إنه رئيس جزائري ذو شرعية قسرية، هو ذلك العائد الى بلاده بعد خطبة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة· ففي الدورة الأخيرة للجمعية العامة كان عبدالعزيز بوتفليقة الرئيس الحالي لمنظمة الوحدة الأفريقية، الذي احتفى به نظراؤه في نيويورك والصحافة الأمريكية، ودعي لزيارة مجلس العلاقات الخارجية في خطوة تعتبر لازمة لكل شخصية أجنبية رفيعة، النجم البارز للدورة الأخيرة·
وفي بلاده، التي انتخبته في الربيع الماضي بنقاط ضعيفة، سجل بوتفليقة نقاطا كثيرة· فالاستفتاء على قانون الوئام المدني كان متوقعا نجاحه بنسبة 99 في المئة من الأصوات المؤيدة للمسيرة الرئاسية الرامية الى تحقيق السلم الأهلي·
فضلا عن نسبة المؤيدين للقانون، كانت معدلات المشاركة في التصويت دليلا على انتصار الرئيس بوتفليقة· فقد شارك نحو 85 في المئة من الناخبين في الاقتراع حسب الإحصاءات الرسمية· ففي منطقة تيزي أوزو عاصمة منطقة القبائل المعادية بشدة للسلطة لم تتخط نسبة المشاركين في الانتخابات الرئاسية ستة في المئة· لكن نسبة المشاركة في الاستفتاء بلغت 40 في المئة· ورأينا ظاهرة مماثلة في العاصمة الجزائر حيث شارك في الاستفتاء ثلثا الناخبين·
يمكن القول إن الإدارة الجزائرية عمدت الى "تحسين" النتائج في الاستفتاء الأخير على نحو ما فعلت في الانتخابات الماضية، لكن التلاعب بالأرقام هذه المرة لا يمثل شيئا جوهريا· فقد أكد الجزائريون دعمهم لمسيرة الوئام الرئاسية وإن لم يكن عدد المؤيدين كبيرا بقدر ما أعلنت السلطة· والاختلاف عن الانتخابات الرئاسية كان كبيرا· فقبل خمسة أشهر كانت مراكز الاقتراع خالية· وهذه المرة كانت حاشدة لتشهد بأن الشعب الجزائري جعل العودة الى السلام أولويته، وكان الأداء الانتخابي هذه المرة عظيما إذا أخذنا في الاعتبار أن الرئيس السابق الأمين زروال قدم نفسه في الانتخابات الرئاسية لعام 1995 باعتباره مرشح السلم· أما ما حصل بعد ذلك فأثبت أن ثمة غشا في البضاعة السياسية الرئاسية·
كانت الاجتماعات المتعددة التي عقدها الرئيس الجزائري في جميع أنحاء البلاد والحملة الإعلامية القوية لمصلحة التصويت بالموافقة على القانون توحي بأن نسبة التصويت هي أكثر ملاءمة للبلدان الأعضاء في الكتلة الشيوعية سابقا· لكن هذه النتيجة تدين بنفسها الى المواهب الشخصية لرئيس الدولة الجزائرية أيضا· فهذا الخطيب المفوه، الذي نأى بنفسه عن الخطابات الشعبوية، ووزير الخارجية السابق في عهد الرئيس هواري بومدين، لم يملك الصورة الجذابة الكفيلة بسحر مستمعيه· وإذا كان ابتعد عن الحياة السياسية عشرين عاما فهو لم ينس نوابض الروح الجزائرية· فلمن يحنون الى سنوات السبعينيات عرف بوتفليقة كيف يقنع هؤلاء بالجزائر التي تحاول استعادة مكانتها في الساحة الدولية· وعند الآخرين، عرف بوتفليقة كيف يروج لجزائر جديدة توفق ما بين فضائل الإسلام وميزات العلمانية، وحاول إقناع الجميع بأن البلاد تصحو·
لا شك أن بوتفليقة كان يتمتع بقسم هو مؤيد أصلا من الناخبين· وهذا القسم يضم من يشكلون منذ الاستقلال "الجماعة التقليدية للنظام" أي الأحزاب السياسية (جبهة التحرير الوطني، والنقابات والجمعيات التي تسيطر عليها الدولة وقدامى المحاربين و"أبناء الشهداء"·
لكن من صوتوا بالموافقة على القانون لم يكونوا مقصورين على هذه الجماعة الانتخابية "البصّامة" التي تؤمن بنزعة قومية قوية موروثة من أيام بومدين· فالرئيس الجزائري استطاع أن يحرك بعض المترددين وأعضاء في المعارضة وقريبين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأعضاء في تنظيم حسين آيت أحمد·
لكن مؤيدي المصالحة لا يقفون تماما في صف مسيرة بوتفليقة· فحسب هؤلاء، لم يكن القانون كاملا وكافيا· فهو ينادي باستسلام أعضاء الجماعات المسلحة ويتجاهل حق الإسلاميين في تكوين قوة سياسية ولا يبوح بأية كلمة عن الجنايات التي ارتكبتها قوى الأمن الجزائرية· والنسخة الجزائرية من "الوئام" المدني" لا تحمل أي وجه شبه بـ"لجنة الحقيقة والمصالحة" القائمة في جنوب أفريقيا (التي تعمل على كشف الجرائم المرتكبة من النظام العنصري السابق كما من معارضيه السود)·
هناك في هذا القانون كثير من العيوب التي لم تمنع المدافعين عن المصالحة من الموافقة عليه ضمن مسيرة رئيس الدولة·
أما الحلفاء الظرفيون للرئيس الذين لا يولونه غير ولاء ضعيف ودعما حذرا، فما زالوا يضمرون معارضة كامنة إنما حقيقية· فهؤلاء يريدون الوثوق في أنه بعد ثماني سنوات من حرب أهلية أنهكت الجزائر ودمرت اقتصادها وأبعدت الآلاف الى المنافي، ما زال السلام في متناول الأيدي· وهؤلاء ينادون بإعطاء فرصة للسلام حتى الثالث عشر من يناير المقبل تاريخ انتهاء صلاحية القانون·
فهل تعمد الجماعات المسلحة حتى حلول هذا التاريخ الى إلقاء السلاح؟ فغداة الاستفتاء عمد الجيش الى إسقاط مظليين فوق مناطق المتمردين حتى يجبرهم على الاستسلام· وقد استعمل الجيش لتحقيق هذه الغاية رجال دين وعائلات "الإرهابيين"· فماذا كانت الحصيلة؟ حسب مصادر رسمية رفضت كشف هويتها استعمل نحو 350 متمردا جاء بعضهم من ليبيا منذ صوغ قانون الوئام المدني· والصحافة الجزائرية نشرت رقما أقل· فقد قالت صحيفة "لوماتان" (الصباح) في 21 سبتمبر إن 250 متمردا استسلموا في حين نقلت صحيفة "الوطن" عن مصادر اعتبرتها موثوقا فيها قبل يومين من ذلك أن عددا المستسلمين لم يتعد الأربعين، وأيا كانت النتائج، ما زال نحو نصف دزينة من الجماعات المسلحة التي تضم آلاف الأشخاص ناشطة حتى الآن·
وبرغم كل السحر والجاذبية في خطابات الرئيس بوتفليقة بقي جيل كامل هو الشبيبة بعيدا عن أي تأثر· فالشبيبة التي تشكل غالبية السكان (باقي المئة هم دون الثلاثين) صارت صماء حيال أي خطاب سياسي وهي لم تبد حماسة للمشاركة في استفتاء السادس عشر من سبتمبر· وفوق ذلك لم تصدق الشبيبة وعود القادة السياسيين ولم تمنح الرئيس الحالي ثقة أكبر من التي منحتها (أو لم تمنحها فعلا) لسابقيه·
وتدل تصريحات الشبيبة على مقدار إحباطها والمعاناة· فهناك من يقول إن "الرئيس وأصدقاءه هم من أشعل النار، ومن السهل خداع شعب غير متعلم· والعدالة في الجزائر هي اللاعدالة· والدولة يجب إلقاؤها في سلة القمامة· والمصالحة كان يجب تنفيذها عام 1991"·
بعض أفراد الشبيبة يعمل والغالبية تحصل رزقها بأعمال تافهة متغيرة· وفي الجزائر تجد شبانا يتاجرون ويقيمون في منزل الوالدين· فالتقشف في الإسكان حال دون عقد قرانهم· أما الحلم الوحيد فيمكن اختصاره بكلمة واحدة: الهجرة وإلى فرنسا تحديدا "حتى لو تحولت الجزائر جنة"·
إن استعادة هذا الجيل المفقود الذي خرجت منه غالبية الملتحين أصعب على الرئيس الجزائري من سحق الجماعات المسلحة·
لوموند