في الفترة الأخيرة تضاءلت ردود فعل الشارع والقيادة الفلسطينيين على النشاط الاستيطاني المحموم في الضفة الغربية بقدر عظيم· فقبل أقل من أربع سنوات، عندما بدأ إنشاء مستوطنة هار حوما (على جبل أبو غنيم) ردّ رئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات على ذلك باحتجاج قوي فقطع فوراً المحادثات مع حكومة بنيامين نتانياهو·
وعند تحرك المستوطنين إلى مجمع رأس العمود (الاستيطاني في القدس الشرقية) نظم مسؤول ملف القدس في السلطة فيصل الحسيني تظاهرات عاصفة في الموقع· وفي ذلك الوقت، توقع الصحافيون والمحللون السياسيون حدوث حمام دم لو بدأت أعمال البناء في رأس العمود·
وإبان حكم نتانياهو كانت هناك أعمال احتجاج وحوادث عنف حول بيت لحم والخليل ورام الله رداً على توسيع المستوطنات· وهذه الاحتجاجات كان ينظمها مسؤولون فلسطينيون حتى إنهم أطلقوا عليهم ذات يوم اسم "أيام الغضب"·
لكن منذ الانتخابات الأخيرة في إسرائيل،لم تفعل السلطة الفلسطينية غير القليل برغم استمرار أعمال البناء في المستوطنات· فبمعزل عن بعض الإعلانات التحذيرية بقيت السلطة هادئة·
في هذه الأثناء، تتحدث الصحافة الفلسطينية عن أعمال الاستيطان بتفصيل كبير· ففي الأسبوع الماضي نشرت تقارير عن مناقصات جديدة طرحتها وزارة الإسكان الإسرائيلية لبناء آلاف الشقق في الضفة الغربية، وظهرت روايات أواخر الأسبوع الماضي عن توسيع مخططات البناء في هار حوما·
وفي الصحافة الفلسطينية أيضاً، ظهرت صور عن الاستيطان بما فيها صورة عن أعمال البناء في رأس العمود تؤكد أن هذا النشاط لا يبعد عن المسجد الأقصى سوى بضع مئات الأمتار·
فماذا فعلت القيادة الفلسطينية رداً على ذلك؟ في الأسبوع الماضي وجه المفاوض صائب عريقات رسائل إلى 96 بلداً يطلب فيها وقف العمل في المستوطنات اليهودية· لكن سكوت رئيس السلطة ورجاله عن هذه القضية يحيّر كثيراً من أبناء الشعب الفلسطيني، وفي الآونة الأخيرة، أدى إلى ظهور شائعات عن اتفاق سري يبقي تجمعات المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية على نحو ما ورد في اتفاق يوسي بيلين (وزير العدل الإسرائيلي) ومحمود عباس (أبو مازن أمين سر منظمة التحرير)·
هذه الشائعات حملت نبيل أبو ردينة الناطق باسم عرفات على إصدار نفي شديد اللهجة، في حين رد وزير التخطيط نبيل شعث على الشائعات بالقول إن الموقف الفلسطيني لم يتغير وإن السلطة الوطنية تطالب بحزم بتفكيك جميع المستوطنات وبانسحاب إسرائيل حتى حدود الرابع من يونيو من عام 1967·
من جهتهم سأل كثير من أعضاء البرلمان الفلسطيني عرفات ورجاله عن هذه القضية فتلقوا جواباً لافتاً· والجواب يفيد أن القيادة الفلسطينية توصلت إلى استنتاج مفاده أن الطريقة الفضلى لوقف بناء المستوطنات هي بتسريع الانسحاب الإسرائيلي·
بناء على ذلك تفضل القيادة الفلسطينية الآن تسريع المفاوضات الدبلوماسية وعدم صرف الوقت في التظاهرات والاحتجاجات التي يمكن أن تعوق المفاوضات·
لكن غسان الخطيب من جامعة بيرزيت يقترح جواباً بديلاً عن هذه القضية فيقول إن ردود الفعل المهدأة الآن هي نتيجة ضعف القيادة الفلسطينية وشعور باللا أمن·
فقبل سنتين أو ثلاث تظاهر الفلسطينيون لأن نتانياهو وحكومته كانا في موقف ضعف نتيجة خسارته الشعبية في جميع أنحاء العالم·
وعندئذ شعرت القيادة الفلسطينية أن التظاهرات تفيدها·
غير أنها تواجه الآن حكومة جديدة· وهكذا يشعر القادة الفلسطينيون الآن بأن لا حول لهم ولا قوة·
هآرتس