· النقد العربي في التسعينيات يفتقر إلى التأصيل والهوي
· تعثر النقد مسؤولية المؤسسات الثقافية المعنية
· "المنهج التكاملي" في النقد منهج فاشل
كتب نزار فلوح
كانت المحاضرة التي ألقاها الدكتور عبده عبود، في المركز الثقافي العربي بدمشق، فرصة غير سعيدة - ولكنها ضرورية - لتأمل بعض ملامح المشهد النقدي والثقافي والأدبي السائد في المحيط العربي، خلال سنوات هذا العقد الأخير من القرن العشرين، الذي تطرح نهاياته في وجوهنا أسئلة كبرى وملتهبة وشائكة، وسؤال الثقافة هو أحد أهم هذه الأسئلة المحاطة بكثير من الرهبة والقلق والغموض·
افتقار الى الهوية
يسجل د· عبود في محاضرته جملة من المواقف السلبية عن حركة "النقد الأدبي في التسعينيات" - وما قبلها - ملاحظا افتقار الممارسة النقدية العربية الى التأصيل والهوية، وطغيان حالة التبعية والاستلاب، واستجلاب الإنجازات النقدية الجاهزة، بحيث يبدو أكثر الممارسات النقدية المحلية صدى متأخرا للمناهج النقدية العالمية، وتطبيقا مدرسيا رديئا لها· يرافق ذلك غياب المؤسسات العلمية والأكاديمية المعنية بتنشيط النقد وتأصيله منهجيا، إذ لا يزال الإسهام النقدي الجامعي - ما عدا استثناءات نادرة - منحصرا في حدود الشرح والتفسير والتعليق على النصوص الأدبية تعليقا لغويا وتاريخيا خارجيا محدودا، ولم يصل هذا النقد بعد الى مرحلة اكتساب هوية علمية منظمة، فحتى المحاولات النقدية الناجحة التي تقدمها بعض رموز النقد الجامعي، تبقى مجرد مساهمات فردية تجاوزت واقع الحال في المؤسسات التي يفترض فيها توفير المناخ الثقافي والمادي، وتحقيق الشروط العلمية لنهوض التفكير النقدي القائم على روح البحث والتساؤل والتجديد والاكتشاف·
عدم مواكبة النقد للإبداع
وإذا كان النقد لا ينفصل بطبيعته عن جملة النشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي والإبداعي القائم في المجتمع، فإن علاقة النقد الأدبي بالظاهرة الإبداعية والأدبية تبدو على غير ما يرام، إذ ترتفع شكوى المبدعين من عدم مواكبة النقد لنتاجهم وتعريفه بتجاربهم، إضافة الى وقوع هذا النقد في الغالب - أسيرا للمجاملات الإخوانية، أو الحروب الصغيرة والخصومات الشخصية التافهة، بحيث يتحول مثل هذا النقد الى إطراء وتقريظ أو الى نوع من التجريح الشخصي، وفي كلتا الحالتين لا يعود هذا النقد بأي نفع يذكر على أي من أطراف العملية الإبداعية (الكاتب - الناقد - القارئ)، بل يعمل في كثير من الأحيان على نشر حالة من البلبلة الأخلاقية وفقدان الثقة بالإبداع والنقد على السواء· يقابل ذلك شكوى نقدية مماثلة من ضيق سعة صدور أهل الإبداع عن تحمل النقد وقبول الرأي الآخر بحيث اعتاد أكثر المبدعين - تبعا لتكوينهم النفسي - على سماع الإطراء والتنويه وعبارات الإعجاب والتقريظ لا غير، ويظهر هذا النوع من المبدعين قدرا عاليا من التمركز على الذات، ويأخذ هذا الطلاق بين المبدع والناقد - رغم حاجة كل منهما الى الآخر - منحى أكثر سلبية في ظل غياب أخلاقية الحوار وتربيته عن أفقنا الثقافي، فالخصومة الفكرية يجب أن تبقى خصومة شريفة وعادلة، مجالها سجال الأفكار وتحاورها، وليس التجريح الشخصي الذي يتحول الى كراهية وعداء مستحكم·
الأدباء النقاد··· النقاد الأدباء
يلاحظ د· عبود في محاضرته ازدواجية النشاط الذي يمارسه بعض المبدعين بحيث نشأت ظاهرة (الأدباء النقاد) و(النقاد الأدباء) الذين ينتجون أعمالا إبداعية ونقدية في الوقت نفسه، وفي حين يفضل د· عبود التخصص الإبداعي أو النقدي، فإن الحكم على هذه الظاهرة يجب أن يستند الى مستوى الإنتاج وقيمته سواء أكان إبداعيا أم نقديا، فهناك من الأمثلة ما يدل على إمكانية شرعية الظاهرة، عربيا وعالميا - ضمن حالات خاصة - فهل نستطيع أن نتجاهل قيمة الأعمال النقدية لجبرا إبراهيم جبرا· وقد كان روائيا وشاعرا ورساما ومترجما!
هجرة النقاد
وعن هجرة النقد وارتحال النقاد المميزين، يلاحظ د· عبود انتقال هؤلاء النقاد من بيئاتهم، وتحويل نشاطهم من إنتاجهم الى مراكز ومجتمعات عربية أخرى، تعود عليهم بعائد مادي، يمكنهم من مواجهة شروط البقاء، وضرورات العمل والإنتاج بصورة أفضل، ويترتب على هذه الهجرة نتائج سلبية كثيرة، مثل فراغ المراكز الثقافية العربية العريقة (القاهرة - دمشق - بيروت··· الخ) من رموزها الثقافية والنقدية، التي تضطر باغترابها عن مجتمعاتها الأصلية الى تقديم تنازلات فكرية لصالح المجتمعات التي انتقلت إليها من أجل تمرير أفكارها ونتاجها الى تلك المجتمعات، فضلا عن أن الإشعاع والتأثير الثقافي لهذه الرموز سيبقى أقل من التأثير الذي يمكن أن تحدثه في مجتمعاتها الثقافية الأم·
المنهج التكاملي··· فاشل
أخيرا يتخذ د· عبود موقفا حاسما من بعض المناهج والطروحات النقدية (كالمنهج التكاملي) ويحكم عليها مسبقا بالفشل، في حين أننا نفضل عدم المسارعة الى مثل هذه المصادرة، لأن أي مشروع نقدي إنما يستمد فعاليته وقدرته على إغناء المشهد الأدبي والثقافي من امتلاك الناقد الحامل له شروط الثقافة والذائقة والموهبة الفذة· وإذا كان النقد يتعثر ويعاني فإن هذه المعاناة تتحمل مسؤوليتها المؤسسات الثقافية المعنية برعاية وتنشيط هذا النسق من الممارسة الثقافية والعلمية·· أما النقاد منهم - على تميز تجاربهم وتفاوت مستويات إنتاجهم - فليس لنا إلا أن ننوه بمن يواصل رسالته منهم بدأب وصبر وتميز، فوسط هذا المشهد الذي قدم له د· عبود صورة سوداوية قاتمة - وهو محق في جانب كبير من تصوره - لا يجوز أن ننسى أو نتجاهل تجارب نقدية مضيئة مستمرة في إنتاج خطابها النقدي والثقافي الوطني التنويري الحضاري، وتحضرنا هنا أسماء مثل فيصل درّاج وحنا عبود ويوسف اليوسف ومحمد كامل الخطيب وغيرهم ممن يتابعون ممارسة دورهم النقدي والثقافي بصورة إيجابية وفاعلة رغم حلكة المشهد وصعوبة الظروف·