ليس البغدادي هو ضحية الأفق الضيق ومصادرة حق الرأي، فهناك ثلاث ضحايا أخرى سقطن معه على قارعة الطريق:
أولاهما سمعة الإسلام
وثانيهما صورة الكويت
وثالثهما حرية الرأي
إن ثمة أيديا تغزل ثوبا أسود قاتما يتطاول ليكون المهيمن على صورة الإسلام والمسلمين، فهو الدين الوحيد، الآن، الذي يستغل أفراده قوة الدولة لكبت الآخرين، وحكومة طالبان صورة لما يمكن أن تؤول إليه حكومات الظلام، ومثلها حكومات الظل التي يريد أصحابها أن يفرضوا آراءهم وتفسيراتهم على الآخرين·
ومن هؤلاء يتناسل منهم جزارو الرقاب في الجزائر فتتعفر دماء الأبرياء وتتسرب من بين أخاديد الشوارع المبلطة حيث تسقط وتتسرب كل زركشات التحضير ويحل مكانها التوحش بكل أطره ووسائله ومقولاته، تتلاشى هيبة الإيمان وسماحة التقوى، وتتقاطر أصباغ سوداء تلطخ ألفا وأربعمائة سنة من دعوة يفترض أنها جاءت سكنا لأنفس البشر وحماية لأموالهم ودمائهم وحرماتهم، فما بالك بخير ما يمتلكه الإنسان: رأيه واجتهاده··
وهذه الحادثة تعطي في الكويت صورة أخرى قاتمة للمسلمين تقف جنبا إلى جنب مع تلك الصور القاتمة والمخيفة، فأولى مراحل جز الرقاب هي تبني ثقافة تخيف الآخر ولا تناقشه تجهز عليه ولا تفند أراءه·
والضحية الثانية هي سمعة الكويت، فقد تلطخ جبينها بهذه البقعة السوداء التي تشير أسهمها إلى قوانين قاتمة تتبناها أو تسكت عنها سلطات الدولة الثلاث، قوانين تضع صاحب الرأي في سلة واحدة مع مهربي المخدرات وسارقي الأموال والمجرمين والقتلة، ضاقت قوانينها بحرية الرأي وتعدد الأفكار وراحت تسلط تفسيرا أحادي النزعة، وهكذا أجهز هذا السواد على مناط فخرنا في الكويت واحة الحرية وتاريخ السماحة·
وبهذا سقطت الضحية الثالثة: حرية الرأي، وسقوط حرية الرأي يعني سقوط أنبل ما في الإنسان وأكرم سجاياه، ويعني أننا حاصرنا عنصر الإبداع والشجاعة والحرية، وفتحنا في المقابل الباب واسعا للضعف والخنوع والاستسلام والتبعية، ومن ثم كان الحصاد المر المتمثل بمجموعة من الجبناء والعبيد فلن تجد إلا خائفا أو إمعه أو من أسلم عقله لغيره، وحينئذ نقول لأصحاب الظلام هنيئاً لكم·
والعزاء لك يا كويت في نكسة مطلع القرن الواحد والعشرين·
أما كلمتي لأحمد البغدادي فهي:
لقد قلت قولا: وتمسكت به، وآمنت بحيثياته، وسلمت بحكم القضاء، ورحت تدفع الثمن، ولايضير حامل الكلمة من أن يأخذ من شوكها الكثير في سبيل أن تضوع وتنتشر وتثبت فكرته، إن صحت في كتاب اليقين، وآخر كلماتي استعيرها من فم الشاعر المدافع عن الأحرار في السجون حين قال:
قالت: "أخاف عليك السجن"· قلت لها
من أجل شعبي ظلام السجن يلتحف
لو يقصرون الذي في السجن من غرف
على اللصوص لهدت نفسها الغرف
لكن لها أمل أن يستضاف بها
حر فيعبق في أنحائها الشرف