رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19-25 جمادى الآخرة 1420هـ - 29 سبتمبر 5 أكتوبر 1999
العدد 1396

العولمـة.. حتميات وبلاهات*(1-2)

·   فريدمان وقع في نفس الخطأ، فقد امتلأ كتابه بقصص تبشيرية عن العولمة، أغلبها بعيداً كل البعد عن هموم مواطني العالم النامي - فريدمان يكتب من العاصمة واشنطن عن مشكلات لم تصل أنباؤها إلى معظم سكان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك أوروبا الشرقية - أخشى أن يكون بعض مفكرينا في العالم العربي يفعلون ما يفعله توماس فريدمان

·   فريدمان يعتبر العولمة عملية أمركة - وفي هذا يقول الكثير، بل والكثير جداً - لأول مرة في التاريخ يتحول العالم بأسره ليصبح ملعباً لأمريكا - لم تصل إمبراطورية في التاريخ إلى ما وصلت إليه الإمبراطورية الأمريكية من اتساع في مجالات النفوذ والسيطرة والهيمنة، ومن انتشار للقيم، ومن مستوى ودرجة خضوع الآخرين

 

جميل مطر**

لم يكتب شيئاً من لم يكتب عن العولمة يكاد هذا القول يكون شعاراً لمرحلة اضطراب ثقافي شديد، وارتباك في أفكار كثير من المفكرين، أصبحت مكتبة العولمة، أي الكتب والمقالات والمحاضرات التي تناقش موضع العولمة المكتبة الكثر ثراء· وانقسمت نخب الثقافة بين مؤيدة، ورافضة، وشارحة، ومتعايشة، ومتقلبة، وانتقائية· واندس بين هذه النخب من قرأ صفحات من كتاب أو سطوراً في مقال ومن سمع متحدثاً لدقائق أو لحظات ومن اعتاد أن يدس قلمه حيث لا يجب أن يكون· البعض كتب لأن الكتابة عن العولمة كانت مثل تأشيرة الدخول إلى عالم مختلف، أو مثل بطاقة هوية تثبت الانضمام إلى نخبة جديدة، أو مثل مسوغ للتعيين في سلك الفكر والمفكرين· وانتقلت حمى العلومة والاهتمام بها إلى رجال ونساء، دولة وأحزاب وجمعيات وهيئات· مبدين الرضا والرضوخ أو متمردين أو حذرين وربما خائفين· أما وقد اهتم السياسيون ورجال الحكم ونساؤه في دول العالم النامي بالعولمة فالمنطقي أن يزداد اهتمام قطاع الثقافة بها ويزداد عدد من يكتب قبل أن يقرأ ومن يرد قبل أن يفهم· ومع ذلك فقد ظلت هناك قلة تتابع وتناقش تجتهد في هدوء وابداع·

ولما كانت العلومة موضوع الساعة، بل هي موضوع العقد، العقد الذي ينتهي بنهاية قرن، ولما كانت موضوعاً لفت الأنظار إليه حديثاً، كان من الطبيعي أن تتفاوت مستويات الكتابة عنه أو فيه· فالعولمة - كموضوع جديد - لم تكن بين مقررات ومناهج التعليم المتوسط أو العالي الذي حصل عليه الكتاب المعاصرون، فالحديث عن العولمة بدأ في نهاية الحرب الباردة، وأكثرة بعدها· أي أن الأغلبية الساحقة من المهتمين بالكتابة والقراءة في العلومة كانوا قد تخرجوا من مدارسهم وجامعاتهم· بهذا المعنى تكون العولمة، كموضوع، ظاهرة استجدت على مثقف التسعينيات· وبمعنى آخر لا يوجد بين الكتاب الذين كتبوا في الموضع من يستطيع أن يدعي أنه الأكثر "علماً" في الموضوع، ولكن ستجد بينهم من يستطيع - وبحق - أن يدعي أنه أسهم بفكرة أو فكرتين، وأبدع مرة أو مرتين، في موضوع لم يعرف عنه الكثير·

وأظن أن اختيار كلمة العولمة، ثم الاهتمام بها كظاهرة، حدث بسبب عجز علماء السياسة والاقتصاد والمثقفين عموماً عن لعثور على كلمة أو مفهوم يحل محل تعبير الحرب الباردة، فقد عاش العالم ما يقاربنصف قرن يعرف نفسه بعالم الحرب الباردة، وعاشت الدول والحكومات وفق معايير عالم الحرب الباردة· ونشبت الحروب وقامت الأحلاف وتنافست الأيديولوجيات والأحزاب الليبرالية والثورية على حد سواء تحت مظلة الحرب الباردة، وبانتهاء الحرب الباردة اختفت الشروط المرجعية للسياسة الدولية، واختفت المنافسة الأيديولوجية بين الرأسمالية بالعالم، وظهرت فوراً أو محاولة لملء فراغ المفهوم، أي الفراغ الناتج عن زوال الحرب الباردة· وقام بهذه المحاولة فرنسيس فوكوياما عندما قدم فكرة نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية والديمقراطية الغربية، وطرح من جديد مبدأ حتمية الحل التاريخي على حساب كل الحلول والإيديولوجيات والأفكار الأخرى·

ولكن المحاولة باءت بالفشل· كان فكوياما صارخاً وعنيفاً في طرحه· نجح في هز أركان الفكر السياسي العالمي بعد سنوات من الخمول والجمود بسبب الشيخوخة الفتاكة التي كبلت روسيا السوفيتية· ولكنه فشل في إزالة مفهوم "ما بعد الحرب الباردة" الذي كان قد احتل مكاناً بارزاً في معظم كتابات علماء السياسية والاقتصاد· وقد تسبب هذا المفهوم في قلق شديد لدى كثير من المفكرين عندما وجدوه يتسرب بسرعة ولكن بانتظام إلى كافة فروع المعرفة·· علماء صاروا يكتبون تحت عنوان "ما بعد الصناعة"، و"ما بعد السياسة" و"ما بعد التنوير" و"ما بعد الدين" لم يجد أحد وصفاً مناسباً يليق بالتحولات الجارية في العالم في أعقاب الحرب الباردة أو ينطبق عليها· لكن رغم الشعبية أو الاهتمام الذي حظت به أفكار فوكياما لم ينحح اختياره "نهاية التاريخ" في أن يقدم بديلاً يسد الفراغ المفهوم، ويقضي على تعبير "ما بعد"·

ومع ذلك، ورغم هذا الفشل، كان فوكياما الرائد الذي دشن موضوع العولمة· كانت فكرته الأولى بين الأعمال الكبرى التي تعتبر أهم - ولا أقول أفضل - ما كتبت في العولمة· من هذه الأعمال، أو الأفكار فكرة صمويل هانتنجتون عن صدام الحضارات، وهي الفكرة التي تنبأت بأن نهاية الحرب الباردة ستؤدي إلى تجديد الصراعات الدينية والعرفية· ومنها أيضاً العمل الذي قدمه دانيل بيرجين وجوزيف ستانسيلو وأطلقا عليه "المرتفعات المهيمنة"، وهو العمل الذي أكد شراسة التحدي الذي ستواجهه الدولة على أيدي أسواق المال والأسواق الدولية عموماً· ثم هناك كتاب وليام جريدر وعنوانه ذو المغزى الكبير "عالم واحد: مستعد أم لا"؟، ويبشر فيه بحتمية العولمة في العقل الأمريكي أولاً ثم خارج أمريكا حين طورته شركة Clsco التي تصنع أنابيب الانترنت والصندوق الأسود اللازم له، فصنعت شعاراً مستديماً لإعلاناتها يقول "هل أنت مستعد؟" وهي تؤكد في إعلاناتها أن العالم تغير في السبع سنوات الأخيرة أكثر مما تغير في 100 سنة بعد الثورة الصناعية· ويبدو لي أن توماس فريدمان مؤلف الكتاب الذي سوف أحاول في هذه السطور تقديم عرض واف له، تأثر بكتاب جرايدر أكثر من أي كتاب آخر · بل إنني شعرت مرارا أثناء قراءة كتاب فريدمان أنه يستحق أن يستعير من جرايدر عنوان كتاب فريدمان وتخلل كل صفحاته بل كل سطوره، تتجاوز بمراحل ثقة جرايدر فيها·

ولكن عندما أكتب عن الأعمال الرائدة في العولمة في إطار عرض كتاب فريدمان، فأنا بالتأكيد لا أعني أن كتاب فريدمان يندرج في نفس القائمة· قائمة الكتب والأفكار الرائدة· فالكتاب الذي بين أيدينا يعبر بكل وضوح عن حالة نعيشها، لا يقدم جديداً بشأنها أو للمستقبل غير إيمانه العميق بحتمية العولمة منفردة ومهيمنة، لكن تشخيصه للحالة يجعله كتاباً يستحق القراءة ولو للمعاندة والغيط· بل إنه هو نفسه، أي فريدمان، يجعلني أشهد أنه هو وأمثاله غافلون عن مدى الفجوة التي تفصل المثقف المبشر بالعولمة عن قطاعات أخرى في المجتمع· أكثر من ذلك يحكي هو نفسه قصة كراهية العمال المثقفين في رومانيا في أعقاب الحرب الباردة وبدء حملات التبشير بالعولمة· فقد حدث مرتين، الأولى في 1990 والثانية في 1991 أن ترك العمال مناجمهم:

"ووصلوا إلى بوخاريست· خربوا، الشوارع واعتمدوا على كل شخص بدا عليه أنه ينتمي إلى فئة المثقفين·· أي شخص يلبس نظارات أو له ذقن أو يحمل حقيبة يد"·

وما كان هذا ليحدث لو أن مثقفي رومانيا المبشرين بالعولمة والانتقال السريع من نظام اقتصادي - اجتماعي إلى نظام آخر، كانوا عارفين بأحوال الناس خارج العاصمة· فهؤلاء الناس لهم مشاكل تختلف جذرياً عما ينشغل به مثقفو العولمة ومنظروها· إلا أن فريدمان وقع في نفس الخطأ، فقد امتلأ كتابه بقصص تبشيرية عن العولمة، أغلبها بعيد كل البعدعن هموم مواطني العالم النامي· فريدمان يكتب من العاصمة واشنطن عن مشكلات لم تصل أنباؤها إلى معظم سكان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك أوروبا الشرقية· أخشى أن يكون بعض مفكرينا في العالم العربي يفعلون ما يفعله توماس فريدمان، وما فعله مثقفو رومانيا·

أبلغ عبارة يمكن أن أقدم بها توماس فريدمان، عبارة هو صاحبها· كتب يقول "الأمل الوحيد أمام الفقراء والبؤساء هو أن يتذكرهم الأغنياء"· هكذا كان وعد فريدمان رسول العلومة إلى الفقراء والبؤساء، أي إلى شعوب العالم النامي والقطاعات المحرومة في المجتمعات المتقدمة·

يتولى توماس فريدمان منصب كاتب العمود الرئيسي للشؤون الدولية في صحيفة النيويورك تايمس· ويعتبر هذا المنصب في نظر الكثيرين أهم منصب في عالم الصحافة الأمريكية· وقد تولى هذا لمنصب منذ إنشاء الصحيفة قبل أن يتولاه توماس فريدمان أربعة من عمالقة الصحفيين المتخصصين في السياسة الخارجية· وتحكي قصة هذا العمود نفس قصة تطور دور أمريكا الدولي· ففي عام 1937 كان العمود يسمى "في أوروبا"، وكان مدى الاهتمام الأمريكي بالشؤون الدولية في ذلك الحين كانت أوروبا هي "الخارج" بالنسبة للولايات المتحدة· وكانت مهمة كاتب هذا العمود في ذلك الحين أن يغطي انفراط نظام توازن القوى بعد معاهدة "فرساي"· ثم تغير عنوان العمود بعد الحرب العالمية الثانية· ففي عام 1954 أصبح عنوانه "الشؤون الخارجية"· وفي عام 1995 تولى توماس فريدمان المنصب، وكان العالم قد اختلف اختلافاً كلياً· وهو يذكر دليلاً على هذا الاختلاف الجذري أنه ذهب قبل توليه المنصب إلى موسكو ضمن وفد صحفي رافق جيمس بيكر وزير الخارجية· وكان البروتوكول يقضي بأن ينتظر الطرفان وراء باب مغلق يفتح فيتقدم الضيف والمضيف نحو بعضهما ليتبادلا التحية أمام المصورين، وعندما فتح الباب فوجئ بيكر وإلى جانبه توماس فريدمان أن المضيف على الناحية الأخرى المتقدم ليتبادل التحية مع بيكر كان بوريس يلتسين لم يكن جورباتشوف· العالم لم يعد نفس العالم· تغير ويتغير وفي سرعة مذهلة·

درس فريمدان الشرق الأوسط وشؤون البحر المتوسط وتخرج عام 1975· وخلال مراحل الدراسة والجامعة قضى بعض الوقت في الجامعة العبرية في القدس وفي الجامعة الأمريكية في القاهرة ثم بدأ حياته العملية مراسلاً في قسم المال في النيويورك تلمس ومتخصصاً في أخبار الأوبك والنفط· وفي عام 1982 عين رئيساً لمكتب الجريدة في بيروت التي كان قد وصلها قبل الغزو الإسرائيلي للبنان بستة أسابيع· وفي يونيو 1982 نقل إلى القدس· وعن فترة إقامته في الشرق الأوسط كتب منذ عشر سنوات كتاباً ذاع صيته وظل الأكثر مبيعاً لمدة 12 شهراً· وهو كتاب "من بيروت إلى القدس"· وقراء توماس فريدمان المنتظمون، وأنا منهم، يعرفون مدى اهتمامه بالتفاصيل، بل أدق التفاصيل، وأحياناً أكثرها تفاهة· يعرفون أيضاً أنه هو نفسه رمز حي للعولمة التي كتب عنها هذا الكتاب، فالرجل يغطي كل شيء يحدث في العالم، حتى أنه يتعمد الإيحاء للقارئ بأنه أول من يعرف إن "دبت نملة" في كشمير أو تحركت غواصة نووية في البلطيق· لا يتوانى عن فرض المعلومات قسراً على القارئ، سواء كانت ضمن السياق أم خارجه·

ومثل كثير من مثقفي العولمة، لم يعد توماس فريدمان يهتم كثيراً بالناس البسطاء· تغير فريدمان· فالصحفي الذي "غطى على قدميه وبسيارات متهالكة·· طريق الحرب في بلدين صغيرين·· مساحتهما مساحة كف اليد، وعاش بين الجنود والميليشيات"·· هذا الرجل لا يتحدث الآن إلا عن علاقته بكبار رجال الدولة في العالم·· الناس العاديون - بالنسبة لفريدمان - هم الخدم وعمال المصاعد وبائعو الصحف "وجرسونات" المطاعم·

عندما كان فريدمان في لبنان كانت مصادره، كما يتضح من كتابه "من بيروت إلى القدس" الشارع ورجل الشارع· أما في كتابه الذي بين أيدينا والصادر منذ أسابيع قليلة فمعظم مصادره ومراجعة هم رجال أعمال في دافوس، ورجال سياسة في قصور وفيللات، وأساطين المال في "وول ستريت" وحي "السيتي" في لندن· ابتعد عن الناس التي لا تصنع الأحداث، وضحايا الأحداث إلا إذا كانت قصصهم تؤكد مقولات الأغنياء· واقترب من صانعي الأحداث، ولا أشك للحظة واحدة أن الفارق بين سالزبورجر الذي شغل نفس المنصب أعواماً طويلة وفريدمان الذي حل محله، واسع وهائل· الفارق بينهما هو الفارق بين عصرين· إنه الفارق بين الحكمة والمعرفة في عصر ما قبل العولمة، وبين المعلومات السريعة والغزيرة في عصر العولمة·

"أنا أحب العولمة كما أحب الشمس·· الشمس مفيدة، وحتى لو لم تكن مفيدة، وسواء أحببتها أم لم أحبها·· ستشرف كل صباح·· رغبت أم لم أرغب"·

هكذا يلخص توماس فريدمان رأيه وكتابه في العولمة· ويتساءل بعدها: "إذا كانت العولمة حتمية وتكلفتها الإنسانية مرعبة· فكيف يمكن تخفيف صدمة هذه التكلفة"؟ كيف تجعل عواقبها أقل كارثية؟ المعنى هنا واضح· فريدمان وقد قرر أن العولمة حتمية، أنهى الجدل أو الحوار مع القارئ· كاد يقول له بكل جسارة، وبكل الغرور والغطرسة، إذا لم تشاركني هذا الرأي فعليك أن تترك الكتاب جانباً وتنسى الأمر كله· ولكني أحذرك أنك مهما حاولت أن تنسى الموضوع، أي تتجاهل العولمة، وتستمر في غيك واقتناعك أن العولمة ليست سوى ظاهرة طارئة، فلن تنساك العولمة·

ولكن ما هي العولمة التي يعنيها فريدمان؟ ويهدد بها كل البشرية، وبخاصة المتعلمون من أبنائها· قال في هذا كلاماً كثيراً· قرأنا كثيراً منه لمؤلفين آخرين· ومع ذلك فقد بذلت جهداً في محاولة تبسيط الموضع وإثارة شغف القارئ وتشوقه إلى متابعة القراءة· يعتبر فريدمان أن العولمة التي نعيش في ظلها هي في الحقيقة الجولة الثانية من عولمة بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر· انطلقت الجولة الأولى بفضل الانخفاض الكبير في نفقات النقل والمواصلات بسبب استخدام البخار على نطاق واسع في الرحلات البحرية واختراع القطار· اتسعت التجارة العالمية بشكل لا سابقة له في التاريخ بين عامي 1850 و1914· وكانت نتيجة هذا التوسع الهائل في التجارة والنقل والسفر أن بدأت الدول في نهاية هذه الجولة تفرض قيوداً على الهجرة وعلى التجارة وعلى التجار قبل 1914 لم تكن الناس بحاجة إلى تأشيرات دخول أو جوازات سفر بل إن معظم المهاجرين الذين نزلوا إلى شواطئ أمريكا الشمالية في تلك الفترة دخلوا بدون تأشيرات ولا جوازات·

وقتها قام عمال انجلترا باضطرابات بهدف الضغط على الحكومة لفرض قيود على الواردات من "المنتجات الآسيوية الرخيصة" وطالبوا برفع مستوى التعليم وإدخال "التكنولوجيا" كما في ألمانيا وأمريكا· حدث هذا في عام 1868· والشبه ليس بسيطاً بين الضغوط التي مارسها عمال الولايات المتحدة أثناء طرح مشروع النافتا أي اتفاقية التجارة لحرة لأمريكا الشمالية التي عقدتها واشنطن مع المكسيك وكندا· والضغوط التي مارسها عمال انجلترا في ذلك الحين لحماية وظائفهم·

وبسبب هذه الضغوط وانتشار أساليب الحماية والمنافسة الشرسة بين القوى الاقتصادية العظمى في ذلك الحين، نشبت الحرب العالمية الأولى في عام 1914· وعندما انتهت الجولة الأولى من عملية العولمة· وبين الجولة الأولى والجولة الثانية نشبت حرب عالمية أخرى قضت على نظام توازن القوى وحل محله نظام دولي جديد اختار له فريدمان اسم نظام الحرب الباردة· ويعتبر فريدمان، وإن لم يكتبها صرحة، أن الحرب الباردة كانت عقبة في طريق العولمة نظام دولي جديد حل محل نظام الحرب الباردة· وقد يقف القارئ طويلاً أمام العولمة كنظام دولي جديد· خصوصاً أن أحداً حسب ما أعرف لم يتناول العولمة على هذا المعنى، وبهذا الشكل· ولكن عندما تتأمل في جوهر فهم فريدمان للعولمة ستجد له العذر سواء اتفقت معه أو اختلفت·

فريدمان يعتبر العولمة عملية أمركة· وفي هذا يقول الكثير، بل والكثير جداً· لأول مرة في التاريخ يتحول العالم بأسره ليصبح ملعباً لأمريكا· لم تصل إمبراطورية في التاريخ إلى ما وصلت إليه الإمبراطورية الأمريكية من اتساع في مجالات النفوذ والسيطرة والهيمنة، ومن انتشار للقيم، ومن مستوى ودرجة خضوع الآخرين· ويحاول فريدمان أن يضع ما يبدو نظرية حاول أن تبدو متكاملة· كانت نتيجة هذه المحاولة أنه قدم مجموعة أفكار هي تمنيات وبلاهات أكثر منها مكونات ومتغيرات وقاعدة تصلح لصنع نظرية· يقول إنه عندما كلف بمهمة كتابة العمود الأساسي في النيويورك تايمس عن الشؤون الخارجية، جرب في البداية أن يعرف ويحدد المجالات والمواقع التي سيركز عليها في المتابعة والقراءة والكتابة· كانت لديه قبل أن يستلم عمله مجموعة تصورات تشكلت من خلال قراءاته لمقالات كبار الصحفيين المتخصصين في الشؤون الدولية· كان يعرف أن الكاتب في الشؤون الدولية يجب أن يركز على أربعة مجالات·· أو أبعاد·· هي الثقافة والأمن والسياسة وأسواق المال· ولكن عندما بدأ يكتب، وكانت العولمة كاسحة· فوجئ أن كل ما كتبه كان يبدو ناقص التحليل فاقد المعنى· شعر أن الأحداث والتطورات التي  يناقشها ويعالجها تتحرك كعرائس المسرح بأيد خفية، أو كما لو كانت تحليلاته وتعليقاته مقيدة بأصفاد حديدية··· شعر أن الدول التي يناقش سياساتها ليست حرة في اتخاذ قراراتها كما كان يتصور·· شعر أن قوى لا يعرفها تقيد حركة الدول·

عند ذلك كان لابد أن يبحث فريدمان عن مجالات وأبعاد إضافية· فالمجالات التقليدية التي اشتغل عليها كبار الصحفيين وأساتذة العلوم لعقود طويلة لم تعد تكفي· وبالبحث المستمر عثر على البعد الخامس وكان التقدم المتسارع للتكنولوجيا، وهو الاكتشاف الذي جعله يضيف إلى العواصف الكبرى التي يزورها بين الحين والآخر وادي السليكون، معقل معامل وصناعات التكنولوجيا الراقية في غرب الولايات المتحدة· واستمر يبحث فوجد البعد السادس· وجده في المكاتب العاملة في تجارة الأوراق المالية والاستثمارات والمضاربات وفي وكالات أو شركات تقييم النشاط الاقتصادي الدولية·

إن التغيير الذي شهده العالم خلال العقد الأخير وخصوصاً في مجال المعلومات أثر تأثيراً مباشراً على عمل أجهزة المخابرات، وعلى برامج ومناهج العلوم السياسية، بل وعلى أهميتها وأهمية العاملين والمتخصصين فيها· يقول فريدمان إن أخطر وكالة للمخابرات في أمريكا بل وفي العالم NSA التي تعتبر أحد أهم وظائفها التنصت على العالم بأسره، (مئات الألوف من المكالمات الهاتفية في الثانية)، قد غيرت من عقيدتها الأمنية· فبعد أن كانت تسعى لتعرف صارت تسعى لتشارك· تأكدت أن حجم المعلومات المتحصل عليها نتيجة المشاركة والتبادل أكبر كثيراً من العلمات المتحصل عليها نتيجة الجهد المنفرد·

لقد تسبب البعدان الخامس والسادس، أي التقدم المتنامي لشركات التجارة في الأوراق المالية وانتشار ثقافة الاستثمار والمضاربة، في الانحسار الواضح لمكانة ونفوذ الدبلوماسيين ورجال السياسة وأساتذة العلاقة الدولية· هؤلاء جميعاً فقدوا المكانة التي كانوا يتمتعون بها عبر عقود متعددة في مجتمعاتهم وبخاصة لدى رجال الصحافة· ويتساءل فريدمان: لماذا يهتم الصحفي برجل السياسة إذا كان صانع الحدث أحد أعضاء القطيع الإلكتروني أو إحدى شركات تقويم النشاط الاقتصادي لدولة من الدول، وهو التقويم الذي قد يتسبب في انتعاش اقتصاد الدولة أوإفلاسها· ولكن ماذا عن القطيع الإلكتروني وما سر قوته؟

يقول فريدمان إن القلق في نظام الحرب الباردة كان بسبب الخوف من الفناء نتيجة تبادل إلقاء أو إرسال القنابل النووية· أما القلق في نظام العولمة فسببه أن قوى مجهولة قد تدفعك في أقل من ساعات لتغيير نظامك الاقتصادي ونمط إنتاجك وأهدافك ومنظومة قيمك وهويتك· بمعنى آخر هو الخوف من قوى مجهولة تدمر كل ما يتعلق بك، ولكن لا تقتلك· تماماً كالأسلحة الحديثة التي استخدمها الأمريكيون ضد يوغوسلافيا في الحرب التي شنها حلف الأطلسي·

ذات يوم من أيام سبتمبر 1992، اختلف جون ماجور رئيس وزراء بريطانيا مع جورج سوروس ولم يكن الأخير في ذلك الوقت يحظى بالاهتمام السياسي والإعلامي الذي يحظى به الآن· اختلفا لأن جون ماجور كان يعتقد أن الجنيه الاسترليني مقوم تقويماً صحيحاً يتناسب وقوته، وكان سوروس يعتقد العكس· وأراد سوروس أن يؤكد وجهة نظره لرئيس الوزراء البريطاني فقام مع عدد من أعوانه المضاربين بإغراق الأسواق المالية بالاسترليني الأمر الذي أجبر الجنيه على الانخفاض إلى المستوى الذي قرره سوروس· بمعنى آحر استهان ماجور برجل لا نفوذ سياسياً له ولا قاعدة شعبية وراءه ولا جيش عنده، عانده، ثم قاومه، وفي النهاية رفع الراية البيضاء مستسلماً وأمر بخفض قيمة الاسترليني بنسبة %12 وخرج سوروس من هذه المعركة وقد كسب نصراً أهّله لانتصارات أخرى مستمرة حتى الآن، ومبلغ مليار دولار أمريكي حصيلة المضاربة على الاسترليني والدرس الذي لقنه لجون ماجور وتداولته مع كثير من الاتعاظ حكومات كثيرة في العالم·

سوروس وأمثاله ذات الأذرع الألف تطوق بها العالم، بلداً بلداً وقارة قارة· ويعتقد فريدمان في هذا القطيع أكثر مما يعتقد في أي قوة أخرى عسكرية أو سياسية على سطح الأرض· هم نساء ورجال يعملون في أسواق المال والشركات متعدية الجنسية وشركات الاستثمار المطلعون على تدفقاته إلى درجة لا تستطيع أي حكومة أن تصل إليها·

هذا القطيع هو الحاكم الفعلي الجديد لكل دولة على حدة، ولكل الدول مجتمعه· إنه القائد والمحرك في النظام الدولي الجديد· سوباتشاي بابنتشبا كيدي وزير التجارة التايلاندي قال لتوماس فريدمان خلال حديث أجراه معه عقب الأزمة المالية التي انطلقت من تايلاند إلى بقية آسيا·

"لقد عرفوا (أي القطيع الإلكتروني) بالعجز في احتياطياتها النقدية·· بدأوا هجومهم في فبراير، وشنوا هجوماً ثانياً في مارس· والثالث في أبريل· كنا نظن أنهم لا يعرفون حقيقة هاجمونا بوحشية· وجاءت الضربة القاضية عندما علموا أننا لن ندافع عن الباهت (العملة التايلاندية) مرة أخرى··"·

ولم يكن سوباتشاي المسؤول الوحيد الذي اشتكى همّه إلى فريدمان، بينما هو يتجول باحثاً عن آثار العولمة والقوى المحركة لها· قابل أنور إبراهيم وزير مالية ماليزيا السابق والمعتقل حالياً رهن المحاكمة بتهم متعددة منها الفساد الأخلافي· قال أنور إبراهيم لفريدمان:

"قلت لمهاتير قبل اعتقاله: أنت شتمت سوروس فانخفض الرنجت (عملة ماليزيا)، وشتمت اليهود·· فانخفض الرنجت·· وشتمت القطيع الإلكتروني فسقط الرنجت· الآن اخرس·· وتوقف عن الكلام"·

ويركز فريدمان على أهمية القطيع الإلكتروني ومدى نفوذه وتأثيره حتى أن هذا القطيع يستحوذ على أكثر من نصف الكتاب، بعضه في أوله وبعضه في أوسطه وكثير في آخره· وكصحفي متمرس وقادر وككاتب لأهم عمود في صحيفة نيويورك تامس يستحق أن نستمع إليه، وهو يقرر للقارئ أنه (أي القارئ) لن يفهم الخبر الأهم في الصفحة الأولى من أي صحيفة كبيرة أو صغيرة، عالمية أو محلية·· "إلا إذا كنت أيها القارئ عارفاً وعالماً بأهداف وممارسات هذا القطيع وما يحدث في أسواق المال"· ويضرب المثل الحاد، الذي أصبح درساً لكثير من حكام الجنوب، بسقوط الرئيس سوهارتو· ويوضح هدفه من هذا المثل الذي يضربه فيقول أنه في زمن الحرب الباردة كان يمكن أن تختار الولايات المتحدة لتدمير دولة أن تقصفها بالصواريخ أو تعمل مع غيرها لخفض سعر سنداتها·· وربما أراد فريدمان أن يقول أن الحادث الآن أن قوى ــــ ليست بالضرورة ــــ أمريكية تقوم بنفس الوظيفة باستخدام الأسلوب الثاني· ويبدو أنه أغفل حقيقة أن أمريكا مازالت تفعل بعد الحرب الباردة ما كانت تفعله خلال الحرب الباردة· فالقصف بالصواريخ مستمر في العراق ويوغوسلافيا، وكذلك التدخل في الأسواق المالية لتدمير السمعة الاقتصادية لدول لا تحظى برضاء واشنطن·

ورغم الأهمية الكبرى التي يوليها فريدمان للقطيع الإلكتروني، فإنه يعود ويشير إلى أن هذا القطيع يستند إلى قوة عسكرية عظمى، فالعولمة لم تكن لتتقدم بهذه السرعة لو تركت للقطيع منفرداً· ولكنه لا يلمح إلى وجود مؤامرة أو ما يشبه ذلك، إنما يروح ويجيء، إلى هذه النقطة في أماكن متفرقة· يقول مثلاً أن ملوكاً ورؤساء دول تحولوا بفضل القطيع الإلكتروني إلى عُمد ومحافظين يخضعون لإرادة مزدوجة·· أمريكية وإلكترونية، أو إرادة القطيع الإلكتروني وحده يحكي فريدمان قصة أحد الحكام العرب (ويسميه بالاسم) طلب منه أن يشره له الأسباب الحقيقية لأزمة سيا· رد عليه فريدمان قائلاً:

"لقد أراد القطيع الإلكتروني معاقبة مهاتير أنه شيّد ناطحتي سحاب في كوالالامبور بدون دراسة اقتصادية كافية وشاملة··" وهنا فكر الحاكم قليلاً ثم قال لفريدمان:

"أظن أننا يجب ألا نشيد أي عمارات طويلة هنا فالأسواق (المالية) قد لا تعجبها هذه العمارات"·

ويستطرد فريدمان متحدثاً عن هذا الحاكم العربي فيقول أنه:

"رجل ذكي ذكاء الثعلب، وهو إنسان جذاب معتاد على إصدار الأوامر وليس على تلقي الأوامر· وكثير من سياساته الإقليمية تؤكد هذا الأمر بشكل ملفت للنظر"·

ولا يبالغ فريدمان في وصف قوة القطيع، وخوف السياسيين والحكام منه· إذ بعد أسابيع من صدور كتابه، قام الرئيس بوريس يلتسين في حركة مفاجئة ــــ وإن معتادة ــــ بتغيير الحكومة فعزل بريماكوف وحكومته وعيّن محله ستيباشين الذي قام بتشكيل حكومة جديدة، استقال وزير فيها بعد تعيينه بثمان وأربعين ساعة وسط فضيحة هائلة· جايدار رئيس الوزراء الأسبق والرجل الذي دشن عجلة الإصلاح الاقتصادي (أي الانتقال إلى نظام اقتصاد السوق) في عام 1992 وجه نداء إلى الرئيس يلتسين يطلب فيه وقف نشاط رجال المال والمضاربين ورجال عصابات الأسواق المالية (القطيع الإلكتروني) الذين يتدخلون في تعيين الوزراء ويحركون الحكومة كما يحرك الفنان عرائسه في مسرح العرائس· وفي نفس اليوم صدرت أهم صحيفة في موسكو وعلى صفحتها الأولى العنوان التالي·· " نحو خصخصة الحكومة"·· ولا يخفي فريدمان عدم تعاطفه مع الدول التي لا تستجيب لرغبات القطيع الإلكتروني وأوامره· يعترف أن القطيع الإلكتروني قد يشبه في يوم ما دور الفارس المنفرد الذي كان يدخل إلى المدينة في الغرب الأمريكي يحارب الفساد ويفرض القانون· ولكنه قد يشبه في يوم آخر دور كينج كونج الوحش الهائل الذي يخرج من المدينة بعد أن يكون قد دكها دكاً حاملاً بين ذراعيه أغلى وأجمل ما ــــ أو من ــــ في المدينة·

ويعمل القطيع الإلكتروني من خلال ما يسمى بالسوبر ماركت، أي سوق المال، ويقدر ساسكيا ساسين أحد أهم كتاب العولمة أن 25 سوقاً مالية تتحكم في نصف رأس المال العالمي، أي تتحكم في 20.9 تريليون دولار· وهي الثروة التي يتغذى عليها القطيع ويتكاثر حسب تعبير ساسين· ولكن إذا كانت الأسواق المالية هي المكان الذي يتكاثر فيه القطيع، فإن بيوت ومكاتب المراقبة الاقتصادية وتقييم الاقتصادات هي أداة العقاب التي يستخدمها القطيع لتأديب وتهذيب الدول العاصية· فمكاتب مثل مودي "MOODY"، وستاندارد آند بور "Standard & Poor" هي التي يوكل إليها مهمة التلصص على الدول والتسلل داخلها لمراقبة اقتصاداتها والوقوف على حقيقة احتياطياتها وجودة عملاتها·

"بعد أن فجرت الهند قنبلتها النووية متحدية عالم "العولمة" مرت أيام·· وفجأة ظهر تقرير صادر من مكتب مودي لخدمات الاستثمار، جاء فيه أن اقتصاد الهند هبط من "درجة الاستثمار" إلى "درجة المخاطرة"· في نفس الوقت صدر تقرير آخر من مكتب ستاندارد آند بور جاء فيه أن اقتصاد الهند هبط من مستقر الى سلبي··· وبسبب التقريرين توقفت الاستثمارات الأجنبية"·

وعلى الفور تعرضت الهند لأزمة مالية وأصدرت الولايات المتحدة - القوة السياسية والعسكرية المساندة - قراراتها بفرض العقوبات الاقتصادية لتستكمل حلقات التأديب والتهذيب، للخارجين عن العولمة·

وللقطيع شروط، إن أرادت الحكومات كسب رضاه· أهم الشروط على الإطلاق هو أن ترتدي الدولة الراغبة في الانضمام الى العولمة والانتفاع بمزاياها وبنفوذ القطيع الالكتروني، أن ترتدي "قميص التكتيف الذهبي"، وهو أشبه ما يكون بالقميص الذي يلفون به المجانين والمعتقلين الخطرين لتقييد حريتهم في الحركة وإخضاعهم للأوامر، ولكنه قميص من ذهب أو هكذا يعتبره توماس فريدمان· خيوط هذا القميص هي مجموعة من الإجراءات والممارسات التي يجب أن تنفذها الدولة مثل خصخصة جميع الشركات المملوكة للدولة، وتحرير التجارة الخارجية والداخلية، رفع الحواجز الجمركية، تشجيع القطاع الخاص وتقليده مسؤولية قيادة الاقتصاد· الوصول الى درجة منخفضة جدا من التضخم النقدي، نزع قوة البيروقراطية الحكومية، ميزانية متوازنة الى درجة كبيرة، إلغاء كافة القيود على الاستثمارات الأجنبية، تحرير أسواق المال، والسماح بحرية الأجانب في تملك السندات والأسهم المتداولة فيها، الحد من الفساد السياسي والحكومي، إلغاء الدعم المقدم للأفراد والشركات، وفتح أبواب المنافسة في مجال الاتصالات والمواصلات، وتحرير نظام المعاشات والتأمينات الاجتماعية والصحية وترك الحرية للأفراد في استثمار معاشاتهم وتأميناتهم بالطريقة التي يفضلونها··

وبدون هذا القميص الذهبي لن تدخل دولة الى العولمة· وأي دولة ترفض أو تتلكأ في ارتداء كامل القميص، ستطلق عليها كلاب الصيد تؤدبها وتهذبها حتى تعود الى مسيرة العولمة طائعة مستكينة· ولا يفوتنا أن ارتداء القميص أثبت أنه عملية مقلقة ومزعجة، فالقميص كما لاحظنا وتعلمنا مقاس واحد لترتديه كل الدول· لا فرق بين دولة سمينة ودولة نحيفة، أو دولة طويلة ودولة قصيرة·· ولذلك فهو يضغط أحيانا بشدة، وفي معظم الأحيان يؤذي بقسوة·

عندنا إذن، القطع الالكتروني وعملاؤه ووكلاؤه المحليون داخل كل دولة، وعندنا كلاب الصيد، وعندنا قميص التكتيف الذهبي، ثم عندنا أفراد بإمكانات "سوبر"، أي فائقة· وهذه الأخيرة ظاهرة تابعة وليست جزءا أصيلا وضروريا في جسم العولمة· نشأت بسبب العولمة كما يقول فريدمان· والمثل البارز لهؤلاء الأفراد هو أسامة بن لادن، جودي ويليامز قائدة الحملة الإعلامية ضد الألغام· وشتان طبعا بين أسامة بن لادن وأمثاله وبين جودي ويليامز وأمثالها أو مثيلاتها·

لكن العولمة تجمع بين هؤلاء لأنهم قرروا التمرد عليها رغم استفادتهم من ثورة الاتصالات والمعلومات ومن حرية تدفق الأموال وكلاهما من منافع العولمة· هؤلاء يحاربون النظام الدولي وتحاربهم الولايات المتحدة، حاربت بن لادن بالصواريخ متوسطة المدى، وحاربت ويليامز بالتحالفات السياسية والضغوط الدولية· ويقع فريدمان هنا في مبالغة شديدة· فظاهرة الأفراد ذوي القوة الخارقة والمتمردين على النظام أيا كان، ظاهرة قديمة· روبن هود كان واحدا من هؤلاء، وإيليتش راميركيس سانشيز الشهير بكارلوس ماركوس كذلك وغيرهما كثيرون·

ومن شروط العولمة أيضا النمطية في نظام المحاسبة والمراجعة المالية· وهنا يأتي بسيرة سمرز وزير الخزانة الجديد في أمريكا، والرجل الرسمي الأقوى وراء العولمة منذ كان وكيلا لوزارة يقودها روبين، حين ينقل عنه فريدمان قصة يرددها سمرز· يقول إنه يعرف مدرسا للمحاسبة في كوريا الجنوبية، أبلغه ذات مرة أن عدد تلاميذه قبل أزمة كوريا الجنوبية الأخيرة لم يتجاوز 22 طالبا· ولكن بفضل صندوق النقد الدولي الذي أصر على أن تعد كوريا حساباتها طبقا لنظام عالمي موحد وصل عدد الطلبة الى 385· والقصة مع بساطتها لها مغزى· وهو أن الدول التي تريد أن تواصل مسيرة العولمة عليها أن تخضع كافة نظمها ولوائحها للنظم واللوائح العالمية، إنها النمطية في أبرز أشكالها باعتبار أن النمطية هي أحد أهم معالم وشروط الدخول الى العولمة· ويلفت النظر أن الشركات الخمس الأكبر في مهنة المحاسبة الدولية شركات أمريكية وهي نفسها التي قامت بمراجعة حسابات الدول الآسيوية قبل نشوب الأزمة ولم تعترض الشركات على الحسابات· من هذه الشركات برايس ووتر هاوس كوبر وايرنست ويانج· وبعدها مباشرة طلب البنك الدولي من الشركات الخمس مراعاة الدقة واستخدام أساليب محاسبة عالمية موحدة، وليس حسب النظام المتبع في كل دولة·

ولكن النمطية لا توجد فقط في نظام المحاسبة والمراجعة أو في نظم المقاييس والمواصفات والجودة، إنما توجد النمطية، وهو الأهم، في الثقافة· هنا يهبط مستوى الكتاب الى هامش التفاهة· ويسمح لي القارئ بأن أصف أجزاء وفقرات وقصصا كثيرة وردت في الكتاب بأنها من نوع البلاهات الفكرية، ولكنها بلاهات أحيانا يكون المؤلف معذورا في سردها، لسبب بسيط، هو أنها إحدى أهم ركائز العولمة فكرا وممارسة·

خصوم العولمة بلهاء وتافهون وديماجوجيون، هذا ما يحاول فريدمان غرسه في عقل القارئ· ولكي يؤكد صدق وقوة هذه الإيحاءات أو الخلاصات التي توصل إليها، ينقل عن الدكتور يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد المصري قوله إن العولمة موضوع مثير للديماجوجية· إن الاتهام الذي يوجهه خصوم العولمة الى أنصارها وهو أنهم يرتكبون خيانة لأنهم، أو لأنها - أي العولمة - تسلم اقتصاد البلد الى الأجانب دليل قوي على هذه الديماجوجية· ثم يروي فريدمان قصة شوبايس عندما اتهمه الشيوعيون الروس بالخيانة إذ رد عليهم قائلا: "أنا جاسوس أعمل لحساب وكالة المخابرات الأمريكية ولحساب صندوق النقد الدولي· ولكن هل عندكم بديل؟"

وقد أراد فريدمان بهذين الاقتباسين أن يدفع بضعف حجة خصوم العولمة، وربما أراد أن يثبت أيضا تفاهة كتاباتهم عن العولمة ومواقفهم منها·

والغريب أن الدكتور يوسف بطرس غالي - دون أن يقصد - اقترب من الحقيقة حين قال إن العولمة موضوع مثير للديماجوجية، فقد أثبت فريدمان بكتابه أنه ليس فقط خصوم العولمة هم التافهون والديماجوجيون بل أيضا أنصار العولمة، أي أن البلاهة صفة من صفات "معركة العولمة" الدائرة الآن، وإن كان فريدمان يرفض أن هناك معركة أو صراعا حول العولمة باعتبار أن المعركة حسمت في اللحظة التي بدأت فيها· انتصرت العولمة وانتهى الصراع· ولن يعود·ولن استطرد أكثر من ذلك في الحكم على كثير جدا من القصص التي أوردها فريدمان ليثبت بها أن العولمة انتصرت وأنها أمريكية وأنها منحازة للأغنياء وللشعوب البيضاء· ولكني سأقدم اقتباسات مباشرة، أو ترجمة - وإن غير حرفية - لبعض القصص والروايات التي حفل بها الكتاب·

* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999

** كاتب وعضو مجلس الإدارة المنتدب للتحرير بمجلة الكتب وجهة نظر

طباعة