· هل الهدف هو تحاشي إزالة "المسؤول الأكبر"؟
لم تُثر المعلومات الصحفية التي نشرت أخيراً بشأن إزالة قصر الضيافة الواقع في قصر بيان استغراب المراقبين المتابعين للموضوع حيث سبق لـ"الطليعة" أن كشفت في الصيف الماضي تفاصيل التلاعب بهذا المشروع· فعلى مدى أربعة أيام متتالية (11-12-14-13/9/99) نشرت الزميلة "القبس" أخبارا مفادها أن وزارة الأشغال قررت إزالة قصر الضيافة في "بيان" نتيجة لعيوب فنية تتحمل فيه الوزارة مسؤولية الإشراف على تلك الأخطاء· وكردة فعل على ذلك قررت جهات مسؤولة في الدولة - وفقا للـ "القبس" - سحب مشروعات إنشائية من "الأشغال" نظرا لحجم الفساد الكبير المتغلغل في القيادات ذات الصلة بالمشاريع التي تنفذها الوزارة لحساب الدولة·
والقصة بدأت عندما رأى "البعض" أن تصميم القصر ومساحته لا يتناسبان مع ما هو مطلوب توافره في قصر للضيافة على الرغم من أن وزارة الأشغال قد قطعت شوطا طويلا ومكلفا في إنجاز أكثر من مرحلة من مراحل بناء القصر الذي يكلف بناؤه وفق العقد الأولي 14 مليون دينار، لذلك أُبلغت وزارة الأشغال - حينها - بإيقاف استكمال بناء القصر من أجل عمل الدراسات والتصاميم اللازمة لبناء دور ثالث للمبنى·
ونظرا لتضخم ملف "الأشغال" بالفضائح التي بادرت "الطليعة" بكل فخر بنشرها، فلقد لعبت الوزارة لعبة لا تخلو من ذكاء حيث وافق وزيرها - حينذاك - على رأي رئيس مهندسي المشاريع الخاصة بالإنابة بعرض الموضوع على لجنة الطوارئ (يرأسها وزير الأشغال) التي شكلت لغرض تنفيذ قاعة المؤتمرات الخاصة بمؤتمر قمة مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في الكويت في ديسمبر 1997 لتمرير هذه التعديلات من دون الرجوع الى لجنة المناقصات وديوان المحاسبة كما تنص اللوائح· وعلى الرغم من عدم اختصاص لجنة الطوارئ بتمرير مثل هذا الأمر الذي لا يقع تحت نطاق مسؤولياتها، فإن المضحك في الأمر هو أن "لجنة الطوارئ" مررت التعديل على مشروع القصر بعد انتهاء فترة عقد مؤتمر القمة "الخليجي" وهو ما يفترض أصلا انتهاء عمل لجنة الطوارئ المختصة فقط بتجهيز قاعة المؤتمرات بقصر بيان·
ومن خلال لجنة الطوارئ - غير المختصة ومنتهية الصلاحية في آن معا - صدرت التعليمات لإحدى شركات المقاولات المحلية بمباشرة العمل ــــ أي تكسير القبة وبناء الدور الثالث - على الرغم من اعتراض ديوان المحاسبة على توقيع العقد·
وتم بالفعل تكسير القبة، بحضور مهندسي الأشغال الذين لم يعترضوا ولم يوصوا المقاول المحلي بحماية المبنى كما هو منصوص عليه بالعقد المبرم بين الوزارة والشركة التي ستنفذ بناء الدور الثالث، الأمر الذي دفع الشركة التي نفذت بناء الهيكل الخرساني الأصلي (قبل فكرة التعديل) الاعتراض على عمل التعديلات ورفع دعوى قضائية على الوزارة لإثبات حالة الأعمال قبل تغيير معالمها!
فما الذي حدث؟
تصدع المبنى من جراء أعمال التكسير مما تسبب في إحداث شروخ غطت جسم الهيكل الخرساني، وعلى الرغم من وجود آراء فنية ترى أن لا ضرورة لإزالة القصر بأكمله لأنه بالإمكان معالجة تلك الشروخ إلا أنه يبدو أن الوزارة تريد إزالة القصر حتى تغطي على عيوب موجودة أصلا في التصميم الإنشائي·
والمشكلة الأكبر ضرراً الآن هي المطالبات الكبيرة التي تقدر بعشرات الملايين من جانب الشركات التي ارتبطت بعقود مع الوزارة قبل تغيير الأخيرة لشكل القصر وسعته، حيث رفعت الشركة المنفذة لأعمال الهيكل الخرساني دعوى تعويض ضد الوزارة نتيجة لعدم رغبة "الأشغال" في إتمام المشروع في شكله الأولي المتفق عليه، كما رفعت الشركة التي كانت ستتولى أعمال التشطيبات الداخلية دعوى مماثلة لأنها استوردت كل المواد بموجب ما تم الاتفاق عليه مع الوزارة، كما فعلت كذلك شركات أخرى كثيرة ومن المتوقع أن تبلغ قيمة التعويضات ما يفوق 20 مليون دينار·
ومن المؤكد أن المال العام وحده هو الذي سيتحمل هذه المبالغ، أما المسؤولون عن الفساد فلا يستطيع أحد أن يحركهم من مناصبهم نظرا للحماية التي يتمتعون بها من بعض "الكبار" فالمؤلم في الأمر أن كل هذه القرارات العشوائية والمتضاربة لا تخلو من شبهات مالية تحيط بذمم المسؤولين عن هذه الأعمال وكأن المال العام سائب لا مالك له، فبعد صراع طويل بدأناه في "الطليعة" مع رموز الفساد في وزارة الأشغال أصابنا منه الكثير من التشكيك إلا أن القضاء الكويتي انتصر لنا في النهاية حيث أصدرت محكمة التمييز أخيراً حكما بالسجن لمدة ثلاث سنوات وأربعة أشهر على كل من المهندس بسام القعود والمهندس ماجد شعيب وعزلهما من منصبيهما في وزارة الأشغال عن القضية المرفوعة ضدهما بشأن التلاعب في الأموال العامة والاختلاسات التي تمت في أحد الأوامر التغييرية في قصر بيان وهو مشروع تنظيف الحديد·
وإذا كان القضاء قد قال كلمته وأدان اثنين من حرامية المال العام، فإن مما يؤسف له أن هناك "أجهزة" في الدولة قد عشعش فيها الفساد بدرجة كبيرة حيث تسهل عملية هروب المتهمين كما في حالة بسام القعود الذي هرب قبل الحكم الأول وعاد قبل حكم الاستئناف وهرب ثانية قبل حكم التمييز، وكذلك ما تم تدبيره لعبدالفتاح البدر وحسن قبازرد المتهمين في قضية اختلاسات الناقلات·
وإذا عدنا الى وزارة الأشغال، فإن الأدهى في فساد بعض "الأجهزة" هو أن بعض كبار المسؤولين في "الأشغال" لم يتزحزحوا عن مناصبهم حتى هذه اللحظة على الرغم من وجود اختلاسات كثيرة وقضايا منظورة في المحاكم، وعلى الرغم أيضا من تعاقب أكثر من خمسة وزراء على الأشغال، فحتى لو حاولنا أن نقنع أنفسنا بأن هذا "المسؤول الكبير" في "الأشغال" ليس من أصحاب الذمم الفاسدة فإنه حتما مسؤول - من الناحية الإدارية على الأقل - عن كل تلك السرقات والتجاوزات وهو الأمر الذي يحتم تغييره· ولكن القول الشائع هو إنه لا يوجد مسؤول أو وزير يجرؤ على إبعاد هذا "المسؤول الكبير" عن منصبه خشية من نفوذه الكبير·
ولذلك تظل مسألة سحب المشروعات من وزارة الأشغال خطوة غير موفقة حيث إنها لا تعالج الخلل في مكمنه، فالأولى بالمسؤولين إصلاح وزارة الأشغال لا تجريدها من صلاحياتها في الإشراف على الأعمال الإنشائية للدولة فهذا من صلب اختصاصها وإلا فلا داعي لوجود وزارة أشغال إذا كانت لا تقوم ببناء المشاريع العائدة للدولة·