رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20 جمادى الأولى 1420هـ - 25-31 أغسطس 1999
العدد 1391

"غسل الأموال": صناعة مزدهرة تتفوق على هيئات الرقابة والمكافحة

لم يعد تبييض الأموال يحتاج إلى اجتياز الحدود خفية بحقائب مليئة بأوراق نقدية مستعملة· فهذا النشاط تحول اليوم صناعة مالية مستقلة· وهو يدبر كل سنة مليارات الدولارات ويضخ الحياة في "جنائن مالية" ومؤسسات مالية متخصصة في تدوير الأموال القذرة·

وفي تقرير نشرته وزارة الخارجية الأمريكية في نهاية العام الماضي جاء أن "المجرمين صارت لهم اليوم اليد العليا فوق هيئات الرقابة لعبورهم على طرق جديدة لتبييض الأموال تزداد تطوراً"·

وتغذي الأعمال الإجرامية، مثل تبييض أموال المخدرات والبغاء والإجرام المالي (ومنه تحويل الأموال المختلسة وثمار الفساد والتزوير) شبكات غسل الأموال في جميع القارات· فالتبييض الذي كان مقتصراً في بداياته الأولى على أموال المخدرات صار حسب إيف غوديغو رئيس "المكتب المركزي لمحاربة الانحرافات المالية" "الظاهرة الأكثر انتشاراً في عالم الجريمة المنظمة، فهذا النشاط يندمج في النسيج باعتباره جزءاً مكوناً ويقوم حول ثلاث تقنيات: الإيداع الذي يحول العملة الورقية إلى عملة كتابية (رقمية) ثم التكديس الذي يمنع التداول وبعده الاندماج في الاقتصاد"·

والأموال المستثمرة في النهاية لدى مؤسسات "محترمة" تنتقل معظم الوقت بواسطة بؤر متمركزة في "جنائن" مالية تجعل مصدر الأموال الآتية مجهولاً· وغالباً ما تختلط الأموال القذرة بعائدات شرعية آتية من نشاطات اقتصادية ومن شركات ذات وزن في الأسواق·

قدّر ديفيد بيكفورد، وهو متخصص لدى البنوك في مكافحة الأموال القذرة، في فبراير الماضي بمناسبة مؤتمر انعقد في براغ أن كتلة الأموال المبيّضة في العالم تبلغ ألف مليار دولار في السنة· واستناداً إلى مصادر البرلمان الأوروبي، تبيِّض العصابات في أوروبا وحدها مئة مليار دولار سنوياً· وكان صندوق النقد الدولي قدّر في يوليو من عام 1996 أن تبييض الأموال شمل حتى الآن نحو 500 مليار دولار·

اندفعت هذه الجريمة المنظمة إبان السنوات الأخيرة من خلال ثغرة فتحها تحرير حركة رؤوس الأموال وتطور الأسواق المالية وتعدد وسائل تهريب الأموال من أمام الضرائب إلى "الجنائن المالية" البعيدة· ويوضع أحد مسؤولي مكافحة غسل الأموال لدى البنك المركزي الفرنسي أن "الأموال التي تجمعها عصابات الجريمة المنظمة تكون نقوداً (مسكوكة) بنسبة 95 في المئة· وينبغي تحويل هذه النقود المنقولة إلى نقود كتابية أي إلى حسابات مصرفية تم تسويغ مصادر هذه العائدات· وحتى لا تتعرض الجريمة المنظمة كثيراً (للفضح) فهي تعمد إلى أن يتعهد آخرون (بالمقاولة) تبييض الأموال وتمريرها عبر مراكز مؤسسات مالية تقع في غالبية الأحيان في جنائن مالية"· ثم تخلط الأموال المبيضة بتلك المحصلة من الأنشطة المالية الشرعية ويطرحها أصحابها في الأسواق المالية·

وكتب خبراء صندوق النقد الدولي أن "تحويلات تبييض الأموال تستفيد من طائفة واسعة من الأدوات المالية بما فيها الإيرادات المستقلة، فحركة رؤوس الأموال التي تمثلها ربما تؤدي جزئياً إلى زعزعة الاقتصادات التي استثمرت فيها رؤوس الأموال هذه"·

أما التحقيقات التي تجريها أجهزة الشرطة ومصالح الضرائب فهي أشد تعقيداً لما كانت المؤسسات المالية المشكوك فيها لا تمارس أي نشاط إجرامي غير التبييض· وهناك مشكلة أخرى ربما لا يوجد حل لها وهي تصدر من البلدان التي يعمل معظم اقتصادها بالمدفوعات النقدية (المسكوكة) (لا بالشيكات أو بالتحويلات المصرفية) مثل روسيا، وهكذا يستحيل تحديد مصادر الأموال·

منذ تسع سنوات، أخذت منظمة دولية جديدة باسم "مجموعة العمل على مكافحة تبييض الأموال" وتضم 26 دولة بدعوة الدول الأعضاء إلى تشديد تشريعاتها ضد التبييض وإلى مزيد من التعاون· لكن هذه المنظمة التي تأسست في باريس أثناء قمة الدول الصناعية السبع تصطدم بعدة عوائق· ففي بعض دولها هناك غياب تام لأي تشريع لمكافحة غسل الأموال، في حين أن شبكات تدوير الأموال تعتمد باضطراد على وسطاء ماليين غير مصرفيين مثل مكاتب الصيرفة وشركات التأمين الصغيرة غير الخاضعة كثيراً للرقابة مثل البنوك· لكن المشكلة التي تعتبر المصدر الأكبر لخوف المتخصصين في المكافحة هي تطور تحويلات العملات والنقود من خلال الشبكات الخارجة على السيطرة مثل الانترنت·

"عن لوموند"

طباعة  

الغرب لم يحدد استراتيجية للتعامل معها
روسيا حائرة في السياسة الخارجية والبديل: مبدأ"العزّة بالضعف"