟ وهنا يواجه كاتب السيرة الشهوة الجنسية بشكلها المجرد· ولكن مهما كانت الشهوة عارية، فهي دائماً تأتي مرتدية شكلاً من أشكال الأزياء التاريخية· وكان ساد، وهو السادي الأول وإمبراطور السادية، في الوقت نفسه رجلاً ينتمي لعصره· وبكشف التفاصيل القذرة الخاصة بساد التاريخي عرّاه بونجي تماماً· ولكنه يبالغ في تعريته· فهو لا يحاول حرمان الإمبراطور من ملابسه وحسب، ولكن من إمبراطوريته كذلك· أي من الطاقة الشهوانية التي أطلقها في كتابته·
ويجد بونجي في ذلك العالم الشيطاني المظلم من الموت ما يفوق الرغبة الجنسية· وربما كان هذا هو السبب وراء تأليفه كتاباً أسود، وهو كتاب واسع المعرفة ويتميز بالأصالة ولكنه سلبي تماماً وليس فيه ألوان وسط· ربما اعتقد أنه بتحقير السادية يمكنه تبديد القوة المدمرة التي أطلقها الماركيز· غير أن السادية سبقت ساد، وبقيت زمناً طويلاً بعده· ورأي ساد نفسه، يقع على مسافة أقرب من البيت فهو يقول إنه يوجه محاجته ضد "الصيحات الراهنة في النقد الأدبي" ويعني بها الرفض ما بعد الحداثي النمط قديم من أنماط النقد الأدبي يربط أعمال الكتَّاب بحياتهم· ولا يعني هذا أنه يدعو للعودة إلى الرجال العظام ومقاربة الكتب العظيمة للأدب (Loeuvre Thomme el) "الرجل والعمل" بالصيغة الفرنسية)· التي سادت البحث الأدبي في بداية القرن· ولكنه يقول إنه لا يمكن فهم ساد ولا أعماله أيهما في معزل عن الآخر· فكما أن روايات ساد عبرت عن خيالات مراسلاته، فكذلك استقت المراسلات مع حقائق حياته· وتقف النزعة الإجرامية للرجل كشكل من أشكال التوبيخ للنقاد الذين لا يرون الأدب إلا كترتيبات لا آخر لها للنصوص المرجعية الذاتية· ويقول بونجي إنه من الضروري إعادة تأريخ الأدب· وهو يستحق تقديراً كبيراً لإعادته المكون التاريخي للنقد السادي، لأنه يعرف طريقه في القرن الثامن عشر ويصل إلى الموضع الصحيح، بغض النظر عن محاولته لتعرية روح ساد·
ودي بليسيكس، على العكس من بونجي، ليست متخصصة في دراسات القرن الثامن عشر، وهي لذلك تخطئ أحياناً· لم يكن والد ساد سفيراً لدى أمير بفاريا· ولم يكن داميان قاتل الملك واحداً من أهل بيت لويس الخامس عشر· ولم تكن شاتليه أعلى محاكم فرنسا· ولم ينتم ربيسبير ولا مارات للجنة التنفيذية الإقليمية التي حكمت فرنسا عقب خلع الملك مباشرة· غير أن تلك الزلات لا تضر كثيراً السرد الذي يتحرك برشاقة عبر مشهد مؤسسي صعب· تأويل دي بليسيكس جراي أقل ولكنه أكثر قبولاً للتصديق من تأويل بونجي، وهو أقدر منه في الوصول إلى القارئ العام·
إنها تقدم لنا ساد التسعينيات، أي اسد الذي لا يتلاءم مع القلق بشأن التحرش الجنسي، والذكور المفترسين· والأطفال المستغلين جنسياً· وربما تروق للمرأة صورتها عن ساد لأنها تضعها في قلبها وتحتفي بمحاولاتها الهادئة لإنقاذه من نفسه· وربما يزدري البعض الميل إلى الاحتفاء برينيه بيلاجي كزوجة تقف وراء الكواليس: "كانت حياتها الزوجية هي عملها الفني: ففي السراء والضراء كان يمكن لمواهب الماركيز دي ساد أن تنتعش وتصبح جزءاً من التراث الغربي فقط من خلال حب بيلاجي وتفانيها"· ولكن هناك كذلك عناصر المرأة السادية الخاصة بأنجيلا كارتر في صورة رينيه بيلاجي - أي العاطفية غير المتعلقة والاستعداد لتحدي العرف الاجتماعي· وعند رسم صورة مدام دي مونترويل، تستشهد دي بليسيكس جراي بأسخيليوس وتؤكد على أنه في كل امرأة هناك احتمال للتدمير والانتقام الذي هو جزء من الطاقة الأنثوية المجتمعية الأكبر· وربما لأنها تتعاطف مع الشخصية التي تكتب عنها - أي مع ساد نفسه وكذلك مع نسائه - فهي تنصف العواطف التي تتخللها· وبدلاً من تحقيرها، نجدها تحتفي بتزيدها· ويظل ساد عندها أكبر من الحياة - أي أكبر من الحياة التي عاشها معظمنا: "لقد رفض التسوية الكبيرة التي قبلها معظمنا صاغرين"·
لماذا إذن كل هذه الجلبة بشأن ساد؟ فسوف يسلم من محاولات تعريته وكشف مثالبه· وبغض النظر عن حقارة حياته الشخصية، فقد خلق عالماً خيالياً يموج بالحيوية· كما أنه ألهب خيالات القراء الذين دخلوا هذا العالم· وقد ساهم خيراً وشراً في الثقافة كما نعرفها الآن؛ فالآن نعرف الأمر أفضل من ذي قبل· إن السيرة السلبية تؤدي إلى نتائج إيجابية· وهي على أقل تقدير حققت الهدف مباشرة وتركتنا مع ساد يصلح لزماننا·
*الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999