· بونابرت عندما عاد خلسة إلى فرنسا، بعد فشل مشروعه الاستثماري في الشرق، أمر برسم لوحات تؤكد أسطورة الحملة التنويرية على مصر، ليرد على أعدائه وأقاويلهم عن فشله في مصر
· سيبدو المشهد رائعاً للغربيين طبعاً، مؤكداً لهم كرم الجيوش الفرنسية الغازية، ولكنه سيبدو عجيباً لنا نحن أحفاد هذا البك ووشاحه الملون، والسبب بسيط؛ لأن كل من اهتم بتاريخ الحملة، وقرأ الجبرتي، يعرف كيف ثارت ثورة بونابرت عندما رفض المشايخ بعنف ارتداء هذا الوشاح
ليلى عنان**
ما أجمل صور الإعلانات في التلفاز، إنها غالباً ما تكون أجمل من صور البرامج الأخرى، وفيها من الفن ما يجعل المشاهد يصدق كل ما تعديه، حتى إن كان متيقظاً، مدركاً أنها "إعلانات" أي أنها من أساسها كاذبة خادعة؛ فهي لا تبغى إلا جذب المشاهد لدفع كل ما يملك في سبيل الحصول على المنتج الجميل الذي يراه أمامه، وقد انخدع بروعة تمثيل من يتحدث عنها وعفويته·
وفن الدعاية فن قديم، حتى قبل أن يدخل التلفاز منازلنا ويفرض سلعة علينا· ونقوش الفراعنة على آثارهم أحسن دليل على ذلك، ناهيك عن تماثيلهم التي لا تصورهم إلا وهم في أحسن مظهر وحتشبسوت مثلاً، استغلت هذه النقوش لتؤكد أنها ابنة إله عاشر أمها؛ وهكذا أصبحت نقوش معبدها دعاية سياسية لها، بتأكيد كذبة أرادت أن يصدقها الجميع، فحل لها الحكم المطلق دون نقاش لأنها الوريثة الشرعية لحكم مصر·
وعندما عرف الإنسان فن الرسم، أمر الملوك فنانيهم برسم لوحات يرى فيها الرعايا قوادهم وعائلاتهم في أجمل صورة؛ ليتشبثوا بهم، ويقبلوا سلطتهم المطلقة عليه· لم يكن غريباً إذن على "الجنرال بونابرت" وهو عبقري الحرب والدعاية، أن يلجأ إلى الرسوم واللوحات ليؤكد للجمهور الفرنسي والجمهور الأوروبي عبقريته الفذة وانتصاراته المذهلة، وقد وظف الفن لخدمته بصورة غير مسبوقة، فمثلاً كان يأمر الفنانين بعد كل انتصار له في حملته على إيطاليا، يأمرهم برسم لوحة تفخم دوره في انتصارات مذهلة لم يكن له فيها في واقع الأمر هذا النصيب من المجد والبطولة، بعد ذلك كانت تنشر للوحة رسوم مبسطة، تباع بأبخس الأسعار للفلاحين في الأرياف، أو حتى توزع عليهم بالمجان، كما كان يفعل بالجرائد التي يطبعها لحسابه الخاص· وهكذا وصل صيت الجنرال العبقري وانتصاراته المبهرة إلى كل أمي لا يستطيع قراءة جرائد الجنرال الشاب التي تحكي عن أمجاد لم يعرفها قائد فرنسي من قبل·
كان الأمر أسهل بالنسبة لحملته على مصر، فمن كان يعرف مصر أو حضارتها أو تقاليدها في هذا العصر، وهي ذلك البلد الأسطوري البعيد، الذي كُتب عنه في قصص القرن الثامن عشر ورواياته، أساطير تفوق أي خيال· إنه بلد ألف ليلة وليلة· وبالتالي، كان من السهل أن يحول بونابرت الحملة "الفاشلة باعترافه!" إلى مجد شخصي له؛ فأمر الفنانين بعد عودته إلى فرنسا، برسم لوحات تمجد لحظات بعينها يريد بها تبرئة حملة أصبحت اتهاماً علنياً لمن أخذ قرار قيامها، أو يأمر برسم لوحة تحكي الحقيقة، ليرد بها على اتهامات أعدائه، وقد انتشرت أنباء كوارث وقعت أثناء وجوده في ذلك الشرق البعيد·
إن كل ما قيل عن أكاذيب أطلقها بونابرت بعد ذلك ليمجد حملته الأسطورية على البلد الأسطوري، لم يجد صدى عند المعاصرين بقدر ما أثر فيهم ما رسم من لوحات، إنه تأثير الفن الجميل على المشهد الساذج الجاهل البريء·
وسوف نستقرئ معاً بعض هذه اللوحات التي لاقت في حينها نجاحاً لا نظير له، وساعدت بونابرت كثيراً في حربه الدعائية ضد خصومه، بل وساعدته أكثر عندما أصبح الإمبراطور نابليون الذي يسيطر على الفن والفنانين كما كان يسيطر على كل شيء في فرنسا، وفي أوروبا المستعمرة·
أمامنا كأمثلة خمس لوحات اخترناها وسط عشرات مثلها، لأننا رأينا فيها أحسن تجسيد للأكاذيب التي بنيت عليها أسطورة الحملة· وبادئ ذي بدء نذكر القارئ الكريم أنه ما من فنان ممن رسمها كان قد رأى مصر أو زارها يوماً، ولكن الخيال كان يحل محل الواقع والحقيقة؛ فإذا فضحنا زيف ما نراه على اللوحة، فضحنا بالتالي كل أسطورة الحملة، وما يقال عن أمجادها الباهرة؛ لأن هذه اللوحات كانت بين الأعماق الفنية التي أقنعت الجمهور الفرنسي بروعة الحملة وآثارها· فقد نشر مؤخراً مجلد فخم يمجد الحملة بطريقة سافرة، نجد فيه لوحات كثيرة كان لها أكبر تأثير على من شاهدها في عصرها·· بل وحتى يومنا هذا، إنها تبهر المعجبين بالجنرال الشاب الوسيم، الذي حارب باسم مبادئ الثورة الزائفة، الثورة الكبرى، أي ثورة 1789· والدليل، هذا الكتاب المعاصر الذي ننتقي بعض صور مما ينشره من لوحات، نعرضها لنقرأ فيها أحسن مثل للفن الدعائي لنابليون، فتتحول بسببها الحملة الفاشلة، إلى أسطورة مثيرة في تاريخ بونابرت، وتاريخ فرنسا·
وأول لوحة نتعرض لها (أ)، مثل لهذه الرسوم البدائية التي كانت تبهر جهلاء العصر في أقاصي الأرياف، وتؤكد لهم حقائق لا يعرفون عنها إلا ما يعرض عليهم باللغة الوحيدة التي يستطيعون فك رموزها، وهي لغة الرسم· وكما نرى، فالرسم بسيط وغاية في البدائية، وعنوانه: "بونابرت يهدي الوشاح ذا الألوان الثلاثة بكوات مصر"· وما هذا الوشاح بألوانه الثلاثة، إلا رمز الجمهورية الفرنسية الجديدة بمبادئها الإنسانية من حرية ومساواة· وعلينا أن نتذكر أن المبدأ الثالث وهو الإخاء، كان قد أسقط من كل الأوراق الرسمية منذ عام 1794···! أيا كان، فقبول البك هذا الوشاح من أيدي بونابرت، يدل على الوفاق التام بين الجنرال المنتصر وشعب مصر المهزوم هذا من جهة، ومن جهة أخرى يدل هذا الوشاح على أن بونابرت في حملته على مصر ينشر مبادئ الأمة الكبرى، أي فرنسا الجمهورية، قائدة الإنسانية، إنه الدليل على أن البلاد المفتوحة تحولت إلى أتباع شاكرين لفرنسا هبتها لهم، وهي هبة الحرية والمساواة، ومبادئ الثورة الكبرى·
هذا الرسم لمجهول، ولا نعرف أيضاً تاريخ إصداره؛ إنه بالنسبة لنا مثالي لكي نفهم رؤية الفرنسيين لمصر والحملة عليها· نرى أول ما نرى نصف نخلة على يمين الرسم في صحراء جرداء، وهو ما يكفي لخلق الديكور الغريب الأسطوري لفلاح أوروبي لا يتخيل أرضاً بلا خضرة، ولا شجرة كهذه النخلة، التي لم يرى لها مثيلاً في بلاده، مثل اللباس العجيب للمصري المهزوم؛ جلباب طويل، وهلال على عمته· إن هذا يكفي ليمثل دور المسلم ساكن مصر· أما بونابرت فهو يرتدي القبعة ذات الريش الثلاث، وهي جزء من زي مسؤولي الثورة آنذاك·· إن بونابرت لم يرتد هذا الزي لا في مصر ولا في فرنسا، لأن هذا الزي كان خاصاً بوظيفة مفتشي الجمهورية، وبونابرت لم يكن يوماً منهم، ولكنه سيكون أقرب لمخيلة الجهلاء بهذا الزي، وأكثر تعبيراً عن المبادئ المفروض أنه ينشرها·
نرى إذن في هذا الديكور الغريب، القائد المنتصر واقفاً على اليمين بوجه صارم ولكن حركته ودية، أبوية، على عكس ما يبدو على وجهه من جفاء وحزم· وأيا كان التناقض بين الوجه والحركة، فالرسالة واضحة، قد يكون بونابرت صارماً، حازماً كما يليق بالقواد، ولكن هذا الا يعني أنه غير إنساني؛ أو أنه قاس، يرفض احتضان البك الغريب المهزوم، بحركة ليست ودية فقط، بل أبوية أيضاً كلها حنان·
أما هذا البك فلوقفته أكثر من دلالة، فالشرقيون مثلنا يعرفون أن التحية عندنا كانت تستوجب هذا الرأس المنحني، واليدين المعقودتين على الصدر، إنها عنوان أدب جم وتواضع محمود· ولكن المشاهد الغربي لن يفهم ذلك طبعاً، ولن يرى في وضع هذا البك إلا خنوع المهزوم وذلته، وهو لا يكاد يصدق كرم القائد المنتصر وإنسانيته· فالبك برأسه المنحنى وعينيه المسدولتين، رمز لمصر المفتونة، المنبهرة بالهدية وبالحاكم الصارم الذي يعرف كيف يمزج قوته وحزمه بحنان أبوي يحتضن، أي يحمي أتباعه· إن مصر أصبحت - حسب هذا الرسم - من البلاد التي انضمت إلى فرنسا الثورة، التي يجسدها الجنرال الشاب المحارب باسمها، لقد حققت جيوش الثورة الفرنسية هدفها النبيل في كسب مودة البلاد المطحونة، الشاكرة لتحريرها باسم مبادئ 1789، ووشاحها الملون، رمز الدولة الجمهورية المحررة·
سيبدو المشهد رائعاً للغربيين طبعاً، مؤكداً لهم كرم الجيوش الفرنسية الغازية، ولكنه سيبدو عجيباً لنا نحن أحفاد هذا البك ووشاحه الملون، والسبب بسيط؛ لأن كل من اهتم بتاريخ الحملة، وقرأ الجبرتي، يعرف كيف ثارت ثورة بونابرت عندما رفض المشايخ بعنف ارتداء هذا الوشاح، والأغرب أن هذا الكتاب، الذي يمجد بونابرت وحملته بطريقة غير عادية يضع تحت الصورة المنشورة كلاماً يناقض تماماً ما نقرأه على صفحاته المكتوبة· فتحت اللوحة أسطر تقص علينا كيف ألقى الشيخ الشرقاوي، وقد أحمر وجهه غضباً، بالوشاح المقدم من القائد العام للجيش الفرنسي، إلى نهاية القصة التي سردها هنا إبراهيم أمين غالي، في مقال فرنسي عن الحملة على مصر كما يراها الكتاب المصريون، وهي ترجمة أمينة لما حكاه الجبرتي·
ما هذا التناقض في كتاب يمجد بونابرت وحملته، إلا صورة لبلبلة المؤرخين المعاصرين إزاء أحداث الحملة· فهم لم يعودوا يستطيعون إنكار الواقع التاريخي، وأصبحوا حتى يعترفون به، ولكنهم على الرغم من ذلك لا يتخلون أيضاً عن الأسطورة!
أيا كان، فالملاحظ أن نص الجبرتي يتحدث عن المشايخ، أي عن مدنيين عزل أمام قائد جيش منتصر، قوامه أكثر من 36 ألف جندي، ولكن الرسم يشير إلى أن المهزوم أحد الباكوات، أي ينتمي إلى قوة مصر العسكرية· فبونابرت المنتصر يصور هنا على أنه صاحب فضل وكرم يجعل حتى البك المملوك، الجندي العدو، يذوب خجلاً أمام كرم القائد الأجنبي، المنتصر عليه· وطالما سنجد هذه الفكرة، فكرة مصر الذائبة سعادة وذلة أمام هدايا الجيش الجمهوري ومنحه وتنويره وكرمه، في أدبيات الحملة وفي ولوحاتها؛ لأن بونابرت عندما عاد خلسة إلى فرنسا، بعد فشل مشروعه الاستثماري في الشرق، أمر بعد ذلك ببضعة أشهر بل وسنين أيضاً الفنانين برسم لوحات تؤكد أسطورة الحملة التنويرية على مصر، سواء كان ذلك لتأكيد سياسة عبادة الفرد التي انتهجها، أو ليرد على أعدائه وأقاويلهم عن فشله في مصر·
فكانت إحدى هذه اللوحات، اللوحة المسماة بـ "الجنرال بونابرت يعطي سيفاً إلى حاكم الإسكندرية العسكري" (جـ)· هنا، يتوقف القارئ المثقف ثقافة تاريخية أمام هذا العنوان العجيب؛ كيف يهدي بونابرت أي شيء إلى حاكم مصر، ناهيك عن حاكم الإسكندرية العسكري؟ ومتى نصّب بونابرت مصرياً أو تركياً حاكماً حتى على قرية ليصل به الأمر إلى تنصيبه حاكماً عسكرياً على الإسكندرية، أخطر موقع آنذاك بالنسبة للبلد؟ أيا كان، إن كان أول القصيدة كفر، فلنر ما في القصيدة نفسها·
إن أول ما يلفت نظر المشاهد، الخشوع المطلق للشعب المهزوم، إنهم على يسار اللوحة، ولن يفهم تفاصيل وضعهم إلا الدارس للفن الغربي، والمسيحي منه بالذات فالمسلمون كما كان الفرنسيون يقولون عن المصريين في كل أدبياتهم بملابسهم البنية، يقفون خلف الحاكم العسكري المصري السعيد، ونرى أحدهم يضم يديه بسعادة بالغة·· وكأنه في الكنيسة! إنه أحد ثلاثة رجال لن نفهم وضعهم، بل وثراء لباس أحدهم، إلا إذا تذكرنا اللوحات الدينية الغربية، التي تصور الملوك المجوس الثلاثة، وهم يقفون أمام مهد السيد المسيح، جاءوا إليه من أقاصي الشرق، تقودهم نجمة إلى بيت لحم، حيث يعبدون المولود الجديد، وسواء كان المشهد الفرنسي يفطن إلى هذه المراجع الدينية أم لا، فكلنا يعرف أن فن الدعاية يؤثر على المشاهد دون أن يشعر المتلقي بالخيوط التي تحرك أحاسيسه للتأثير عليه· فنحن أمام لوحة توحي إلينا بانبهار المصريين أمام هبة الفرنسيين لهم في شخص الحاكم المصري، وكأنهم يعبدون السيد المسيح، الذي جاء لينقذ البشرية· فحتى الملابس الفاخرة، لأول المجوس أمامنا مستوحاة مما اعتدنا عليه في اللوحات الدينية التي تصور الحدث الجليل·
هذا بالنسبة للجزء الأيسر من اللوحة وأمام المسلمين· وفي الجزء الأيمن من اللوحة، نرى الفرنسيين وهديتهم التي تعبد هكذا، والضباط منتصبين في كبرياء، وخيلاء بكامل أسلحتهم وملابسهم المزركشة، بجانب العلماء· انظروا إلى الشيخ الهرم على اليسار، كيف يبدو عليه الخضوع أمام الكرم الحاتمي للمنتصرين المسلحين·
نصل الآن إلى محور الصورة، في الوسط، ولا يسع المشاهد المثقف ثقافة غربية إلا الضحك؛ فالمسلم حاكم الإسكندرية يحني رأسه ويتكئ على إحدى ركبتيه وكأنه أحد شباب القرون الوسطى، عندما كان سيده ينصبه فارساً بسيف الفروسية الجديد، وذلك في حفل مهيب! ولتتأكد الفكرة، يقف في وسط اللوحة بالضبط على يسار بونابرت ضابط من سلاح فرسان "الهوصار"، بكامل زيه الرائع؛ إن لون ملابسه حمراء مثل لباس الفارس الجديد، وكأنه ضامنه·· هنا، يتوقف المشاهد العربي متعجباً: كيف لهذا الضابط الأبي أن يحتمل هذا الزي الخانق، بكل هذا الفراء في جو مصر الحار؟ المعروف أن هذا الجو كلف الجيش الفرنسي الكثير من المآسي، وأن بونابرت أمر بتفصيل زي أخف وطأة على جنده حتى لا يقعوا ضحايا شمس مصر الحارقة بعد ذلك· من البديهي أن الفنان الذي رسمه (وهذا أمر نعرفه يقيناً ومسبقاً) لم يزر مصر ويماً،وكأنه أراد أن يفضح بهذا الزي الجميل الكذبة كلها، كذبة لوحة تدعى ما لم يحدث يوماً، أن نصب بونابرت قائداً عسكرياً على الإسكندرية من المسلمين· ففي صفحات أخرى من الكتاب: 36، 37، 38، لوحات نرى فيها كل ملابس الأسلحة المختلفة شاركت في الحملة، ولن نجد فيها طبعاً هذا الزي لسلاح فرسان "الهوصار"·
ولكن ثورة القاهرة الأولى كانت لها أصداء لا يمكن التكتم عليها، ولذا وجب الرد عليها بلوحة رائعة، تشرح للجمهور الفرنسي حقيقة الأمر، أو بالأصح تشرح له ما يجب عليه أن يعرفه، ولا يعرف سواه فلوحة "ثورة القاهرة، 21 أكتوبر 1798" (د) ترشدنا دون مواربة إلى موقع الحق، والعدالة· وأين كانت تقع هذه الصفات النبيلة أثناء الأحداث الدموية التي صاحبت ثورة يوم واحد، لبعض أفراد من شعب مسالم، أحب بونابرت وانبهر بهباته، فمن كان الثائر في يوم 21 أكتوبر 1798 وما كانت حقيقته؟
من درس تاريخ الفن في فرنسا، يذكر حتماً لوحات الفنان دايفيد David الشهيرة، التي أعادت إلى فرنسا قوانين الفن الكلاسيكي الصارم، وكأن لوحاته مشهد من مسرحية يتجمد فيها الممثلون عند اللحظات الحاسمة، فيصورها لنا الفنان في صمودها المفتعل، ليرسم أجساماً رائعة في تناسقها الأمثل· ولكن بدايات القرن التاسع عشر كانت قد بدأت تتجه أيضاً إلى الفن الرومانتيكي بلوحات صاخبة في الحركات والألوان· وراسم هذه اللوحة التي أمامنا كان مما لا شك فيه من تلاميذ "دافيد"، وأن أكثر من أبطالها كما كانت المدرسة الجديدة تتطلب، حتى إن حركاتها فيها من المسرحية ما يذكرنا بلوحات دافيد·
والناظر إلى هذه اللوحة سيرى نفسه مجبراً على مقارنة أكيدة بين خطين متوازيين، بين خط الفرنسي على اليسار، وخط عدوه على اليمين، وكلاهما يشهر سيفه لينقض على الآخر· أما الفرنسي، فهو صورة للفارس الأوروبي النبيل، أي صورة للحضارة الوحيدة في العالم، ملابسه جميلة وكاملة، وألوانها محببة للنفس، سواء كانت بيضاء أو حمراء أو وردية؛ بينما غريمه على اليمين له جسم ضخم، عار تماماً، كأي متوحش يعيش في الغابات، وجهه أسود لتتأكد بربريته كما كان نمط المتوحشين في أدبيات ذلك العصر·
إذا عدنا إلى قراءتنا لهذه اللوحة الصاخبة في حركات أبطالها وألوانها الفاقعة، إذا عدنا إلى مشاهدة المتوحش الأسود العاري بعنفه وبربريته البدائية، سنفهم أنه في الواقع عبد يدافع عن سيده، كأي كلب أمين مروض· أما هذا السيد، فهو أيضاً مثل الفرنسي صغير السن، وألوانه بيضاء وردية، ملابسه الفاخرة، ولونه الأبيض، يؤكد أنه من المماليك الذين يحارب الفرنسيون طغيانهم· ولكن المفارقة لا تقف عند هذا الحد· فإن كان الفرنسي يهاجم بهدوء وجسارة يحسد عليهما وسط كل هؤلاء المتوحشين، فالسيد المملوك "المسلم" ساقط على الأرض وعيناه مغمضتان· ونظراً لأننا لا نرى أي آثار دماء على ملابسه البيضاء الثرية، فمن البديهي أنه سقط مغشياً عليه، تاركاً أمر المعركة كلابه من العبيد الأوفياء· فالمماليك أعداء الفرنسيين، جبناء، يتركون المعركة لأسافل المجتمع من عبيد متوحشين· ومرة أخرى نعجب لما يرتديه المحاربون! ولكن العجب يكون في هذه المرة لملابس الثوار المسلمين·
بعد هذه الثورة الدموية التي لم يشارك فيها المماليك في حقيقة الأمر، بعدها ــــ وقد عرفنا الآن أين يقع الحق والحضارة والشجاعة بل والسماحة ــــ يأتي عصر النور بانتصار بونابرت على المماليك الجبناء والعبيد العرايا المتوحشين· إنه انتصار قوى النور ـــــ والتنوير إذن ــــ على قوى الظلام والتخلف والتعصب الديني الأعمى، كما نقرأ في كل أدبيات الحملة· وسنرى كل هذه المعاني مجسدة في اللوحات التالية المسماة "بونابرت في الجامع الكبير بالقاهرة" (ب)· نفهم طبعاً أنه يعني جامع الأزهر، ومرة أخرى تكون أول القصيدة كفراً، إذ من المعروف أن بونابرت لم يدخل يوماً إلى أي جامع، ناهيك عن جامع الأزهر الشريف· ومرة أخرى نستقرىء ما نراه في هذه اللوحة الرائعة التي لن يفهم رموزها ــــ مرآة أخرى ــــ إلا دارس الحضارة لغربية، والدين المسيحي بالذات، كما أن الحضارة العربية لا تفهم برموزها وإيحاءاتها إلا لدارس الدين الإسلامي·
إن أسلم وسيلة لإقناع الغير هي التحدث بلسانه، وإن استوجب الأمر لي الحقائق وتشويهها، وما المانع من تشويه التفاصيل إن كان إجمال العمل نفسه كاذباً· ولذا كانت رموز اللوحة مسيحية أو غربية ولا علاقة لها بالشرق ولا بمصر ولا بالإسلام· فاللوحة مثل لوحة القائد العسكري للإسكندرية، مثل رائع آخر لحجم التهويمات عندما يتعرض الفرنسيون للحملة وأساطيرها المغايرة للواقع والتاريخ؛ إنها لوحة رائعة، نرى فيها أول ما نرى، بونابرت وحده في أعلى اللوحة على اليمين، ومن ورائه مدينة بيضاء وسماء زرقاء صافية، وكأنه ينزل منها على جواده الأبيض في نفس الهدوء والوقار المحببين للنفس، اللذين نراهما في كل اللوحات التي تقدمه للجمهور··وهو هنا وحده مادا يده إلى الأمام، وكأنه يستحوذ من أعلى اللوحة على كل النور الذي يغمر هذا الجزء، أعلى جزء· كأن نوره هو وحده، نور بونابرت بيده الممدوة، هو الذي يدفع كل ظلام الجامع أسفل الصورة، وجمهور المهزومين غارق من تحته في هذا الظلام، ينظرون إليه من أسفل، ينظرون إلى النور الذي لا يشع إلا من أعلى الصورة، وكأنه يشع من شخص بونابرت وجواده الأبيض، وليس من باب الجامع والسماء الصافية من خلفه· إن بونابرت يدفع بوجوده السماوي، هؤلاء المهزومين ونراهم مطحونين متجمدين رعباً، أو متحدين في هذه الظلمات، وما هي إلا كناية بدائية لحالهم الواقعي، أسفل أدراج الجامع، كناية أخرى لا تقل بدائية في زمزيتها عن الكنايات الأولي، والتعارض بين النور والظلام، والأعلى والأسفل، والسماوات والأرض، والجنة والنار، نار الجحيم·
والمشاهد الغربي المتشبع بالثقافة المسيحية واللوحات والتي تصور قصصها وأساطيرها، سيفكر حتماً في "سان ــــ ميشال"، أي "ميخائيل" رئيس الملائكة، هو الذي قاد جيوش الحرب ضد الشيطان عندما ثار الأخير على الناموس الإلهي والخير المشع منه، نراه دائماً سواء كان ذلك في اللوحات أو التماثيل، رافعاً أو ماداً سيفه وجناحيه من خلفه تؤكدان هويته، ينظر إلى أسفل حيث يقبع الشيطان مطحوناً رمزاً لقوى الظلام والضلال، والثورة الفاشلة الممقوته· وبونابرت في هذه اللوحة، نراه نازلاً من السماء على جواده الأبيض كأنه ملاك الحق والنور (والتنوير إذن)، ينظر بهدوء أسفل قدميه إلى قوى الظلام والجهل وكل ما ادعته الحملة في أسطورتها الكاذبة عن مصريي ذلك العصر، وثوارهم· إن مجرد وجود بونابرت يدحض قوى الشر، وكأنه الملاك القائد ميخائيل في هذه اللوحة·
أما باقي اللوحة، فلا يقل رمزية ولا كذباً؛ فهندسة الجامع لا علاقة لها بجامع الأزهر، ولكن كان لابد أن توجد به أدراج حتى تعلو مكانة بونابرت· وعلى يسار اللوحة على يسار بونابرت رجل من البديهي لنا أنه يكبر ليبدأ صلاته الإسلامية؛ فما علاقة ذلك بما يدور من حوله، والجثث المتناثرة تؤكد وجود المعركة الخاسرة؟ لن نسأل الفنان الذي رسم اللوحة، فالأمر واضح، إنه لم يزر أي بلد إسلامي من قبل، وإلا لما رسم أيضاً امرأة عارية في أسفل اللوحة على اليمين! إنها تتضرع للسماء مشكورة، ولكن المنظر ينتمي إلى الغرب أكثر منه إلى أي بلد شرقي، خاصة في ذلك العصر· إن صح في أي عصر أن توجد امرأة في مسجد، وهي على قيد الحياة وليست جثة هامدة! حتى وإن كانت جثة هامدة· كذلك من مر الصبي الذي يجري في فوقها، إنه صبي باريسي يرتدي ملابس العصر الذي رسمت فيه اللوحة، إنه يذكر في الحال كل قارئ للأدب الفرنسي بالشخصية الشهيرة "جافروش" Gavroche، لرائعة "فيكتور هوجو" "البؤساء" بلبسه الذي لم يعرفه حتى الأزهر إلا في عصرنا، ومنذ عقود قليلة!
أما المحارب الثائر الواقف أمامنا، ونراه من الخلف فرداؤه من القرون الوسطى وكأنه ذاهب لملاقاة الملك لويس التاسع! ألم نقل أن القرون الوسطى هي في ذلك العصر رمز التخلف والظلمات؟
فالمحارب رمز الشر الذي يطحنه بونابرت لمجرد وجوده، لا يمكن أن يكون إلا المتعصب الذي يعيش في قرون الظلام، إنه تجسيد فني لما كان يقوله نابليون في مذكراته التي نشرت جريدة "الأهرام" مؤخراً عرضاً لها في كتاب عن "حملات مصر وسوريا"، أن المماليك أشجع فرسان الشرق حسب تسميته لهم، كانوا يتجمدون رعباً عند سماع اسمه، ناهيك عن وجوده، شيء لم نسمع عنه إلا على لسان مثل باقي الأكاذيب التي تحي عن حب المصريين له وتشبيههم له بالأنبياء، في كتاب مذكراته الآخر الشهير "الميموريال" Le Memorial، وهكذا تبرئ هذه اللوحة الحملة على مصر من كل جرائمها، بما فيها تلويث الجوامع؛ لأن بونابرت هو الملاك القديس "سان ــــ ميشال"، ميخائيل رئيس الملائكة، قاهر قوى الظلام والشيطان، والثائرون عليه لا يجدون النور إلا بالنظر إيه، فما هم إلا قوى الشيطان والظلمات التي يجب دحضها، فما أجمل حملة عسكرية قامت بمثل هذا العمل النبيل من أجل خير البشرية المضللة وراء الشيطان·
ثم تأتي اللوحة الشهيرة "للمصابين بالطاعون في يافا" (هـ)· وكان لها صدى عظيم عندما أمر بونابرت الفنان "جرو" Gros برسمها· كانت اللوحة قبل كل شيء رد بونابرت على الإنجليز الذين أشاعوا أمر بتسمين جنوده الماصبين بالطاعون، وهو في طريق العودة إلى مصر بعد فشله أمام عكا· سرى النبأ كالنار في الهشيم، ووصمت الجريمة الشنعاء سمعة بونابرت الناصعة، حتى أنه قضى باقي حياته ينفي الأمر برمته، للدفاع عن نفسه· أما المفتونون به فقد دخلوا بسبب هذه الحادثة في معاركة كتابية لا حصر لها·
واللوحة فنياً جميلة جداً،ولكن إيحاءاتها مرة أخرى لن يفهمها إلا المسيحي، القارئ للأناجيل· فنحن نجد في إنجيل مرقس في الإصحاح الأول (42 - 40) ما يلي: "فأتى إليه (أي إلى السيد المسيح) أبرص يطلب إليه جاثياً وقائلاً له: إن أردت تقدر أن تطهرني، فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له: أريد فأطهر، فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص وطهر"·
والقارئ المسلم يعرف طبعاً أن السيد المسيح، في الديانة المسيحية هو الرب، كما هو ابن الرب الذي أرسله لينقذ البشرية· ومع ذلك، فنابليون بونابرت كان يُشبه به، وأحياناً كان لا يقال إنه يتفوق عليه، إنها عبادة الفرد كما لا تتخيلها في بلد التنوير، وفي عصر العلم والحكمة والعقل، عند ورثة فلاسفة التنوير· ولم يكن المتملقون له هم وحدهم الذين ستعملون هذه المقارنة الكافرة، بل حتى رجال الكنيسة الكاثوليكية كانوا على رأس من أطلقوا هذه الزندقة· كان نابليون يسطير على الكنيسة، كما كان يسيطر على كل شيء، بل وسعد بمثل هذا الكلام الذي يوحي به للقساوسة، كما نقرأ في العديد من كتب الأستاذ "چان تولار" Jan Tulard المعاصرة· هذا الكلام الخطير نجده في كتبه النفيسة عن نابليون أو المنقذ· وأسطورة نابليون وأساطير نابليون·· إلخ كانت هذه الكتابات بمثابة النهاية لأسطورة نابليون الرجل الخارق؛ فقد فضح فيها الأستاذ نولار بالوثائق والبراهين القاطعة، كيف وظف نابليون كل شيء من أجل خلق أسطورة الرجل الخارق، مستعيناً بدعاية سافرة في كل المجالات، ولكن، ويا للعجب لم يتعرض الأستاذ الكبير چان تولار، المحقق المدقق ولو مرة واحدة لأسطورة الحملة على مصر·· فأسطورة هذه الحملة من المقدسات التي لا تُمس حتى إن كانت صورة نابليون الإله قد هوت في كل الميادين الأخرى!
أيا كان، فها هو بونابرت يتوسط اللوحة، كعادته في اللوحات، ولكنه هنا يلمس بيده صر المريض الذي ينزل النور عليه، وكأن بونابرت هو السيد المسيح الذي يلمس الأبرص فيشفيه، والمريض يقف رافعاً ذراعه وكأنه "لعازر"، وقد عادت إيه الحياة كما أراد له السيد المسيح، والكفن يسقط منه·· وما الكفن هنا إلا قميص أبيض·
هكذا انبهر الجمهور الفرنسي دن أن يدري لاذا، بشجاعة قائده الإلهية، الذي لم يقم فقط بزيارة مرضى الطاعون، بل لمسهم أيضاً، دون خوف من أي خطر عليه· فهو كما كانت تؤكد أسطورته منذ بدأت عام 1796، فوق البشر أن قواه خارقة، إنه التجسيد الحي لمقذ البشرية، السيد المسيح، الرب ابن الرب في الديانة المسيحية، ديانة الشعب الفرنسي كله آنذاك·
قال نابليون يوماً بمناسبة هذه اللوحة: "إن ما من عاقل سيقوم بمثل هذه الفعلة المتهورة، ويقامر بحياته، ويعرض كل جيشه للهلاك إذا أصيب هو بالطاعون"، ونحن طبعاً لم نكن ننتظر مثل هذا التكذيب لنعرف أنه كان مدعياً، عندما أمر الفنان "جرو" برسم لوحة تؤكد أنه كان يرعى جنده، حتى لمسهم وهم مصابون بالطاعون، فتتأكد استحالة أمر تتسميتهم بعد ذلك·· ولكن الحقيقة كانت أقوى من الفن الذي أدعى به نابليون أنه برئ، فعاش مطارداً بهذا الاتهام· قد قدم السم لجنده، ولم يسعفهم· حتى إن قون بالسيد المسيح، ولم يكن النور الشمع في مصر، حتى إذا تحلى زوراً بصفات القديس ميخائيل على لوحة كبيرة، ولم يقدم سيفاً إلى حاكم مصري لم يكن له يوماً وجود·· إلخ!!
كذب نابليون كثيراً، وادعى أكثر، ولكنه كان صادقاً في مذكراته الشهيرة "الميموريال"، عندما قال: "إن الكلمة تكون دائماً للمنتصر"، وهو يحكي الأحداث من وجهة نظره، كما حدث في حروب الإغريق ضد الفرس· وتساءل: ترى، ماذا كان يقول الفرس لو أنهم تكلموا مثلما فعل الإغريق المنتصرون، بعد الحرب الضروس بينهما؟
وردنا عليه بسيط، فما على مهزومي الأمس إلا كشف أكاذيبه، حتى الجميل منها مثل هذه اللوحات التي لا تصور إلا خيالات نعرف حقيقتها، فينفضح أمرها، ويظهر افتراء أسطورة حملته على مصر· فالأسطورة لم تُبين إلا على تزييف الواقع، كما زيفت دعائيته واقع المصريين في نهاية القرن الثامن عشر، وكأن لا تاريخ لمصر قبل وصول "المنقذ" الفرنسي إلى شواطئها·
* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999
** أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة