رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4-10 رجب 1420هـ -13 - 19 أكتوبر 1999
العدد 1398

ضوء

البغدادي سجين... لغة!

 

ركان الصفدي

 

(1)

 

حين صدر الحكم على الدكتور أحمد البغدادي بسبب الفعل المشؤوم "فشل" رأيت أن يُزال هذا الفعل من لغتنا العربية ومن كتبنا ولاسيما المعجمات··· ومن الصحافة، إذ إنه يتكرر كثيرا كما في العبارات العربية الرسمية: "فشلت المفاوضات" و"أفشل مخططات الامبريالية" و"أفشل هجوما للإرهابيين"، أو في عبارات تنتمي الى الأخطاء الشائعة في استخدام هذا الفعل ومشتقاته مثل: "طالب فاشل"، "الفشل الكلوي"، وفي اللهجة الخليجية "يفشّل"··· فأخطاء الأمة (الشائعة) جميعها هي التي جعلت البغدادي يفهم "فشل" على أنه "أخفق أو لم ينجح" في حين أنه يعني "ضعف وجبن"· ولذلك إذا لم يعدّه بعض الناس سجين رأي فأحرى أن يعدّ "سجين لغة" وعند ذلك فإن محاكمته ينبغي أن تتم على أيدي سيبويه والكسائي والزمخشري وابن منظور!

 

(2)

 

علينا أن نحذف هذا الفعل (فشل) من لغتنا، لا لأنه يوصل قائله الى السجن فهناك كثير من الناس ممن لا يستخدمونه يدخلون السجن أيضا، وهناك كثير من الناس "لا يفشلون" في تزوير الحقائق وفي الوصول الى أعلى المراتب مرتقين سلم المال والجهل، وإنما لأن هذا الفعل لا يدل على حقيقة العرب والزمان العربي، فكثير من المفاوضات التي تجري وتوصف بالفشل تنتهي بالنجاح··· الإسرائيلي، وكثير من المخططات الامبريالية (لم تفشل) في تخطيط الوطن العربي والسياسة العربية والقضايا العربية بشيش الشاورما·

كما أنك لا تكاد تنتهي من قراءة عبارة "أفشل هجوما للإرهابيين" حتى تسمع بذبح مئة رجل وامرأة وطفل بسكاكين (المجاهدين في سبيل الله)·· إذاً، احذفوا الفعل (فشل) من لغتنا لأن أمتنا لم تفشل يوما في أن تكون في مقدمة الأمم السائرة نحو·· الهاوية!

 

(3)

 

هل البغدادي هو الذي أساء الى الإسلام أم أولئك الذين شوهوا صورة "دين الرحمة" بأيديهم الملطخة بالدماء؟! وهل البغدادي مرتبط بالغرب أم أولئك الذين أوجدهم الغرب منذ مطالع هذا القرن وموّلهم لضرب أعدائه لا أعدائهم، فلا تراهم ينشطون إلا في مناطق المصالح الغربية، وإذا كان الغرب قد بدأ يتخلى عنهم فلأنهم قد أنجزوا المهمة وانتهى دورهم المرسوم بعد سقوط عدو الغرب، كما أنهم لم يطلقوا طلقة واحدة ضد إسرائيل إلا إذا كانت فلسطين تبدأ من أفغانستان وتنتهي في الشيشان!!

 

(4)

 

والأغرب من ذلك أن ترفع قضية مشابهة ضد مارسيل خليفة الذي لم يرتكب إلا ذنبا واحدا، وهو الغناء للوطن والبسطاء ومقاومة الاحتلال، في زمن نكست فيه الأنظمة العربية سبطانات مدافعها وطأطأت بنادقها وطوت أعلامها وشعاراتها· وقبل ذلك كان نصر حامد أبو زيد والقمني وعبدالصبور شاهين ومصطفى محمود وسواهم··· هذا الهجوم اليائس على الفكر الحر والعقل النير والفن النظيف زوبعة سرعان ما ينجلي غبارها أمام عجلة التاريخ التي لا يمكن لأي قوة أن تديرها الى الوراء·

 

(5)

 

كان ينبغي قبل أن ترفع قضية ضد الدكتور البغدادي أن تحرق كتب ابن رشد والجاحظ وأبي حيان التوحيدي والرازي وابن سينا وجابر بن حيان، ودواوين بشار بن برد وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري وغيرهم·· ممن تجاوزوا حد الفعل (فشل) الى مدى أبعد بكثير، غير أنهم كانوا يعيشون في أزهى العصور الإسلامية، وكان الإسلام يقارع الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، والعقل بالعقل، وكان رحبا جدا استوعب جميع المذاهب والتيارات والفلسفات والفنون، بل إنه حاور حتى الزنادقة ومنكري النبوة والملاحدة!

 

(6)

 

مقاومة الفكر بالعنف عجز، ومطاردة المفكرين بغير الفكر إفلاس، فإن حبس غاليليو أو حرق كوبرنيك لم يوقفا دوران الأرض ولم يجعلاها مسطحة مستوية·· عصر محاكم التفتيش ولى الى غير رجعة·

 

(7)

 

فليحطموا كل المنجزات الحضارية والثقافية وليمسحوا من الذاكرة جميع شعرنا العربي وكتاب ألف ليلة وليلة وقصائد نزار قباني ومحمود درويش، وآراء الجابري والعروي وسمير أمين وياسين الحافظ ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا، وغناء الشيخ إمام ومارسيل خليفة وأحمد قعبور·· وليبقوا لنا حقول الأفيون في بلاد طالبان!

طباعة  

الحرية... وتقاطع القضبان
 
الهم السابع
 
المثقفون الكويتيون يواصلون تضامنهم مع سجين الرأي الأول
حبس البغدادي يشوه سمعة الكويت والإسلام والحرية

 
حمد الحمد: الدكتور الجامعي في السجن والمجرمون طلقاء!
 
خليفة الوقيان: الكويت مقبلة على محنة إذا لم يتحرك العقلاء
 
د· سليمان الشطي: نكسة مطلع القرن الحادي والعشرين
 
أخبار ثقافية
 
أصدروا بياناً في دمشق وتحرك مماثل في مصر
المثقفون العرب يتضامنون مع مارسيل خليفة

 
العقارب الناطقة
 
نافذة
 
أجراس