رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 13-19 جمادى الآخرة 1420هـ - 22-28 سبتمبر 1999
العدد 1395

ضوء

التباس اليسار واليمين

 

ركان الصفدي

(1)

 

إذا قلت إنك "يساري" شخصت إليك الأبصار اندهاشا وربما·· سخرية، وكأنما اليسارية تعني فيما تعنيه أنك أحد أعضاء "الألوية الحمراء" أو خليفة غيفارا أو هو شي منه! ترى، هل هي مشكلة "اليسار" أم هي مشكلة اليساريين أم أنها مشكلة العقل الذي يلبس هذه الأيام·· حذاء صينيا؟!

 

(2)

 

بعد انتصار الثورة الفرنسية كان هناك في الجمعية التأسيسية أو مجلس الشعب الفرنسي ثلاثة تيارات، تيار كان يؤمن بالحسم ودفع التحولات الاجتماعية والسياسية قدما، جلس أنصاره على يسار رئيس المجلس، فسمي أنصاره "يساريين"، وتيار محافظ يتخوف من التغيير ويميل الى إبقاء الأمور على حالها، جلس أنصاره على يمين رئيس المجلس فسموا "يمينيين"، وتيار كان بين بين سمي "الوسط" موقفا وموقعا· ثم شاعت هذه التسميات في الأدبيات السياسية والاجتماعية وتنوعت أيضا، فكان هناك اصطلاحات مثل يمين الوسط ويسار الوسط ويسار اليسار ويمين اليمين·· وإذا جردنا المصطلح من تاريخيته فإنه موجود في كل زمان ومكان، بل في كل إنسان·

 

(3)

 

أي فعل نقوم به يمر عبر هذه المصطلحات، فإذا كان فعلا تغييريا فهو يساري وإذا كان إبقاء على وضع فهو يميني، ولذلك يمكن أن ننزع عن هذه المصطلحات صفة الثبات، فقد يكون الموقف يساريا في حين ويمينيا في حين آخر، أما من يجمد هذه المصطلحات فهو كمن يجمد الحياة عن الحركة·· ذلك هو الجدل الفلسفي بين عناصر الوجود الذي جاء به هيجل ثم ماركس·

اليسار هو الحركة، واليمين هو السكون، والوسط هو التذبذب·

 

(4)

 

على الرغم من مسيرة هذه المصطلحات الحافلة بالعثرات والذكريات المريرة، إلا أنها تعبير مختصر ودقيق عما يجري في الحياة، ولا نستطيع أن نسخر منها لمجرد أنها طبقت بصورة تعسفية في كثير من الأحيان، أو ألقيت جزافا هنا وهناك، وإنما علينا أن نؤمن أنها موجودة ومتحركة كالحياة، وهي ليست صفات إيجابية أو سلبية، وإنما هي توصيف لكل موقف أو عمل، كما أنها لا تقتصر على عالم السياسة وإنما تتعلق بجميع مظاهر النشاط البشري·· بعضهم ضجر من هذه المصطلحات التي اجترها عالم السياسة فغيّر أسماءها، كما فعل أدونيس حينما استبدل باليمين واليسار الثابت والمتحول·

 

(5)

 

"اليسارية" ليست شعارا يرفع بل هي ممارسة فعلية، ولذلك وجدنا الأنظمة اليسارية ادّعاء اليمينية حقيقة تسقط لا من المصطلح فحسب بل من التاريخ أيضا· وفي الوطن العربي غالبا ما تزيف هذه المقولات كما تزيف الأسماء والبطولات والانتصارات والأمجاد، فالأنظمة العربية يمينية حتى العظم لأنها لا تقبل بالتغيير، وليس غريبا أن يقول نزار قباني:

لا يمين يجيرنا لا يسار

تحت حد السكين نحن سواء

وأن يقول محمود درويش: "ومن اليمين الى اليمين الى الوسط/ شاهدت مشنقة فقط"·

 

(6)

 

اليسار دائما هو الذي يدفع بالمجتمع الى التحولات الكبرى، وفي الثقافة العربية كان اليسار هو رائد التغيير: طه حسين، يساري صميم، لأنه قلب المفاهيم الموروثة في العقل العربي، وبدر شاكر السياب يساري لا لأنه كتب عن الثورة فقط ولكن لأنه ثار على السائد الشعري وفتح الباب أمام الشعر الحديث·

معظم رموز ثقافتنا العربية الكبار يساريون، لا بالمعنى الحزبي الضيق، وإنما بالمفهوم الفلسفي الاجتماعي، بل لعلنا لا نجد إلا أفرادا قلة من اليمينيين الذين خدموا الثقافة·· وذلك بالحفاظ على التراث من الاندثار والضياع، وفي بعض المراحل يكون اليمين حاجة للمجتمع "كالجزائر في ظل الاستعمار الفرنسي"·

 

(7)

 

آن الأوان لنحرر مصطلح "اليسار" من حزبيته ونعمل على أن نكون يساريين حقيقة، فقد اتخمنا من الوجبات اليمينية خالية الدسم، ومن اليسار المزيف الذي كان، وفق قوانين الحياة، يمين اليمين·

 

(8)

 

كان هاني الراهب يصنف نفسه يسار اليسار ويتطرف في ثوريته ويساريته، ثم وجد نفسه في أحضان اليمين، ليحقق مقولة طيب الذكر "لينين": التطرف اليساري يقود الى التطرف اليميني·

ابحثوا لنا عن مصطلحات جديدة··· لا تلتبس!

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
في روايته "فالس الوداع"
أبواق جنائزية تصدح في ذاكرة كونديرا

 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
في كتابه "الشعر العربي الحديث في منطقة الخليج"
الرشيد بو شعير يدلّس تاريخ الشعر في الخليج ويمسخه نقدياً

 
يمامة خضراء!!
 
نافذة
 
أجراس