بعد شهر من الهجوم الذي شنته حركة "طالبان" في سهل شمالي الواقع شمال كابول كشف شهود عيان الرعب وضخامة الفظائع المرتكبة والإعدامات· فإلى الأغراض العسكرية الضيقة أضافت "طالبان" الرغبة في التهجير الواسع النطاق للناس وتنفيذ المجازر والتدمير المنظم·
بعد الهرب على ظهور الحمير أو سيرا على الأقدام أو على متن شاحنات مكتظة بالراحلين، انتشر نحو 200 ألف شخص على طول وادي بانشير، واتخذت آلاف العائلات مأوى لها تحت الأشجار النادرة أو في مقبرة للدبابات استعملت مدافعها عوارض للتخييم، وبدءا من مدينة بازاراك الواقعة على عمق خمسين كيلومترا في الوادي وحتى مدخل بانشير تؤكد غالبية هذه العائلات أن أيا منها فقدت أبا أو أما أو صغارا ضاعوا خلال عمليات الخطف أو المذابح·
وروى الشاب عبد المجيد "20 عاماً" قائلا: "عندما دخل الطالبان شاريكار اختبأت مع عائلتي تحت المنزل، وبقي أربعة أطفال فوق فقتلوا جميعا، وكان الطالبان يتحدثون لغة الأوردو، فهم باكستانيون، وبعد ذلك جمعوا السكان وأياديهم وراء ظهورهم وأخذوهم في عربات شحن صغيرة تسير بالدفع الرباعي وفي المساء خرجت من مخبأي عقب مغادرتهم، وذهبت إلى بلدة غوالدار المجاورة، وهناك شاهدت 250 جثة وكانت لأشخاص أعدموا، وكان رأس أحدهم مقطوعا، وبينهم نساء وأطفال، وتعرفت منها على زميلين لي في الدراسة، وقد حملت جثتيهما في سيارة ودفنتهما"·
في بلدة روخا الواقعة في عمق الوادي روى الشاب حيدر "26 عاما" وهو أحد الناجين قصته فقال: أنا فلاح فقير وعند دخولهم غولدارا شاهدني الطالبان فأطلقوا النار علي فأصابوني في الرجلين، وغبت عن الوعي وعندما حاولوا إيقاظي تظاهرت بأنني ميت· وفي المساء جاء والدي وبعض أصدقائي ونقلوني، وأصعد الطالبان الناس إلى شاحنات!! وفي مستشفى عنابة كانت عائلة عمادي ما تزال مصدومة، وروى فريد وهو جريح كان يرقد على نقالة "إن الطالبان خطفوا أختي وقتلوا أخي، وكنا جميعا جرحى، ووالدي لم يعد يستطيع الكلام فهو لم يتحمل رؤية أخي مقطوع الرأس"
وكان الشهود الذين لا يحصى عددهم يقاطعون هذا الشاب ففي خلال عدة هجمات وغارات خطف الطالبان المدنيين بأعداد غفيرة في شاحنات وحافلات صغيرة وعربات نقل رباعية الدفع بعدما قيدوا أياديهم، وأعدموا جماعات صغيرة من المدنيين بسرعة، وكانت قوات الطالبان تضم أفغانا وباكستانيين وعربا، وكانوا ينهبون البيوت ويحرقونها بطريقة منظمة·
فلماذا لم يهرب المدنيون قبل وصول الطالبان في الواقع ينتظر المدنيون الأفغان حتى اللحظات الأخيرة قبل أن يفروا، وبفعل القساوة الاستثنائية للهجوم، نفذ مقاتلو القائد أحمد شاه مسعود انسحابا سريعا استراتيجيا نحو وادي بانشير· وهكذا وجد قسم من السكان نفسه وجها لوجه أمام الطالبان·
قرب باغرام على خط الجبهة، حيث اضطر الطالبان الى الانكفاء، كانت هناك 40 جثة لضحايا مدنيين تتحلل تحت الأشجار في خندقين، والأيادي مربوطة خلف الظهور· وقد سعى الى المكان بعض اللاجئين المذعورين جاؤوا سيرا على الأقدام أو على الدراجات بحثا عن جثث أقرباء لهم· وعلى خط الجبهة نفسه، كانت تتصاعد أعمدة الدخان من القرى التي احتلها الطالبان· وقد قال الحاج هالماس أحد قادة مجاهدي مسعود وهو ينظر يائسا الى المكان البعيد "إنهم (الطالبان) يحرقون كل شيء لأنهم لا يريدون للسكان أن يعودوا"·
وقد تبين أن نحو ثلاثين ممن يقومون بعملية الإحراق ليسوا من الطالبان، وقد أدلى بعضهم بشهادات، فقد كان هؤلاء من الزوار الشيعة المتحدرين من مقاطعة باميان، وقد تصدى هؤلاء لحركة لطالبان ثم هزمتهم· وأكد أحدهم ويدعى أنور شاه ويبلغ السبعين: "أننا لسنا من الطالبان، فقبل عشرة أيام جاؤوا الى قريتنا مطالبين بإحضار خمسين شخصا· ثم أجبرونا على الصعود الى شاحنة ومن ثم على الصعود الى التلال التي فوق خط الجبهة· وهناك أجبرونا تحت تهديد الرشاشات على جمع غصون الأشجار ثم أعطونا كبريتا وأرغمونا على إحراق المنازل· ثم دفعونا نحو أراض ملغومة· وقد وطأ ثلاثة منا ألغاما· وكان الأصغر بيننا يبلغ الخامسة عشرة·
مذ ذاك، صار يستحيل العودة الى تلك القرى القتيلة· فقد سقطت بلدات كارابه وايستاليف وكالاكان وغولدارا بأيدي الطالبان وهي واقعة جميعا على خط الجبهة· وقد نقلت غالبية جثث المدنيين القتلى أو دفنت بسرعة منعا لأي إحصاء دقيق للضحايا· وبمقارنة سريعة للمعلومة، تبين أن الطالبان خطفوا من لا يقل عددهم عن ألفين وقتلوا بضع مئات· والأرقام قد تكون أعلى· فسهل شمالي الذي يتاخم ثلاث مقاطعات هي باروان وكابيسا وكابول كان يسكنه نحو 500 ألف نسمة قبل الهجوم· واستنادا الى عبدالعزيز منصور وهو مثقف أفغاني كبير لجأ الى وادي بانشير، اختفى 45 ألف شخص·
في الهجمات الأخيرة، أسر مجاهدو مسعود مقاتلين غرباء هم ثلاثة باكستانيين وثلاثة بورميين من مقاطعة أراكان "تطلبنوا" في باكستان وصينيين اثنين· وكانت شهادات هؤلاء الأسرى تؤكد وجود شبكات لتجنيد الإسلاميين وضلوع باكستان· فقد قال الأسير محمد صالح (25 عاما): درسنا في مدرسة (إسلامية) في كراتشي· وقد طلب منا أستاذنا أن نذهب لنجاهد في أفغانستان· وهو ينتمي الى الاستخبارات الباكستانية· وعلى الحدود مع أفغانستان· لم يطلب أحد أوراقا منا· ولم نكن نحمل جوازات سفر· وفي قندهار شاهدنا كثيرا من الباكستانيين· وكان يمكننا تداول الروبيات الباكستانية· ثم أرسلونا الى الشمال الشرقي حتى نتلقى تدريبا· وكان مدربنا باكستانيا"·
والصينيان وهما من القومية الأويغورية، جاءا الى الجهاد أيضا، وحتى يبرر نفسه، قال الأسير عبدالجليل: نحن مسلمون وفي الصين يقمعوننا والحياة قاسية· وقد دفعوا لي 30 دولارا شهريا حتى آتي لدراسة الشريعة في بيشاور (باكستان) وبعد ذلك أرسلوني الى أفغانستان"·
والسجن الواقع في وادي فارخار يؤوي مئة باكستاني وباكستانيا - بريطانيا وعربيين اثنين من اليمن· وقال أحدهما وهو في نحو العشرين: "في اليمن درسنا في مدرسة (دينية) ثم أرسلنا شيخنا الى باكستان ثم الى أفغانستان حتى نشارك في الحرب ضد الكفار وضد من يعارضون الشريعة· وقد دفعت مدرستنا ثمن تذكرة الطائرة الى بيشاور ثم تكفل الطالبان بالبقية· وأهلنا يعرفون أننا هنا وهم من دفعونا الى المغادرة حتى نجاهد"·
لكن الباكستاني - البريطاني أنور خان روى بطريقة ساخرة قصته ووجوده في أفغانستان فيقول: "جئت الى هنا حتى أتدرب· فالأسلحة هي هوايتي· وفي أربعين يوما تلقيت تدريبا على الكلاشنكوف والآر بي جي (قاذفة صواريخ مضادة للدبابات)·· فأي بلد آخر يسمح بهذا؟ أنا مسلم لكني لست من الطالبان· وأفغانستان هي معسكر تدريب كبير· فأسامة بن لادن يمول الكثير (من المعسكرات) وفيها تجد باكستانيين وعربا· والوضع كان مختلفا أيام الروس· لكن الناس لا يعرفون هنا الآن غير شيء واحد هو أن يتقاتلوا"·
ليس هناك شك في وقوع عمليات الإعدام· فهل نفذها الطالبان بفعل المعارك أم كانت تطبيقا لبرنامج ذي غايات مرسومة؟ فالشهود يؤكدون أن الطالبان كانوا يجمعون الناس أحيانا بواسطة مكبرات الصوت أو عبر مآذن المساجد· وما كان يمكن أن يكون نقل آلاف الأشخاص بالشاحنات الصغيرة عملا مرتجلا· وكان الأفغاني محمد أفضال واحدا من الذين نقلهم الطالبان من شاريكار· وبعدما قضى عدة أيام في الاعتقال تمكن من الهرب قبل أن يعثر على عائلته في بانشير· وقال: "كانت هناك عشر شاحنات على الأقل تتبعها حافلات صغيرة والجميع في قافلة· وكان النساء يبكين لأنهن مفصولات عن عائلاتهن· وقد رمت أحداهن بنفسها من على شاحنة تسير· ثم أخذونا الى جلال أباد لنمكث في معزل شارشاهي· ثم فرزونا، وقد أرسلوني الى كابول لأكون في مبنى السفارة السوفياتية السابقة· وكان هناك مئات النساء سجينات"·
يؤكد ثلاثة من ملالي الطالبان وهم ضباط حدوث عمليات الاختطاف وظروفها· وعن ذلك قال الملا عبدالرشيد: "قبل الهجوم أبلغنا قادتنا أن كل ما نستولي عليه سيكون لنا بمن فيه الناس والأرض"· وأضاف زميله عبدالصمد: "عندما استولينا على مدينة شيركات جمعنا رجالنا· وكنا 1500 رجل· وقررنا السماح لأنفسنا بنهب البيوت وبحمل ما نجمع الى كابول حتى الناس· ويؤكد اللاجئ سيف الدين وهو من سنجد دارا أنه عثر في جيوب أحد قتلى الطالبان على وثائق بتوقيع زعيم الحركة الملا محمد عمر وهي عبارة عن قسائم تخوله الحصول على أرض وعلى بيت وعلى امرأة· وأوضح هذا اللاجئ أنه أخذ الوثائق وخبأها في منزله الذي أحرقه طالبان في ما بعد·
والملا عمر هو الزعيم الديني للطالبان· وقد راوده حلم السيطرة على جميع الأراضي الأفغانية· وهدد السكان المحليين في المنطقة المحتلة بواسطة بيان وزعه مقاتلوه، يقول "باسم جلالة الملا محمد عمر الى جميع المسلمين في (سهل) شمالي (ثم يضيف بلغة فارسية سيئة) إن سكان هذه المنطقة سببوا كثيرا من الأذى للطالبان وأنه "لا يعقل أن تسيطر إمارة الطالبان الإسلامية على 90 في المئة من الأراضي وأن تبقى عشرة في المئة في أيدي مسعود"· ثم يضيف البيان منبها السكان "إنكم لم تتمردوا علينا إنما على الله وتعاليمه· وإذا استسلمتم ترتاحون من متاعبكم· وإذا لم تستسلموا عليكم أن تغادروا منازلكم· ومن يبق فسيتعرض لجميع عواقب خطأه"·
في الواقع، يواجه الطالبان في سهل شمالي مشكلة غير قابلة للحل· فحتى لو استطاعوا السيطرة عليه، تبقى غالبية السكان طاجيكية مثل القائد أحمد شاه مسعود، في حين أن الطالبان يتحدرون من القومية الباشتونية· والطاجيك الذين يؤيدون بقوة زعيمهم يشكلون رقما صعبا وتهديدا قويا·
والحرب بين الطالبان ومسعود كشفت من جديد انقساما أفغانيا تقليديا: إنه أنهت الخصومة بين الطائفة الباشتونية وهي الغالبة والأقليات الأخرى الطاجيك والأوزبك والهزار الشيعة تحديدا·
وفي شهر مايو الماضي، حمل تاجر هارب من كابول معه الى وادي بانشير كتابا تثقيفيا· وهذا الكتاب الأحمر المكتوب باللغة الباشتونية معروف جيدا في صفوف مقاتلي الطالبان في كابول كما في بيشاور· وهو يروي باعتباره عملا توثيقيا أصدرته منظمة تدعى منظمة الثقافة الأفغانية في ألمانيا، على ورق سيئ يروي زواية تقريبية عن أفغانستان مصحوبة بصورة مبهمة وبإحصاءات عن جرائم منسوبة الى أحمد شاه مسعود، وبمضامين تهدد سكان سهل شمالي ووادي بانشير· وحمل الغلاف صورة امرأة سافرة·
وقد علق عبدالعزيز منصور على الكتاب بقوله، إن الكاتب ويدعى سمسور أفغاني هو شخص مجهول· وربما لا يكون موجودا إنما مجرد اختراع لطالبان والاستخبارات الباكستانية·
ويقصد عنوان الكتاب وهو "السقّاء الثاني" أحمد شاه مسعود· وهو يرجع بهذا العنوان الى زعيم طاجيكي يدعى عبيد الله كالاكاني ظهر في بداية القرن وحمل اسم "السقاء" تدليلا على أصله المتواضع· وهذا الأخير هاجم كابول خلال تسعة شهور ثم لجأ الى سهل شمالي حيث أعدم·
في الصفحتين 170 و171 يقول الكتاب إنه "من أجل فرض النظام الدائم يجب على الحكومة الأفغانية أن تعثر على أراض في الجنوب حتى ترسل إليها سكان شمالي (··) والحكومة لها حق مطلق في نقل جميع سكان وادي بانشير الى الصحاري وأراضي الجنوب· وإسكان الباشتون مكانهم"·
فهل يكون اختفاء قسم من سكان هذا السهل جزءا من برنامج يرمي الى إفراغ المناطق المعادية من سكانها قبل الشروع في "بشتنة" هذه المناطق؟"
"لوموند"