· فريدمان ذهب بعيداً·· بل ذهب بعيداً جداً· ففي إطار صياغته لنظام عالمي جديد، هو نظام العولمة، استطاع بقدرة هائلة أن يتوصل إلى قاعدة جديدة في العلاقات الدولية· تقول القاعدة أن الشعوب التي تتناول شطائر ماكدونالدز وتفتح فروعاً في مختلف مدنها وقراها، شعوب لن تدخل حروباً ضد بعضها البعض، ولن تلجأ إلى العنف في تسوية خلافاتها ونزاعاتها
· أمريكا لم تعد في حاجة لأن تحتل دولة أخرى بالقوة العسكرية·· فالاحتلال حادث فعلاً بالثقافة والتجارة والاقتصاد والتكنولوجيا وبمنظومة القيم· ومن يقاوم أو يعاند أو يتمرد فسيتعرض لما تعرضت له أندونيسيا وماليزيا وتايلاند والهند عندما انطلقت كلاب الصيد تهتك سمعتها وتكالب عليها القطيع الإلكتروني مغتصباً ثرواتها، مستخدماً قوة صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية
جميل مطر**
"امش في أي شارع من أي مدينة من مدن عالم الجنوب·· ستقابل في الشارع كثيرات مثل - شاكنوكيات فتيا كوانكون - وهي سيدة عمرها أربعون عاما من أصل صيني تبيع سجائر وعجائن صينية مسلوقة في شارع "وايرليس" في قلب مدينة بانجكوك· توقفت عندها مع مترجم من مكتب نيويورك تايمس في يوم من أيام الأسبوع الذي قررت فيه الحكومة التايلاندية إغلاق جميع المصارف والبنوك·· أردت وقتها معرفة رد فعل الشارع التايلاندي للأزمة· سألتها عن حال البيع·· قالت·· انخفض اليوم بنسبة %50-40· سألتها إن كانت سمعت بجورج سوروس، الرجل المتهم بأنه وراء أزمات آسيا·· هزت رأسها بالنفي·· قلت: دعيني أسألك هل تعرفين ما هو سوق المال؟ أجابت بدون تردد: أملك أسهما في بنك بانجوك وبنك آسيا·· ونظرت الى قدميها فوجدتهما حافيتين"·
يقول فريدمان في هذه القصة أن السيدة حافية القدمين بائعة السجائر وملايين من أمثالها في مدن الصفيح وشوارعه وأزقة الفقر قد انضمت الى مسيرة العولمة· لقد اشترت أسهما وصارت شريكة في سوق المال· ثم يقول في معرض تأكيده على أن إسرائيل دولة متقدمة ومتعولمة، بل وأكثرمن ذلك، هي دولة من دول ماكدونالدز، وهو التعبير الذي اختاره ليصف الدول التي انضمت لمسيرة العولمة نسبة الى مطاعم ماكدونالدز التي تقدم "الهامبورجر" وتنتشر فروعها في مئات المدن في العالم، يقول إن فندق هيلتون في تل أبيب افتتح حديثا مطعا يابانيا، ولم يفتح مطعما عربيا، اختار العولمة وفضلها على غيرها· ويضيف فريدمان أن مارتين أنديك مساعد الوزيرة أولبرايت - وكان وقتها سفيرا في إسرائيل - دعي ذات يوم للمشاركة في افتتاح فرع جديد لمطاعم ماكدونالدز، فظنه أحد الأطفال - الفرحين المبتهجين بماكدونالدز - رئيس الشركة وطلب منه توقيعه، وعندما أخبره أحد الواقفين أنه انديك سفير أمريكا وليس صاحب ماكدونالدز سحب الطفل الورقة وامتنع عن الحصول على توقيع السفير الأمريكي·
كل الناس، في كل الدنيا، جاهزون ومستعدون·
"في شتاء 1995 قمت بزيارة لهانوي· كنت أمشي كل صباح حول المعابد البوذية المنتشرة حول بحيرة هوان كييم في قلب هانوي· وكل صباح كنت أتوقف لأزور سيدة فيتنامية قليلة الحجم مستلقية على الرصيف وبجانبها ميزان حمام لقياس الوزن· وكانت السيدة تعرض على المارين وزن أنفسهم مقابل مبلغ صغير· وكنت أدفع لها كل صباح دولارا وأزن نفسي· لم أفعل ذلك لأنني كنت أريد مراقبة وزني·· لا··· إنما كنت أساهم في عملية عولمة فيتنام!!·· لقد كانت هذه المرأة بالنسبة لي نموذجا لإحدى أهم قيم عصر العولمة·· إذا كان في حوزتك أي شيء كبير أو صغير بعه، أو بدله أو أجره، أو افعل به أي شيء لتحصل على ربح· وتدخل في اللعبة·· لعبة العولمة"·
ولم أفهم لماذا، وبدون مقدمات يأتي على ذكر نجل جهاد الوزير المعروف باسم أبو جهاد والذي اغتاله الإسرائيليون في تونس، والشائع أن باراك كان قائدا لعملية الاغتيال التي تمت في حي المرسى بشمال شرقي تونس العاصمة· يقول فريدمان أن ابن أبو جهاد يحتل الآن منصب المدير العام لمركز التجارة العالمي في غزة· يريد أن يقول، أو على الأقل أتصور أنه يريد أن يقول، أن الأب والابن نقيضان يمثلان قيما مختلفة، أحدهما كان يمثل قيما متخلفة والآخر يمثل قيم العصر، أي قيم العولمة، وأن التغيير لم يستغرق أكثر من جيل واحد· كذلك لم أفهم بالدقة مغزى الحديث الذي تبادله مع الأمير طلال بن عبدالعزيز وعلاقة هذا الحديث بالعولمة· فقد قال الأمير طلال إن السيدات (العربيات) يقدن الإبل ويسافرن بالليل مع الرجال ويتساءل ما الفرق بين السيارات والإبل؟·· إننا نريد أن نستغني عن 100.000 سائق أجنبي ونوفر أجورهم· وفي رواية أخرى عن إيران حاول فريدمان أن يكون خفيف الظل مسليا فيقول إنه يوم ينتهي النفط في إيران سيظهر فيها آية الله جورباتشوف وبرفقته رونالد ماكدونالدز!!· ولكني أستطيع أن أفهم قصة الأردني، وهو مثقف متميز قابل فريدمان في عمان فقال له مبتهجا: اليوم انضمت عمان الى قائمة العواصم التي تبث الـ CNN درجات الحرارة فيها·· المهم عندنا - يقول المثقف الأردني - أن نكون على خريطة مؤسسات العولمة·
وتتوالى قصص فريدمان، بلاهات عن العولمة والمتعولمين، فهو يورد أحيانا روايات قصيرة من نوع قصة زواج في الكويت بين شاب من أصول سنية وفتاة من أصول شيعية بعد أن التقيا على شاشة الانترنت، أو من نوع قصة فشل بنك كويتي في إرساء عطاء عليه بعد أن دخل في منافسة مع بنك أمريكي في ماريلاند· واعتبر هذا الحادث معجزة من معجزات العولمة· ومن نوع قصة الفتاة القطرية التي أسرت إليه بأنها تكتب لموقع على شبكة الإنترنت عن أحوال بلدها، وحكومتها لا تعرف·· هذه أيضا معجزة·
وكالعادة وجد فريدمان فرصته من خلال هذه القصة للإساءة الى العرب وتمجيد الإسرائيليين· فهو يحكي حكاية المرشد السياحي السوري الذي أفضى هو الآخر بسره الى سائحين أمريكيين· قال إنه:
"·· يشاهد تليفزيون إسرائيل ليرى إعلانا عن اللبن الزبادي المتعدد الأنواع والألوان والمخلوط بالفواكه·· واصطحب السائحين ليشاهدوا كيف أن اللبن الزبادي السوري "أسود وأبيض فقط"، وأن ندف الذرة (الكورن فليكس) السورية تذوب بمجرد وضعها في اللبن الحليب بينما الإسرائيلية مثل الأمريكية تبقى مقرمشة·
ثم نقل فريدمان عن المرشد السياحي قوله: "المؤلم أننا متخلفون عن الإسرائيليين مائة سنة، رغم أنهم حديثو العهد···"· ومن سوريا ينتقل الى الأردن مرة أخرى، فقد ذهب ذات يوم الى المقهى الالكتروني، وهو محل يجمع بين المقهى والمكتبة والإنترنت ويقع في قلب عمان القديمة· دعاه صاحب المقهى ليتناول فطيرة موز بالقشطة، وهي فطيرة كانت تخبزها خصيصا للمقهى زوجة نائب السفير الإسرائيلي في عمان· التهمها فريدمان وقال لصاحب المقهى إنه وقع في حبها، حب الفطيرة، وفاجأه صاحب المقهى بالقول بأنه تلقى تهديدات بسبب هذه الفطيرة من الأصوليين الإسلاميين· وبذلك توصل فريدمان الى أن أعداء العولمة ما زالوا يقاومون، ولكنها المقاومة اليائسة·
ومن الأردن الى إسرائيل حيث يقول فريدمان أن إسرائيل كانت دائما قابلة لتقديم تنازلات تحت الضغوط الأمريكية والأردن لأنها كانت تنتج محاصيل تقليدية مثل البرتقال· كان يمكن لأي دولة أوروبية أن تضغط عليها بالامتناع عن شراء البرتقال الإسرائيلي وشرائه من المغرب أو أسبانيا· ولكن منذ أن تحولت إسرائيل الى إنتاج واستخدام تكنولوجيا لا تستغني عنها معامل ومصانع وادي السليكون فقد دخلت عصر العولمة ورفعت عنها الضغوط، وهو الدخول الذي اكتمل عندما استقبلت فروعا لمطاعم ماكدونالدز!!
لا نقرأ كتابا أو مقالا عن العولمة إلا ومطاعم ماكدونالد موضوع بارز من موضوعات الكتاب أو المقال· ماكدونالدز هو الرمز، رمز العولمة، وبخاصة العولمة الثقافية، وهو في نفس الوقت رمز عبثيات العولمة، أو حسب رأيي رمز نفايات الثقافة الأمريكية الأكثر شيوعا واستقبالا في العالم· وتكشف معظم الكتابات الأمريكية عن أن ازدواجية الرمز عند ماكدونالدز تسبب للمؤلفين ومتابعي شؤون العولمة حرجا شديدا· فريدمان نفسه يبرز في هذا الكتاب مدى الحرج الذي يجد نفسه فيه عندما يتحدث تارة عن ماكدونالدز كرمز للعولمة يتفوق على الإنترنت، وهو الأداة أو الممارسة أو الاختراع الذي أعتقد أنه فعلا يرمز أكثر من غيره الى مدى اندماج دولة من الدول في نظام العولمة، إن صح أن العولمة نظام دولي· ومع ذلك فمن بين قصص متعددة يشعر القارئ أن فريدمان يستحي من كثرة ترديده أن ماكدونالدز وشقيقاته مثل تاكوبيل وهارد روك ودجاج كنتاكي المقلي وأفلام ميكي ماوس تمثل ثقافة أمريكا لدى الناس العاديين في كل دول العالم، بما فيها شعوب العالم المتقدم مثل فرنسا وألمانيا وغيرها من دول أوروبا·
يتضح هذا الارتباك الفكري عند فريدمان عندما يكتب عن قضايا استراتيجية عالمية مهمة، فإذا به يقول إنه "لا عولمة بدون هيمنة عسكرية··ولا هيمنة عسكرية بدون ماكدونالدز·· ولا ماكدونالدز بدون ماكدونيل دوجلاس ولا عولمة اقتصادية بدون ثقافة شعبية (أي بدون ماكدونالدز ومايكل جاكسون)· وينقل بحماسة شديدة عن بنيامين باربر مؤلف كتاب "الجهاد في مواجهة عالم ماك" الكثير من العبر عن ماكدونالدز وتأثيره في ثقافات وتقاليد وسلوكيات الشعوب الأخرى· مثل روايته التي يقول فيها إن أحد زعماء الإصلاح الاقتصادي في أندونيسيا ذكر له أنه وابنه يكرهان سوهارتو الى درجة أنهما ينتقمان منه مرة كل أسبوع عندما يقرران الذهاب الى ماكدونالدز لتناول زوج من شطائر الهامبورجر·
ويحكي أنه عندما كان في زيارة لجاكرتا سأل أحد المارة عن عنوان معين فجاءه الرد "بعد أن تصل الى محل أرماني اتجه صوب هارد روك ثم الى اليمين عند مطعم ماكدونالدز وبجواره ستجد ضالتك"· وتفخيما لدور هذه النفايات الثقافية الأمريكية يقول إنه لولا مطعم تاكوبيل الأمريكي المقام على كورنيش مدينة الدوحة، وهو أحد أهم معالم دولة قطر، لقام محله الآن كشك لشواء اللحم تتردد عليه الحشرات والذباب وتتزاحم·
ولا يختلف فريدمان كثيرا عن أمريكيين آخرين كتبوا هذه البلاهات، وخاصة ما كتبه أحدهم يقول إن اليابانيين تعلموا أن يتناولوا طعامهم وقوفا كالأمريكيين خلافا لتقاليد عمرها آلاف السنين، لا لشيء إلا لأن ماكدونالدز فرض عليهم تناول الطعام وقوفا وبسرعة· ويقول إن الصينيين تعلموا أن يقفوا في صف صابرين في انتظار دورهم وهم الذين لم يحترموا الوقوف صفا واحدا في كل تاريخهم· ويقول باربر إن الصينيين أصبحوا ولأول مرة في حياتهم نظيفين ومرتبين، فقد علمهم ماكدونالدز أن يلقوا بأكياس الشطائر والبطاطس ونفايات الطعام في صندوق نفايات وليس على الأرض كما يفعلون في المطاعم الصينية·
ولكن فريدمان ذهب بعيدا·· بل ذهب بعيدا جدا· ففي إطار صياغته لنظام عالمي جديد، هو نظام العولمة، استطاع بقدرة هائلة أن يتوصل الى قاعدة جديدة في العلاقات الدولية· تقول القاعدة إن الشعوب التي تتناول شطائر ماكدونالدز وتفتح لبيعها فروعا في مختلف مدنها وقراها، شعوب لن تدخل حروبا ضد بعضها البعض، ولن تلجأ الى العنف في تسوية خلافاتها ونزاعاتها·
"فالشعوب التي تقف في طوابير في صبر، وفي النهاية تصل الى هدفها وتجد حاجتها من الشطائر·· شعوب لن تلجأ الى العنف"·· الى هذا الحد تدنى مستوى التوعية بالعولمة، والى هذا الحد بلغ استخفاف بعض مبشري العولمة بالشعوب الأخرى، وبالقراء أو المتعلمين فيها· ولن يصدق القارئ إذا قلت له إن فريدمان يقدم في كتابه نظرية جديدة في تسوية الصراعات الدولية أطلق عليها اسم "نظرية الأقواس الذهبية لتسوية النزاعات"· والأقواس الذهبية هي العلامة التجارية لشركة مطاعم ماكدونالدز·
مرة أخرى أقول إن ما صرح به الوزير المصري يوسف بطرس غالي لتوماس فريدمان عن العولمة والديماجوجية ينطبق على ما يكتبه بعض خصوم العولمة· الديماجوجية ليست قاصرة على الخصوم، والدليل هو هذه القصص البلهاء التي حفل بها كتاب فريدمان، فجعلته كتابا يستحق القراءة، ليس فقط لأنه يسلي، ولكن أيضا لأنه يثقف بتقديمه البلاهات في صورة أيديولوجية جديدة· أيديولوجية العولمة·
اللكزس وشجرة الزيتون، عنوان غريب اختاره توماس فريدمان لكتابه المثير، واللكزس هي السيارة اليابانية الفاخرة والمتقدمة تكنولوجيا الى الحد الذي صارت به مضرب المثل أو النموذج بالنسبة لصناعة السيارات الفاخرة· وفي هذا الكتاب ترمز اللكزس لعالم العولمة، أو بدقة أشد، ترمز للعالم المتعولم - بينما ترمز شجرة الزيتون لعالم غير متعولم، وهو في الوقت نفسه - حسب منطق فريدمان وأمثاله - عالم متخلف ثقافيا واقتصاديا وتكنولوجيا وسياسيا، أما كيف جادت المقارنة بين السيارة اليابانية وشجرة الزيتون فلهذا أيضا قصة:
"في زيارة لطوكيو استضافني مصنع سيارات لكزس المقام خارج مدينة تويوتا·· والمصنع ينتج 300 سيارة في اليوم يشترك في إنتاجها 66 إنسانا بشريا، و310 إنسان آلي· الإنسان الآلي يعمل كل شيء، أما البشرى فوظيفته مراقبة الجودة· وكان هناك إنسان آلي في شكل سيارة نقل، ينقل القطع اللازمة لصنع السيارة الى إنسان آلي يعمل على تجميعها، ويصدر الإنسان الآلي الناقل أصوات تنبيه إذا شعر باقتراب إنسان بشري من طريقه"·
ويستطرد:
"وبعد الزيارة عدت في القطار - الرصاصة· وهو فعلا يستحق هذا الاسم· فهو في شكله يشبه الرصاصة وفي سرعته التي تتجاوز 330 كيلو مترا/ الساعة يشبه الرصاصة· وفي القطار قرأت في الهيرالدتربيون نبأ عن مشكلة تسببت فيها المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية حين تطوعت بإعلان موقف أمريكي جديد بالنسبة لأحد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 يتعلق بقضية فلسطين· فثارت ثائرة الإسرائيليين والعرب على حد سواء· قارنت رغما عني بين مجتمع ينتج أقوى وأفخر سيارة في العالم باستخدام إنسان آلي وقطار يسير بسرعة 330 كيلو مترا في الساعة وبين أصدقائي العرب والإسرائيليين الذين يتقاتلون على شجرة زيتون هنا أو شجرة زيتون هناك·
هكذا بدأت قصة الكتاب، أو قصة عنوان الكتاب·
لا مكان في المستقبل لشجرة الزيتون، فالسيارة اللكزس ستصطدم بها حتما، وتقتلعها من جذورها· هكذا تصور فريدمان نتيجة السابق بين شيء ساكن قديم وشيء متحرك جديد· شتان بين قوة صمود الساكن القديم وقوة هجوم المتحرك الجديد· ولن يتنازل القديم بسهولة ولن يستسلم بسرعة، ولكنه لن ينتصر· وبالفعل يدور معظم الحوار العالمي عن العولمة حول هذه النقطة· وتوجد الآن نقاط اتفاق أكثر مما توجد نقاط خلاف بين مختلف أطراف الحوار· لا يختلف أحد على أن الجولة الراهنة من جولات العولمة، إن صح أنها تحدث على جولات، لا تقل وحشية عن الجولة الأولى التي جرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر· فالضحايا كثرت· في الجولتين حدث تطهير عرقي وحروب أهلية على أوسع نطاق· ويبدو أن هناك صلة تكاد تكون حتمية بين العولمة وتصاعد النزاعات العرقية والدينية· وهذا يمكن فهمه بسبب الصدمات التي تتلقاها مشاعر الهوية والانتماء خلال عمليات العولمة·
وفي الجولتين حدث "توحش" في الممارسة الرأسمالية· وهو ما تشهد عليه بوضوح وتدفع ثمنه قطاعات واسعة من الشعوب سواء في العالم المتقدم اقصتاديا أم في العالم النامي· وقد تذكرت وأنا أقرأ فريدمان ما سطرحه جلال أمين على صفحات هذه المجلة عندما جاء على ذكر شومبيتر، وزير مالية النمسا الأسبق، والأستاذ في مدرسة الإدارة في هارفارد، الذي كتب يقول إن جوهر الرزسمالية هو عملية "التدمير الخلاق"· دورة دائمة لتدمير القديم والمنتج الأقل كفاءة وإحلال ما هو أكثر كفاءة· وأشار فريدمان الى شومبيتر ولكن ليقول إن الشعوب التي ستعتمد على حكوماتها لتخفيف آثار تدمير القديم، ستتخلف عن ركب التقدم، وتصبح خارجة متمردة على النظام الدولي الجديد، نظام العولمة، ولكنه يعترف بقسوة ووحشية الرأسمالية في بعض مراحلها لدرجة أنه استخدم تعبيرا مألوفا عن الرأسمالية خلاصته أنها "كبائعة الهوى موجودة منذ القدم··· تؤدي وظائفها، ولكن بدون قلب"·
ومن الضحايا أيضا هذه الأغلبية في الشعوب التي تعاني بسبب الفجوة المتسعة باستمرار بين الأغنياء والفقراء· وباعتبار الولايات المتحدة نموذج العولمة لتصبح احصاءاتها في هذا الشأن جديرة بالاهتمام· تقول هذه الإحصاءات إنه بين عام 1979 وعام 1990 انخفضت دخول أفقر %20 من عائلات أمريكا بنسبة عشرين في المائة، بينما ارتفعت دخول أغنى %20 من عائلات أمريكا بنسبة %30· وتقول الاحصاءات أيضا إنه في عام 1998 كان في أمريكا 170 مليارديرا بينما لم يكن عددهم في عام 1982 يزيد على 13 مليارديرا· ويقول تقرير أذاعه صدر الدين أغاخان رئيس صندوق بلريف المخصص لتتبع العولمة ودراستها هي وآثارها، إن ثروة بيل جيتس وحده بلغت في وقت من الأوقات ما يعادل مجموع صافي ثروات 106 ملايين مواطن أمريكي· أي ثلث السكان تقريبا·
والدولة ضحية من الضحايا، ولكن ينصح أنصار العولمة بأن الدولة يمكنها أن تستمر قائمة لو أنها عدلت من مواصفاتها واختصاصاتها ووظائفها· وتتوقف قدرتها على الاستمرار من عدمه على إجاباتها عن الأسئلة التالية: الى أي حد تقدمت على صعيد الكومبيوتر والاتصالات الداخلية والدولية واستخدام الإنترنت، وبأية درجة من السرعة تمارس مهامها، فالبطىء لا مكان له، وما هو حجم المعلومات التي تستطيع تجميعها وتصنيفها وإعادة إنتاجها وبيعها، وما هو وزنها؟ وما هي درجة انفتاحها، وما هي سمعتها المالية؟ فإذا كانت الإجابات مرضية عندها لن تجد الدولة صعوبة في أن تتحول هي نفسها الى شركة مساهمة، المساهمون فيها مواطنون عالميون وغير معروفين لبعضهم البعض·· ويتصرف الحكام كمديرين وليس كسياسيين، ويتحول المحللون السياسيون وأساتذة علم الياسة الى وظيفة أخرى أقرب ما تكون الى خبراء في تقييم الاستثمارات والئتمان، وستكون إحدى وظائف الدولة خدمة السوق، وإذا قصرت في أداء هذه الوظيفة·· ضمرت أو تطايرت·
مشكلة الدولة، أو أزمتها مع العولمة بدأت فعلا· وجميع الدول بدون استثناء تعاني وبخاصة دول الجنوب· ولا علاج لها عند أحد، ويقول فريدمان إنه قال ذات مرة لعماد الدين أديب رئيس تحرير جريدة العالم اليوم إنه يتمنى أحيانا لو أن قطار العولمة هدأ قليلا من سرعته لصالح الدول النامية· وأضاف أنه يعرف أن هذا مستحيل لسبب بسيط، وهو أن القطار بلا مقود· وتتعدد الاقتراحات - رغم عناد فريدمان، وبعضها يسرح بعيدا في الوهم أو الخيال منها النتبؤ بأن الدولة الواحدة لن تتمكن من مجابهة العولمة أو التصدي لاختراقاتها وخصوصا عندما يتعلق الأمر بنزاعات الأديان والطوائف والخلل الاقتصادي والاجتماعي والتوترات بكافة أنواعها· والحل المناسب عندئذ، هو أن تتجمع الدول فتشكل شركات عالمية متعدية الجنسية، وتحل بذلك محل المنظمات الإقليمية والدولية·وكما أن العولمة لا حدود لآفاقها فإن الأفكار والاقتراحات والتنبؤات التي تصدر في صفها أو ضدها كذلك·
وأظن أن أنصار العولمة في أمريكا، وربما بين مثقفين آخرين خارج أمريكا، لا يختلفون على أن العولمة في حالتها الراهنة أمركة ولا شيء آخر· وفريدمان أحد هؤلاء، اقرأ له يقول:
"ها نحن·· نحن الأمريكيين رسل العالم السريع، أعداء التقاليد، أنبياء الاقتصاد الحر، الكهنة الأعظم للتكنولوجيا الرقمية· نحن نعمل لتوسيع ونشر قيمنا ومطاعم بيتزا هت· نحن نريد العالم أن يقتفي أثرنا ويصبح ديمقراطيا ورأسماليا على شفتيه زجاجة بيبسي وميكروسوفت على جهازه الحاسوبي"·
هنا يستطيع الإنسان أن يفهم هذه الغطرسة التي يتصرف بها القادة السياسيون الأمريكيون عندما يتعاملون مع الحكومات والشعوب الأخرى· إذ إنه عندما تقول أولبرايت عن أمريكا "الأمة التي لا غنى عنها" ويقول آخر "لو لم توجد أمريكا لصنعتها العولمة·· على هذا الشكل وهذه المبادئ··" ويقول ثالث في معرض تهجمه على الدول الآسيوية "آسيويونا أقوى وأكفأ من آسيوييهم وقادرون على التغلب عليهم·· ويابانيونا أكفأ من يابانييهم· النصر والتفوق لنا دائما لأننا نستطيع أن نجلب الأكفأ في كل شعب· المواطنة عندنا في أمريكا رغبة، وليست ارثا كما في دول أخرى قديمة·
كذلك لا يخفى الأمريكيون من أنصار العولمة، رسميين ومحللين، اعتقادهم أن الأمركة هي الحل الوحيد لمشكلات أوروبا الراهنة· فالرأسمالية موجودة لدى أوروبا كما هي لدى أمريكا، لكن الاختلاف قائم في الممارسات والمؤسسات، وقائم أيضا في "إنسانية" بعض الرأسمالية الأوروبية· ويعترف فريدمان بأن أمريكا لم تعد في حاجة لأن تحتل دولة أخرى بالقوة العسكرية·· فالاحتلال حادث فعلا بالثقافة والتجارة والاقتصاد والتكنولوجيا وبمنظومة القيم· ومن يقاوم أو يعاند أو يتمرد فسيتعرض لما تعرضت له أندونيسيا وماليزيا وتايلاند والهند عندما انطلقت كلاب الصيد تهتك سمعتها وتكالب عليها القطيع الالكتروني مغتصبا ثرواتها مستخدما قوة صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية·
ولمزيد من الاستهزاء بالتجربة الآسيوية والاستهانة بكفاءة الآسيويين ينقل فريدمان عبارة ترددت أثناء الأزمة الآسيوية، وجاء فيها أن دول آسيا مثل سيارة بالغة القوة يقودها "حمار"· لم أستغرب استخدام فريدمان هذه العبارة· ففي كتابه كان تركيزه على الاقتصاد ووزارة الخزانة الأمريكية ورجال الأعمال وصندوق النقد الدولي وأسواق المال وهيئات الرقابة على المال· وأغفل، أو تجاهل الى حد كبير، الجوانب السياسية· لم يأت ذكر وزارة الخارجية الأمريكية، أو مجلس الأمن القومي، أو الكونجرس الأمريكي·
أما الثقافة فقد حظيت بتجاهل أقل، ولكن عندما تذكرها دار في أغلبها حول ثقافة الماكدونالدز ومثيلاته، أو جاء في عبارات معبأة بتعال ثقافي مثل العبارة عن آسيا والحمار·
أطلق كتاب فريدمان كغيره من الكتب التي تبشر بالعولمة تعميمات بلا حدود، واستنتاجات خارج السياق أو بالقسر، وأحكاما متحيزة ومتسرعة· ولكنه في كل الأحوال قدم موضوعا تتعدد فيه وجهات النظر، وتثار حوله أسئلة متعددة، هذا الى جانب أنه قدم الموضوع بعدوانية شديدة ودرجة عالية من الغطرسة· ولذلك يخرج القارئ من قراءة هذا الكتاب بأسئلة لم تجد أجوبة وأسئلة أثارتها قضايا طرحت في الكتاب ولم يكن المؤلف مقنعا بالدرجة الكافية·
من هذه الأسئلة وتلك قضية الحتمية· خصوصا بعد أن صارت الحتمية ملازمة للعولمة ونادرا ما افترقتا· ولا يتحدث المبشرون بالعولمة إلا ليؤكدوا أن المسألة محسومة· فلا صراع بين العولمة وأي بديل آخر· فالعولمة منتصرة وستستمر منتصرة· لأنه لا قوة تستطيع الصمود أمام تيارها الجارف· وعندما يثير المجادل قضية العلاقة المستحيلة بين حتمية العولمة والديمقراطية لا يجد إجابة مقنعة· فالعولمة إذا كانت حقا حتمية، لن يكون ممكنا قيام ديمقراطية حقيقية، لا لشيء إلا لأن الديمقراطية تعني رفض الحتميات· وكتاب فريدمان خير دليل على هذا التناقض في فكر·· أو في عقيدة·· العولمة، فالعولمة الاقتصادية حتمية وكذلك الديمقراطية، ولكن لا مجتمع ولا دولة في العالم مسموح لها أن تقدم بديلا للعولمة، أو ترفض أو تتقاعس عن مواصلة مسيرة العولمة·
من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل كثير من علماء العولمة، الكتابة في موضوع مستقبل النظام الرأسمالي· فقد صار لدينا نماذج متعددة للرأسمالية، والصراع الدولي الرئيسي المستتر أحيانا، والمعلن أحيانا أخرى، هو الصراع بين هذه النماذج، وليس بين الشمال والجنوب كما تصورنا في بداية هذا العقد، أو بين الحضارات وهو قائم فعلا ولكنه يتخلى بعض الوقت عن مكانته كصراع رئيسي لصالح صراع الرزسماليات· هنا القضية ستكون مدى نجاح الرأسمالية الأمريكية في فرض نموذجها على العالم الرزسمالي بأسره، أو مدى نجاح الرزسماليات الأخرى، كالرأسمالية "الإنسانية"، والرأسمالية "الموجهة" في المحافظة على تميزها· بل وإقناع أمريكا بالأخذ منها· وأظن أن ما يسمى بالطريق الثالث ليس أكثر من محاولة لتزويق الرأسماليات الشرسة باستعارة بعض ملامح الرأسمالية "الإنسانية"·
ويقلق الرأسماليون التقليديون من بعض ممارسات النموذج الرزسمالي الجديد· ففي أمريكا ينتشر ما يشبه الهوس بالاستثمار ولاسندات· والمعروف أن الميل للاستثمار في الأوراق المالية كان غالبا بمثابة طبيعة ثانية للفرد الأمريكي وبخاصة في طبقة الأثرياء· وقد أدى انغماس أفراد الطبقة الوسطى في أمريكا وعدد متزايد من المجتمعات في هذا النشاط "الرأسمالي" الى أن قطاعات متزايدة منهم أهملت واجباتها السياسية والمجتمعية كمواطنين· يردد التقليديون أن أهم مخاوفهم هي أن الرأسمالية سوف تخسر نتيجة هذه الزيادة المطردة في النشاط الاستثماري في الأوراق المالية "ثقافة الإنتاج"· يقولون إن الطبقة الوسطى، وهي أساس النظام الرأسمالي وقوته الدافعة تتخلى الآن عن وظيفتها الرأسمالية· فبسبب هوجة الاستثمار المالي فقد المستثمر علاقته الحميمة وذات المغزى برأس المال، ليس لأنها علاقة كان الإنتاج يلعب فيها دورا أساسيا ويكسبها معنى اجتماعيا ورسالة إنسانية ورأسمالية، ولكن أيضا لأن هذا المستثمر لم يعد يعرف بالضبط أين يجري تدوير رأس ماله في ساعة معينة ولا كيف ولا متى ولا من يتولى هذه المهمة· بينما كان يقوم بنفسه بهذه العمليات جميعا، أي أنه فقد صفته الرأسمالية·
كذلك ترك فيردمان، مثل غيره من مبشري العولمة، قضية عولمة الثقافة معلقة رغم ايماءات قوية - وأحيانا عدوانية - ضد الثقافات غير الأمريكية، أو غير الغربية أحيانا، وبخاصة الثقافات التي أطلق عليها تعبير ثقافات "شجرة الزيتون"· لم يذكر، أن الثقافة الغربية يوجد فيها كما يوجد في ثقافات أخرى، ما يسمى بقشور الثقافة وهو التعبير الذي استخدمه فوكوياما، وكان في الواقع أول من استخدمه، ليصف به حملات التبشير التي تعتمد على تعريف الثقافة الأمريكية بأنها "أكلات "ماكدونالدز ومشروبات الكولا وموسيقى الروك وأفلام هوليوود والرسوم المتحركة· فهذه الظواهر ليست قواعد أو قيما أخلاقية· ويقول فوكوياما أنها ليست من صلب الثقافة أو جوهرها ولا يصح اعتبارها ثقافة أمريكية· كاتب آخر جاء فريدمان على سيرته أطلق عليها تعبير نفاية الثقافة الأمريكية· وهو مصطلح يعبر عن مدى الضيق الذي يعاني منه مثقفون أمريكيون بسبب شيوع إطلاق تعبير الثقافة الأمريكية على هذه المنتجات الغذائية والترفيهية· ومع ذلك يأتي فريدمان في نهاية العقد، عقد "الأمركة الثقافية" ويصر على أن هذه الأكلات السريعة هي الثقافة الأمريكية، ويذهب الى حد القول - كما جاء في مكان آخر - أنه لا عولمة بدون ماكدونالدز، ولا ماكدونالدز بدون ماكدونل (ثاني أكبر شركات صناعة الطائرات الحربية والمدنية)· أي لا هيمنة أمريكية عسكرية واقتصادية، إلا ويسبقها غزو الثقافة الأمريكية·
ثم إن كثيرين من المبشرين بالعولمة لا يتحدثون عن تبادل التأثير الثقافي· فالعولمة ليست طريقا في اتجاه واحد، إلا إذا كانت هذه نية المبشرين، وهي بالفعل نية أكثرهم الذين يعتقدون أن العولمة تساوي الأمركة· أي طريق متجه من أمريكا نحو المجتمعات والثقافات الأخرى، ولا عودة فيه· الأخذ بهذا المنطق يعني أن الأمريكيين يقومون بعملية غزو ثقافي· والغزو المباشر ليس بالضرورة الإجراء الوحيد لنشر الثقافة الأمريكية أو ثقافة العولمة، فقد يحدث الغزو الثقافي بالاستدعاء، وأعني بذلك أن تقوم البيروقراطية والثقافة ومؤسساتها وعن طريق أفراد في القطيع الالكتروني وعملائهم بالبحث عن طرق تكفل تكثيف وتسريع دخول قشور الثقافة الأمريكية، أو نفاياتها· يساعد على عجلة الاستدعاء تدهور مكانة المثقف في المجتمع وانخفاض مستوى معيشته وتراجع موقع الثقافة في الأولويات الداخلية، والتسليم الأيديولوجي أو السياسي لدى النخبة بهيمنة أفكار اقتصاد السوق، وكذلك الدور المتصاعد للأحلاف العضوية التي تقوم بين البروقراطية السياسية والحكومية ورجال المال والأعمال والشركات الأجنبية ومؤسسات تصدير الثقافة الأمريكية·
كذلك تنشأ أحيانا علاقة بين عملية الغزو أو الاستدعاء الثقافي الخارجي وحجم الفائض في المثقفين والعاملين في قطاع الثقافة· فالفائض بين المثقفين والإعلاميين في مجتمع سلطوي ومنغلق أو غير متطور ثقافيا يعني عرضا أكثر من الطلب، وبالتالي يعني استعدادا أكبر لدى عدد متزايد من المثقفين والإعلاميين للعمل كوكلاء أو أدوات أو مساعدي تبشير بالهيمنة والحتمية الثقافية الأمريكية· هنا يقال إنه لا يجوز اتهام هذا المثقف أو ذاك الإعلامي بأنه يخون وطنا أو قضية كما يفعلون في روسيا، ويقال إنه يؤدي المهمة التي يتقنها، وهي نقل الثقافة، مقابل أجور عالية لا تقوى مؤسسات الداخل على دفع مثيلاتها، ولا يقوى هذا المثقف على العيش بأقل منها·
وتتدخل عوامل أخرى في تحديد طبيعة الغزو الثقافي·· وكلها يتعلق بفعالية الثقافة المحلية أو الثقافة المعرضة للغزو من الخارج· أقصد بالفعالية أمرين، أولهما مدى تأثر المجتمع بالمنتج الثقافي المحلي، أي درجة التشبع أو الإشباع لدى مستهلكي الثقافة المحلية· بمعنى آخر توجد ثقافات ضحلة أو جافة لا تروى ظمأ مستهلكيها· ولا علاقة هنا بين الدخل الاقتصادي والإنتاج الثقافي، أو بين الثقافة في عصرنا والثقافة نفسها في عصور سابقة· من ناحية ثانية، قد تكون الثقافة المحلية غير مشبعة، إلا أنها تؤثر في إقليم واسع وتخشى أن تفقد جمهورها بسبب ثقافة الغزو ونفوذ قوى "استدعاء الغزو"· لذلك تتعدد محاولات ما يمكن أن أطلق عليه عمليات "الاستنساخ أو الاستنسال" الثقافي، أي إنتاج مواد وسلع ثقافية على نمط السلع والمواد الثقافية الغازية ولكن في أي لغة وأشكال محلية (أو إقليمية)· والأمثلة كثيرة نشاهدها فينوعية برامج التليفزيون في العالم النامي، والمنطقة العربية بشكل خاص، والأفلام السينمائية، والأغاني والموسيقى، وكثير من الخدمات الغذائية والترفيهية· ولكن وبسبب أن هذه "النسخ أو المستنسلات" مقلدة وغير مدعومة برأس مال كبير، فضررها يصبح أكثر من نفعها لأنها تصبح وسيطا بين مستهلكي الثقافة الوطنية والمحلية وبين منتجي الثقافة الغربية، فيتدرب المستهلك على الذوق الغربي قبل أن يتعود عليه·
وفي معظم المجتمعات، حتى الغربية منها، يشتد الصراع على الثقافة بشكل لم يحدث من قبل· وفي بعض الحالات تبودلت الاتهامات بالكفر والإلحاد والعمالة والتخلف والتعصب· وعندما تدخلت الدولة، بصفتها أهم الأجهزة الحارسة للثقافة، اشتد الاستنفار·· وحدث ما يشبه الانفراط الثقافي· وتعرضت الثقافة الوطنية أو المحلية الى عمليات تفكيك، وتعرضت الثقافة الوافدة - غازية كانت أم مدعوة - الى حملة تشكيك· وفي الحالتين كان الهجوم عنيفا على "الكليات"، أي على مجمل الثقافة - وطنية كانت أ وافدة· ولم تكن النتيجة على كل حال، وحتى الآن، لصالح الثقافة الوطنية· فقد انحسرت في كافة أنحاء العالم فروع كثيرة من الثقافة مثل السينما والمسرح، وتأثرت صناعة الأدب لصالح صناعات النقد الأدبي أو لصالح صناعات أخرى مدرة للمال الأوفر مثل الفيديو كليب وما يسمى بالصحافة الصفراء، أو المواد الصفراء في الصحافة الوطنية·
ليس خافيا أنه في معظم الأقطار النامية تقوم البيروقراطية السياسية بدور مزدوج منذ بدأ التحول الى الرأسمالية، أو ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي، بسبب الاختراق من جانب القطيع الالكتروني ووكلائه المحليين لبيروقراطية الدولة، حتى أصبح من الصعب في حالات كثيرة التمييز بين الاثنين· فالشخص الواحد قد يكون في موقعين في آن واحد، وفي ثلاثة مواقع إن كان من المشتغلين بالثقافة تمويلا أو إنتاجا أو استيرادا أو تخطيطا وإدارة، فالشخص الواحد العامل في الموقعين أو الثلاثة نراه في بعض دول أوروبا الشرقية وعدد من الدول العربية تارة متحمسا لاستدعاء سلعة أو شكل من أشكال قشور الثقافة الأجنبية· ونراه تارة أخرى - أو في نفس اللحظة - يقود حملة للدفاع عن الثقافة القومية في وجه منتج أو إزاء شكل آخر من تلك القشور·
وجدير بالملاحظة على كل حال أن تدني مستوى الثقافة ظاهرة عالمية، أو قل ظاهرة من ظواهر العولمة· فقد لاحظ بعض المتابعين للتطور الثقافي في الولايات المتحدة انحسار جودة الإنتاج الثقافي واختفت أو كادت تختفي أنواع من الثقافة· لاحظوا أن أمريكا لم تفرز أديبا على مستوى ويتمان أو هيمينجواي منذ وقت غير قصير، ولم تقدم عملا موسيقيا على مستوى أعمال جيرشوين· وتنطبق نفس الملاحظة على روسيا وأوروبا الشرقية خلال العقد الأخير وكذلك في أوروبا الغربية· ونلاحظ أيضا نفس التطور في منطقتنا العربية· ولكن في كل هذه البلاد تسود وتهيمن "قشور الثقافة"، وبخاصة قشور الثقافة الأمريكية·
ارتبك الناس فقد اختلطت الهويات والانتماءات، وتبدلت الأولويات داخل المجتمع، وكاد الإنسان يكون غريبا في بيئته، لا هو منتم للوافد ولن ينتمي، ولا هو راض كل الرضا عن القيم والموروث··· ولن يرضى·
* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999
** كاتب وعضو مجلس الإدارة المنتدب للتحرير بمجلة الكتب وجهة نظر