ها هي قبل ثلاث سنوات، كانت أندونيسيا بلدا مقبولا باعتبارها نموذجا للاستقرار، النمو القوي و"النمر الصغير" الآسيوي برغم "فرط تمركز" السلطة المظاهر العسكرية للحكم الطويل جدا للجنرال سوهارتو والمحسوبية المتنامية للعائلة الرئاسية، وكان لها ذلك أيضا برغم أنها عاشت في مستوى أعلى من قدراتها لأن دينها الخارجي بلغ مئة مليار دولار·
منذ الاستقلال ، استطاع هذا الأرخبيل المؤلف من 17 ألف جزيرة كبيرة وصغيرة الممتد خمسة آلاف كيلو متر أن يحافظ على وحدته وإن كانت بثمن دموي· فالأيديولوجيا الغالبة استطاعت غرس فكرة الوحدة في النفوس وإن تصوغ ثقافة الإجماع القائمة على كثير من النجاحات·
ثم جاءت الأزمة الآسيوية عام 1997 حتى ترسم صورة مختلفة كثيرا لهذه البلاد التي قامت على انقاض الإمبراطورية الهولندية: فقد تطاير القطاع الحديث في الاقتصاد أشلاء في حين تقوّض نظام سوهارتو·
وكانت هناك ثلاثة أحداث كاشفة جدا، فقد عجزت جاكارتا عن وضع نهاية في عام 1997 لحرائق غطت البلدان المجاورة بغيوم كيميائية ملوثة، فقد تبين أن الإدارة عاجزة وغير مبالية في آن، والسلطة السياسية لم تتحرك·
في السنة التالية، أدت اضطرابات جاكارتا، التي كانت معرضة للتلاعب جزئيا، إلى مقتل مئات الأشخاص ممن انخرطوا في عملية نهب للأسواق المركزية المحروقة، وهؤلاء دمروا أحياء التجار الصينيين في العاصمة، وفي هذه الحالة شكلت الجالية الصينية المؤلفة من أغنياء إنما مواطنون من الدرجة الثانية، كبش محرقة لمأساة نهاية الحكم "السوهارتوي"
وأخيرا، في عام 1999، تبين أن أندونيسيا عاجزة عن تسوية قضية تيمور الشرقية، التي تشكل عبئا ما زالت تنوء تحته منذ الاحتلال القسري لهذه المنطقة عام 1975 وضمتها عام 1976 بعدما كانت أرضا برتغالية· وفي الحالات الثلاث، تعرضت صورة أندونيسيا لتشويه قوي·
في هذه الأيام تضرب الحيرة كثيرا من الأندونيسيين من اتجاهات مختلفة فهم يعيدون اكتشاف جيش منقسم ومتشدد في آن، كلي القدرة وضعيف الفعالية! لكنه يفرض قانونه·
هذا الجيش يعقد جميع الأمور، سواء كانت متصلة بحل سلمي للنزعة الانفصالية في منطقة إثنية أو في إدارة القضية التيمورية أو في المحافظة عموما على النظام العام الذي حمله مسؤوليتها الدستور·
حتى إن البعض تساءل عما إذا كانت الانتخابات العامة في السابع من يوليو، التي اعتبرت نقلة حاسمة نحو اشاعة الديمقراطية في النظام، مجرد معطى جديد بين معطيات أخرى، فجوهر السلطة لا ينبع إلا من انتخابات يحدد فيها الناخبون خياراتهم بكل حرية·
منذ الاستقالة الاضطرارية للجنرال سوهارتو في مايو من عام 1998، التي سماها المذكور تنحيا، ربما استنتج البعض بعجلة إن النقاش السياسي هو صراع بين نخبة النظام القديم المتمسك بمصالحه من جهة، وبين إصلاحيين من مختلف المنابت يحاولون تغيير الممارسات وخفض الفساد واستعادة الحريات· والاصلاحات كانت موضوعا ساخنا، لكن لم تعد كذلك اليوم فالتغيير يصطدم بأزمة حقيقية في المجتمع الذي انفتح منذ عام 1997 ·
انهار القطاع الحديث في الاقتصاد وأندونيسيا التي تؤوي 210 ملايين نسمة عادت إلى الموارد الطبيعية التي كانت ذات عائدات جيدة من قبل، والبيروقراطية ضخمة وغير فعالة في آن· والفساد لم يتلاش بعصا سحرية مع غياب سوهارتو: فهو ما زال، وباء والقوات المسلحة التي تعودت القمع طويلا، صارت مؤسسة تصعب إدارتها، وهي في الوقت نفسه غير مجهزة للتصدي لمشكلات مطروحة عليها وغير قادرة على العودة إلى ثكناتها، وفي كل مكان ما زالت المظاهر القديمة قائمة! شراء الأصوات والمراوحة بين استعمال القوة وإقامة المجتمع المدني والنقاش نادرا ما يكون مقبولا· أما العداوة للهيمنة الهولندية، وهي السلاح القوي بيد سوهارتو أبي الاستقلال، وبعدها تعود الأندونيسيين على قبضته الحديدية جعلا هؤلاء يتعايشون، لكن هل ما زال هؤلاء يرغبون في التعايش؟ وهل هم مستعدون باسم الوحدة لقبول قدر عال من التسامح يحتاج إليه التعدد الإثني والثقافي والديني؟ الأجوبة عن هذه الأسئلة غير مؤكدة لأنها تنطوي ضمنا على إعادة النظر في عقيدة الوحدة الأندونيسية وعلى طرق إدارة متباينة جذريا·
البعض يتحدث عن إقامة لامركزية حقيقية وتكوين سلطات موازية: فكل هذا كان مستبعدا طوال ثلاث سنوات باسم الوحدة، وربما كان في الوقت الحالي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على هذه الوحدة المهددة·
"لوموند"