· تحول الرمز إلى منهج أدبي ونقدي وأصبح المعيار الذي يمنح الشعرية
· رمزية الشعر جزء تكويني وترميز الرواية محسّن يجمّل الرؤية
· الرمز نفسي في الشعر وفكري في الرواية
كتب سليمان حسين:
كان الناقد الأدبي منذ أرسطو وأفلاطون مسلحا بقيم نقدية رسختها الخبرة الإنسانية عبر تراكم الزمن، وقد ورث الناقد المعاصر كما معرفيا هائلا سخره لخدمة النقد، يضاف إليه كم نقدي لا يقل أهمية ولا يقل حجما وعمقا عن الكم المعرفي، ورست في نظرية النقد هذه الخبرة، وأخذ الإنسان يوظفها في سبيل الوصول الى تحليل أدبي سليم وصحيح ولما كان الشعر الجنس الأدبي الأكثر حضورا في حضارة الإنسان الأدبية، فقد اختصت هذه القيم بتناول الشعر ونقده على الرغم من وجود أنواع أدبية أخرى، إلا أنها كانت تعتمد على الشعر في صوغ عالمها، وقد كان ظهور الجنس الأدبي (الرواية) نقطة تحول أدبي وفكري وفني كما كانت نتيجة للتحول الاجتماعي بين أيديولوجيتين: الإقطاعية والبرجوازية، وقد أدى هذا التحول الى ظهور مشكلة نقدية، إذ تسلح الناقد بالمقولات النقدية للشعر وأخذ يتعامل مع الرواية بها ومع تنامي الخبرة النقدية بدأ النقد يستشعر هذه القضية، ويبحث عن آفاق جديدة لنقد مناسب للجنس (الرواية)، وهذا ما دفعه الى ارتياد عوالم كثيرة قدمتها له الفلسفات الجديدة والمناهج النقدية والعلوم الإنسانية المختلفة·
طرائق الشعر·· طرائق الرواية
ولم تعد القيم النقدية الشعرية هي المعايير الوحيدة التي يقيس بها النقد أدبية الرواية، وأخذت المناهج النقدية السائدة تميز في دخلها بين طرائق تناول الشعر، وطرائق تناول الرواية، فالتناول السيكلوجي مثلا للشعر - على الرغم من أنه يعتمد على نظريات علم النفس الشهيرة من الفرويدية التقليدية الى ما ابتدعه أتباعها من رؤى وأفكار - يختلف عن التناول السيكلوجي للرواية، وهو أيضا يعتمد في مرجعيته على النظريات السيكلوجية ذاتها، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمنهج البنيوي أو الدراسات اللسانية أو الاجتماعية الواقعية الأيديولوجية أو غير الأيديولوجية وتعد الدراسة في هذا الجانب على قدر كبير من الأهمية، لأنها تدخل في عمق نظرية الأدب وعمق النظرية النقدية المعاصرة، ولكن على الرغم من إمكانية التباين هذه، بين التناول النقدي للشعر والتناول النقدي للرواية، وإمكانية التباين الواضحة بين الرواية والشعر، فإن هناك عناوين عامة يمكن أن تتقاطع فيما بينها، فيمكن الحديث عن شعرية الرواية في مقابل الحديث عن الترعة القصصية في الشعر، والحديث عن رمزية الشعر في مقابل الحديث عن ترميز الرواية·
فحوى الرمز··· الترميز
تترد في مجال نقد الشعر مصطلحات ومقولات كثيرة يتلامح فيها معنى الرمز كانزياح الدلالة، وانتقالها وتحولها وتطورها عبر الشعر، واختزالها، وقد ساد الحديث عن بوادر (رمزية) بمعنى ما في البلاغة العربية التراثية فيما يتعلق بالمجاز والاستعارات والكنايات وإمكانات دلالية أخرى للغة الشعرية وقد تعمق هذا المفهوم عندما ظهر أبو تمام ودار حوله جدال كبير، بسبب ارتياده لمجالات تنزاح فيها اللغة لم تكن سائدة قبله، وعد أبو تمام خارجا على القانون الفني للأدب وخاصة فيما يتعلق بلغته الاستعارية (الرمزية)·
وبلغت القضية أوجها في الأدب المعاصر وتحول الرمز الى منهج أدبي ونقدي شكل هدفا أدبيا فنيا بل شكل الهدف الأسمى للأدب، وفي تصور آخر أصبح المعيار الأول وقد يكون الوحيد "في رأي بعض النقاد" الذي يمنح الشعر شعريته، ويمنحه انتماءه الى الأدب، ويحقق الوظيفة التي وجد من أجلها الشعر وهي في هذا المعنى وظيفة فنية صرف·
وقد قصرنا معنى الرمز على الشعر لتمييزه من ترميز الرواية، وقد استخدم الرمز مفهوما نفسيا "سيكلوجيا" خاصا بعلم النفس ودرس يونغ كثيرا من الرموز النفسية كرموز الألوان والأشياء والأدوات ورموز الأحلام الفرويدية، ورموز المكان ومحتوياته ولكن هذا يختلف عن مفهومنا للرمز الشعري، وإن يكن يلتقي معه بأن الشعر يستعمل هذه الرموز ويوظفها صوى دلالية يتكئ عليها في أدائه الشعري وفي توصيله، فالرمز السيكلوجي رمز توصيلي في جانب وفي جانب آخر تعبيري وفق مستوى أقل عمقا من الرمز الشعري الذي قد ينصهر بالرمز السيكلوجي ويقدم رمزا شعريا أكثر عمقا وقدرة ودلالة ويقدم رؤى وتصورات وإيحاءات وعوالم تخيلية مبدعة· فالرمز في الشعر عملية شعرية راقية تتعلق بارتياد عوالم غير واقعية للمعنى، عوالم شديدة العمق، متباعدة الترابطات فيما بين مكوناتها، ولكنها في الوقت نفسه مترابطة أشد الترابط في العلاقات اللغوية والدلالية الجديدة، ففي حين نحكم على الرمز في ظاهره اللغوي والدلالي بعدم الترابط وعدم التجانس، وبالافتقار الى المنطق الواقعي، والمنطق الصوري، يقدم لنا الرمز نفسه في العمق اللغوي والدلالي مترابطا متجانسا يملك منطقه الرمزي اللغوي الدلالي المعنوي الفني الخاص الى جانب شحنات من الأفكار والمعادلات النفسية والشعورية·
أما الترميز، فهو عملية أقل عمقا دلاليا، وفيها يقوم الروائي بمحورة قضية من القضايا أو شخصية من الشخصيات، أو موضوع من الموضوعات، فهناك ترميز القضية أو ترميز الموضوع أو ترميز الشخصية، ولكن حديثنا عن رمز شعري وترميز روائي لا يعني الفصل التام والعزل المفهومي القطعي ولكن قد يكون هناك "رمز" روائي و"ترميز" شعري أو تداخل ذو مستوى معين بينهما·
ولكي تكون المفاهيم واضحة يمكن أن نطرح بعض الأمثلة على كل من المفهومين: الرمز والترميز وانتماء كل منها الى جنسه الأدبي·
جحيمية بودلير·· رمزية التراث
في مجال الرمز الشعري الصرف، المغرق في ذاتيته وفي السوريالية والغموض والتنافر الدلالي والانزياح يمكن أن نتحدث عن رمزية بودلير الشاعر الفرنسي المعروف بعوالمه الجحيمية المتنافرة التي توحي بأن الشعر يتنفس ليس من رئتيه وإنما من خاصرته ومن كل منفذ في جسده الرمزي·
وفي مجال آخر يمكن أن نذكر بعض الرموز كرمز الزمن والدهر في الشعر العربي لدى الشاعر العربي التراثي ورمز المكان والطلل ورمز الوطن عند شعراء عصر النهضة العربية الحديثة وما بعده ورمزية الأرض والمرأة، ورمز المومس العمياء عند السيّاب مثلا ورمزية الحب والموطن والجنس عند نزار قباني ويضاف الى ذلك الرمز البلاغي إذا صحت العبارة لدى شعراء التراث ولدى أبي تمام على وجه التحديد وإذا أردنا أن نعمق أكثر بحثنا عن رمزية التراث نفسه في شعر الشاعر العربي المعاصر ففي حين نجد مثلا الشاعر أدونيس يسعى سعيا حثيثا وراء المفردة التراثية في شعره نجد له موقفا آخر في نقده من التراث قد لا يكون في العمق مغايرا لموقفه الشعري، وكذلك الأمر عند درويش في رموزه الحضارية التي تنزع دوما الى الرمي الى الوراء الحضاري للإنسان والعودة الى الأوليات التاريخية الأوليات الشعورية والبراءة العاطفية الزمنية الأولى لحضارة الإنسان التي تميزها عذرية العاطفة ونقاؤها·
تناصّ مع التراث
أما إذا انتقلنا الى الترميز الروائي فيطالعنا ترميز الزمن عند الروائي الفرنسي مارسيل بروست في روايته البحث عن الزمن المفقود، وهذا الترميز ليس غائبا عن الرواية العربية التي كان همها الأكبر ترميز الزمن الحضاري العربي والانتقال بين زمن الخروج من التاريخ والبحث عن الوجود في الزمن الى الانتماء الى التاريخ والاندراج في مسيرته الفاعلة على المستوى الحضاري، وهذه المسألة تحيلنا الى ما تحدثنا فيه قبل قليل من الأسطر حول رمزية التراث، فالرواية أيضا كان لها نصيب كبيرا جدا من التعامل مع التراث كيف لا، وهي التي كانت في محاولاتها الأولى تنزع منزعا تراثيا وتنسج على منوال التراث كما في حديث عيسى بن هشام للمويلحي وقد نشب صراع حاد حول وجود مثل هذا الجنس الأدبي في التراث العربي ولم يزل الحديث فيه يتفجر بين حين وآخر كلما حانت مناسبة، وفي هذا السياق نجد الرواية العربية الحديثة، بعد أن استقرت وأخذت مجراها الاجتماعي والأدبي وتآخت بحنو مع الأدب العربي الحديث، بدأت تعود لتتناص مع التراث وتستقي منه بسقاء حديث وهو ما فعله جمال الغيطاني في كثير من رواياته ولا نقصد بالعودة الى التراث "الرواية التاريخية أو التأريخية"، ولا نخرج عن السياق نفسه عندما نتحدث عن ترميز العلاقات الحضارية في الرواية وما نقصده بالعلاقات الحضارية هو العلاقة بين الذات والآخر في المستوى الحضاري وصور هذه العلاقة وتصورها وقد تجلى ذلك في رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم ورواية "موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح ثم في "رواية" يوسف إدريس "نيويورك 80" والجميع يلجأ الى ترميز العلاقات الحضارية بين العرب والغرب وجعلها رمزا روائيا ذا أبعاد "أيديوأدبية" أي أيديولوجية أدبية··
رمزية المكان
ويجب ألا تغيب عنا الترميزات الأخرى كرمزية المكان في الرواية وهي رمزية أو ترميز مهم اهتم به الروائيون العرب وغيرهم فظهرت أنواع كثيرة من الرموز ومن الدلالات الترميزية للمكان، شكل المكان فيها رمزا إيجابيا في كثير من الأحيان كما وجدناه مثلا عند جبرا إبراهيم جبرا ورمز الصخر والكنائس والأبنية فالصخرة لديه ترمز الحلم الإنساني في اللذة والاستقرار وترتبط بالماء وهو رمز مكاني أيضا لتشكل الحياة "صخر وماء"، وفي الوقت نفسه شكل المكان ترميزا سلبيا كالمعتقل والأحياء القذرة وهو ما نجده كثيرا في الرواية العربية خاصة تلك التي تناولت موضوع السجن عامة والسجن السياسي ويكفي هنا من الأدلة أن نذكر كتابا ألفه "سمر روحي الفيصل" بعنوان "السجن السياسي في الرواية العربية" وهو المكان الأكثر سلبية وظهر هذا المكان "الرمز" في الروايات التي تتحدث عن فترة الاستعمار الغربي في الأقطار العربية وعن القضية الفلسطينية· وهذا يستدعي بالضرورة ترميز الوطن ونرى ذلك حاضرا حضورا كبيرا في رواية الفلسطيني الذي افتقد هذا الرمز على المستوى الواقعي فجعله رمزا أدبيا ذا محمولات شعورية وفكرية خاصة درست كثيرا، وقد تكون الدراسات الترميزية للرواية قليلة إذا ما قيست بغيرها من الدراسات الأخرى كالدراسات الأيديولوجية والسيكلوجية أو دراسات الموضوع أو العرض أو التأصيل أو التطور·
أولاد حارتنا
وأوضح مثال على الدراسة الرمزية هو كتاب جورج طرابيشي "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية" الذي ركز فيه على رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" ووضح فيه مرموزات الكاتب وأهم المرموزات هي رموز الشخصيات بل إن الهدف الدلالي والأيديولوجي للرواية هو في ترميز الشخصيات ويستنتج طرابيشي دلالات الرموز من موازاة هذه الرموز وفحصها في ضوء التاريخ الديني والدلالات الدينية ويبدو أن مخطط نجيب محفوظ في رموزه واضح في جانب ومدروس منذ البداية من جانب آخر وهو في متناول الناقد الحصيف، ويبدو كذلك أن تحليل الطرابيشي لرموز "أولاد حارتنا" نال قبولا ورضا شديدا لدى نجيب محفوظ الذي أرسل رسالة الى جورج طرابيشي يثني عليه ويؤكد ما توصل إليه من نتائج حول رموز الشخصيات، وقد أثبت الطرابيشي هذه الرسالة في مقدمة كتابه، وقد لخص فهمه لرمزية بل لترميز "أولاد حارتنا" بقوله: "ما أراده محفوظ في أولاد حارتنا هو أن يعيد كتابة تاريخ البشرية منذ أن وجد في الكون الإنسان الأول، وهذا لا يعني بالطبع أن محفوظا استحال الى مجرد مؤرخ، فهو يظل في أولاد حارتنا كما في الكثير من أعماله الأخرى روائيا مؤرخا، والفارق بين المؤرخ والروائي المؤرخ كبير·· وكل ما هنالك أن العالم الذي يقدم لنا المؤرخ هو عالم موضوعي، تتحدد موضوعيته بمدى رغبة التاريخ في أن يكون علما، في حين أن العالم الذي يقدمه لنا الروائي هو عالم ذاتي وذلك بمقدار طموح الرواية - حتى ولو كانت مادتها تاريخية - الى أن تكون فنا·
فروق تكوينية ووظيفية ودلالية
وفي المحصلة فإن هناك فروقا تكوينية وفروقا وظيفية وفروقا دلالية بين رمزية الشعر وترميز الرواية، استطعنا أن نهتدي الى ما يأتي منها:
1 - إن رمزية الشعر جزء تكويني من الداخل تدخل في العناصر الأولية للشعر تصبح هي الشعر عندما تنجز وتقدم ملفوظا لغويا أو منطوقا أو مكتوبا، في حين أن ترميز الرواية محسن مساعد يساعد في تجميل رؤيتنا لعالم الواقع وللعالم الروائي وهو يوصف بأنه خارجي من العناصر التكميلية في كثير من الأحيان·
2 - الرمز قدرة شعرية تؤدي وظيفة ارتقائية بالشعر والترميز في الرواية تقنية تجميلية للاعتلاء على نثرية الواقع المملة·
3 - الرمز الشعري يعتمد اللغة بما تتكون منه من عناصر أولية صرف ويعتمد اللغة المكثفة والمحسنات البلاغية التقليدية أو الموحية، أما الترميز الروائي فيعتمد الدلالة والفكر ويلجأ أحيانا الى الترميز اللغوي الشعري، غير أن شعرية الرواية مختلفة عن شعرية الشعر·
4 - الرمز نفسي في أكثر الأحيان في الشعر، فكري في أكثر الأحيان في الرواية، أي أنه لغوي في الشعر يبحث عن دلالة سيكلوجية، دلالي في الرواية يبحث عن فكر أية دلالة أيديولوجية·
وختاما نقول: إننا هنا في هذه الورقة التي قدمناها حول الرمز والترميز لسنا إلا في مقدمة أولى للدخول الى عالم أرحب يوضح معالم الرمز والترميز بشكل أكثر دقة وتفصيلا ونتمنى أن تكون لنا فرصة أخرى تسمح لنا بالاستفاضة والإيغال في عوالم أعمق، لأن حق هذا البحث المهم والدقيق أن يفصل فيه بعمق، ونتمنى أن نكون قد قاربنا الدقة في ما عرضناه·