· الدور الاجتماعي والتنموي غائب والتركيز غالباً ما يكون على الأنشطة الهامشية
· تفاقم الشره الاستهلاكي يؤثر في موازنة الأسرة ويزيد من أعبائها
كتبت فوزية أبل:
الجمعيات التعاونية الاستهلاكية أنشئت أساسا لتوفير السلع الضرورية والمواد الغذائية الاستهلاكية وتقديمها للمستهلك بأسعار مناسبة مقارنة بما يقدمه القطاع الخاص، والقيام بالأنشطة والخدمات الاجتماعية والمشروعات الوطنية، فالقطاع التعاوني هو دعامة مساعدة - أو يفترض كذلك - لأجهزة الدولة في تحسين وتطوير والارتقاء بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي والرياضي للأهالي وللمناطق بوجه خاص وللدولة بوجه عام، ومن المهم أن نعرف أن العمل التعاوني هو في حقيقته عمل تطوعي بما يحويه من معنى جميل ومضمون إنساني وحضاري·
الدور الاجتماعي
يفترض أن يكون للجمعيات التعاونية دور اجتماعي وتنموي فاعل وحيوي في الأحياء والمناطق التي توجد بها تلك الجمعيات بشكل خاص وللدولة بشكل عام، وتقديم أفضل الخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية والرياضية والعلمية، وإقامة المشروعات الوطنية والتنموية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، المساهمة في تحسين وتطوير المرافق الحيوية والطرقات والأرصفة، وتشجير وتجميل المنطقة وإضافة اللمسات الجمالية كالحدائق والنوافير، وإقامة النصب التذكارية ودعم المنشآت والنوادي الرياضية وتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالأجهزة والمعدات الطبية، والمدارس بالمختبرات والورش والملاعب الرياضية ودعم الأنشطة المدرسية وإقامة دروس التقوية، وأعمال الصيانة وتوفير الباصات المدرسية والدورات التدريبية المختلفة ورعاية الأسر المتعففة وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، وإقامة دور الحضانة· وتوفير الأنشطة الاجتماعية والمهرجانات الرياضية والترفيهية والثقافية، والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، والمحاضرات التوعوية وغيرها، حيث يتوجب على الجمعيات الاهتمام والتخفيف عن كاهل الدولة والمواطن بعض الأعباء في ظل وجود مرسوم بقانون رقم 24 لسنة 1979 فقد تم تحديد وتخصيص نسبة 25% من صافي الأرباح لبند المعونة والخدمة الاجتماعية·
لكن ما هو حاصل أنه وطوال السنوات الطويلة من عمر المسيرة التعاونية لم يلحظ ويتلمس الأهالي الخدمات والمساهمات الجادة التي قدمتها الجمعيات للمدارس أو للمراكز الصحية أو للمناطق، فالجمعيات هي أكثر المرافق والمؤسسات التصاقا بالجمهور من مختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية، وتشكل متنفسا للأسرة في التسوق وتلبية ما يلزمها من احتياجات، وقد تكاد لا تخلو منطقة من وجود جمعية أو فرع لها حتى أصبحت في الوقت الحالي من أكبر المؤسسات ضخامة في المنشآت وتشعبا وتعددا في الاختصاصات والأدوار وتوافد الزوار والمرتادين، فمن هنا اكتسبت الجمعيات الحيوية والأهمية في حياة الناس والمتابعة والاهتمام من جانب المختصين والمهتمين·
ولكن الجميع يلاحظ أن الجمعيات التعاونية تركز فقط على بعض الأنشطة الهامشية كإنشاء مظلات أمام مدارس المنطقة وتنظيم رحلات للعمرة بأعداد كبيرة تصل إلى مئة معتمر سنوياً·
التنافس التجاري
مسألة الفروع المستثمرة والتي تقوم الجمعيات بتأجيرها واستثمارها في بيع سلع تجارية تعد من السلع الاستهلاكية الكمالية كبيع الأقمشة والملابس والأحذية والمفروشات والأواني المنزلية ولعب الأطفال والهدايا والعطور ولوازم الرياضة، بيع وصيانة الأجهزة الكهربائية والالكترونية، بيع وصيانة الأدوات الصحية، بيع الكلف ولوازم الخياطة، والعطور والبخور، وغيرها· حيث أدى الى شكوى وتذمر أصحاب المصالح التجارية تلك وغيرها لأن هذه الفروع ونتيجة لموقعها في المناطق السكنية نافست الأسواق والمحال التجارية، مما ساعد في ركود السوق حيث تتهم هذه الأطراف التجارية الجمعيات التعاونية بأن هذه الفروع الاستثمارية ليست من صميم أهدافها ومبادئها التعاونية الحقيقية وإنه يعد نشاطا تجاريا بحتاً·
مجالس الإدارات
وتفتقد الجمعيات التعاونية الإدارة التعاونية القوية والمؤهلة لإدارة وقيادة الجمعيات، فأعضاء مجالس الإدارات لا يعرفون أبسط أصول وقواعد العمل التعاوني فليس هناك شروط وضوابط في اختيار عضو مجلس الإدارة، فغالبية الأعضاء بدون مؤهلات وخبرات وليس لديهم أدنى إلمام ودراية وافية بمتطلبات العمل التعاوني كالحاسب الآلي، والموازنة العامة والتسويق والإدارة والمحاسبة، والغش التجاري ورفع الإنتاج للسلع والتخطيط السليم وفن التعامل مع الجمهور وأولويات الدور الاجتماعي، حيث يصل الأعضاء بانتخابات يسودها الصراع السياسي والاعتبارات الفكرية والطائفية والقبلية· لذلك يصل الى مجالس إدارات التعاونيات أعضاء مستواهم العلمي متدن ولا يعرفون أبجديات العمل التعاوني الذي هو جزء من العمل الاجتماعي وأنه عمل تطوعي بالدرجة الأولى، وليسوا أهلا للإدارة والقيادة التعاونية·
فمن هنا تكثر قضايا التجاوزات والانحرافات والمخالفات الإدارية والمالية حيث لا توجد خسارة في أية جمعية ما لم يكن هناك سوء إدارة وفساد إداري ومالي وعدم التصرف الجيد بالأموال!! لذلك زادت قضايا التجاوزات وزادت الخسائر والتلاعب الواضح في مقاولات ومناقصات الجمعيات، فمناقصات الأعمال التي تنفذها الجمعيات لا ينطبق عليها قانون المناقصات ولا تخضع كل معاملاتها المالية إلى قانون حماية الأموال العامة فالأعضاء يعطون المناقصات لاتباعهم على حساب أموال الجمعيات بأسعار مبالغ فيها وبشكل تنفيعي صارخ من دون حسيب ورقيب·
انعدام الوعي·· وغياب الرقابة
حتى هذه اللحظة لم يستطع القطاع التعاوني الارتقاء بفهم المستهلك، فجمهور المستهلكين لا يملكون الوعي التعاوني بل هو من يشجعهم على الاستهلاك والانفاق اللاداعي بدلا من أن يحفزهم على ترشيد الانفاق الاستهلاكي، وأن يقنع المستهلك والمساهم بالأهداف والأدوار الحقيقية للجمعيات؟
في ظل انعدام الوعي الاستهلاكي والثقافة التعاونية لدى جمهور المستهلكين مما نجم عنه فقدان الفهم الصحيح والتوعية الحكيمة للمفاهيم التعاونية مما أدى إلى تفاقم الشره الاستهلاكي من دون وعي ولا تخطيط مما يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على ميزانية الأسرة، حتى اقتصرت نظرة المستهلكين للجمعيات على الأرباح؟
وفي ظل غياب الرقابة المتمثلة من جانب بعض مؤسسات الدولة كوزارة الشؤون والتجارة وعدم وجود رقابة من مجلس الأمة ولا ديوان المحاسبة وانعدام الدور الرقابي الشعبي عبر حضور الجمعيات العمومية حيث زادت التجاوزات والمخالفات المالية والانحرافات الإدارية الناجمة عن سوء وفساد في التخطيط والإدارة وعدم التصرف الجيد بالأموال·
عناصر وطنية مدربة
وبعد كل هذه المسيرة التعاونية لم يستطع القطاع التعاوني تأهيل عناصر وطنية مدربة لأنه لم يأخذ المسألة على محمل الجدية، فقد أصدر وزير الشؤون السابق قرارا بتكويت العناصر القيادية والإشرافية في الجمعيات التعاونية، يقول الدكتور عبيد العتيبي - والذي قام بدراسة ميدانية أكاديمية عن القوى العاملة في الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في دولة الكويت: "لم يتطرق القرار ولم تستتبعه لائحة تنفيذية تحدد سقفا أعلى لهذه الوظائف القيادية الإشرافية مما يجعل هذا الأمر مباحا وذا مجال خصب لتنفيع الأقارب والأصحاب والقاعدة الانتخابية لأعضاء مجالس الإدارات، لم يضع القرار ضوابط ومحددات لمن يتقلد هذه المناصب الوظيفية وما هي شروطها وخصائصها ومهامها ومن بيده سلطة الترشيح والتعيين وهل هي بيد مجلس الإدارة أم المدير العام أم الاثنين معا، أم بيد وزارة الشؤون الاجتماعية، لأن ترك الأمور من دون وضع ضوابط محددة وواضحة يجعل الأمر هلاميا مما يضر بقيمة القرار وفائدته المرجوة، لم يتطرق القرار الى كيفية التغطية المالية لرواتب أصحاب المناصب القيادية، هل سيتم ندبهم من وظائفهم الحكومية وتتحمل الحكومة كامل الراتب أم فقط الراتب الأساسي والعلاوة الاجتماعية وتتحمل الجمعيات باقي المرتب أم أن الجمعيات تتحمل إجمالي الراتب؟ ما نظام الحوافز والعلاوات والترقيات؟ وما سقفها الأعلى؟ من أي بنود ميزانية الجمعية سوف يغطي باب الرواتب والذي يعاني تضخما في القطاع الحكومي؟ وهل التضخم سوف ينتقل الى القطاع التعاوني؟ إن عدد هذه الوظائف كبير خصوصا مديري السوق والفروع مما سوف يحمل ميزانية الجمعيات مبالغ طائلة قد يلحق بها خسائر فادحة، ترى هل سيوافق المساهمون في الجمعيات على استقطاع هذه المبالغ الضخمة من ميزانية الجمعية والتي سوف تكون على حساب أرباحهم المالية؟ وهل سيتم عرض هذا الموضوع على الجمعية العمومية الاستثنائية لأخذ موافقتها بهذا الخصوص مما قد يستتبع هذا الأمر البحث في التداعيات القانونية لهذا القرار؟··· ضرورة وضع استراتيجية تكوين الوظائف في الجمعيات التعاونية وإحلال العمالة بعمالة وطنية مدربة ومؤهلة وعدم الإخلال بمعدلات ومستويات تشغيل وكفاءة الجمعيات وأن يتم الإحلال بأسلوب تدريجي خصوصا أن سوق العمل سوف يظل يعاني لفترة طويلة من نقص في بعض التخصصات والخبرات·· كذلك ينبغي أن تتضمن استراتيجية التكويت التعرف على احتياجات الجمعيات من المهن والتخصصات وكذلك معدلات دورات العمل وتقييم مناهج التعليم والتدريب التي تقدمها الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب وجامعة الكويت لربط السياسة التعليمية والتدريبية باحتياجات سوق العمل في القطاع التعاوني"· ــ الوطن99/1/27·
واقع تعاوني مقلق!
إذاً، الواقع التعاوني يزخر بالقضايا والمشاكل فأين كانت وزارات الدولة ذات العلاقة والارتباط عن الجمعيات التعاونية طيلة السنوات السابقة من عمر المسيرة التعاونية، فالعمالة الرديئة تنتشر في الجمعيات، والمشاكل بين التجار والموردين والجمعيات التعاونية واتحاد الجمعيات لا تزال عالقة وهذه النقطة الأخيرة يطول شرحها لأنها متشعبة والمجالس المعينة بحاجة الى دراسة هي الأخرى حيث أثبت الواقع العملي أنه حتى المجالس المعينة لم تثبت نجاحها في بعض المناطق وفي الوقت نفسه لا نعرف إن كانت الإجراءات المتبعة لمجالس الإدارات التي يتم حلها تأخذ مجراها الصحيح أم لا؟
فأين الجمعيات الثلاث والأربعون التي يفخر بها الاتحاد عن تحقيق الأهداف الاجتماعية والتنموية وأين الأنشطة والخدمات والمرافق التي يفترض أن تقدمها؟ وأين التطبيق الصحيح لنسبة 25% من صافي الأرباح لبند الخدمة الاجتماعية؟ وأين الوعي الاستهلاكي؟ وما رأي الاتحاد والجمعيات في ظاهرة الشره الاستهلاكي؟ وأين الرقابة الحكومية والبرلمانية والشعبية؟·· وإلى متى تستمر الانحرافات الإدارية والمالية؟ وما الصورة الحقيقية لطبيعة العلاقة القائمة والسائدة بين الاتحاد والجمعيات وبين التجار والموردين؟ فما مبررات صرف الشيكات أو دفع ثمن البضائع للبعض على فترات قصيرة بينما يتم تأخير آخرين لفترات تصل إلى شهور عدة وما الفائدة منها؟ وما مصير البضاعة المجانية المفروضة على الشركات والتي تزود بها الجمعيات؟! وأين دور الجمعيات في المساهمة في حل مشكلة التوظيف؟ ولماذا فشلت في خلق وبناء صفوف وعناصر من التعاونيين من ذوي الخبرات؟
فالقطاع التعاوني يطفح بالسلبيات وغياب الأولويات· فلا يصح أن يتم التوسع في إنشاء الجمعيات التعاونية في ظل ما نعيشه من واقع تعاوني مفلس وخاسر ومن دون أن نتلمس أي بوادر إصلاح أو تصحيح··!!