رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20 جمادى الأولى 1420هـ - 25-31 أغسطس 1999
العدد 1391

الغرب لم يحدد استراتيجية للتعامل معها
روسيا حائرة في السياسة الخارجية والبديل: مبدأ"العزّة بالضعف"

كارثة! بهذه الكلمة وصف أحدهم لهجة سوقية موسكوفية كل شيء في الاتحاد السوفييتي السابق، ومنه المنتجات والناس والأخلاق والأفكار والسياسة· فهل أن السياسة الخارجية الروسية صارت بعد أزمة كوسوفو مجرد كارثة؟ فالقادة والمراقبون والمحللون في المعاهد، الذين يحللون هذه السياسة أو يصوغونها، ينقسمون حول كل شيء بشأنها· فالميول تتضارب بنطاق كبير يراوح ما بين أنصار إحياء الحرب الباردة، وبين أنصار التغريب الذين صعبت مهمتهم كثيراً أثناء الحرب مع يوغوسلافيا، مروراً بجميع أصحاب المواقف الوسطية المتمايزة·

فما كان معروفاً إن كان رئيس الوزراء المعين فلاديمير بوتين، الذي ينتظر مصادقة البرلمان على تعيينه (المقالة كتبت قبل نيله المصادقة) يبقي وزير الخارجية الحالي إيفانوف الذي أظهر حزماً بل صلافة مع الغربيين· لكن في العمق، يبدو أن الرئيس بوريس يلتسين انخرط في الحوار بإعلانه أن صفحة كوسوفو يجب أن تطوى· وفي هذا الاتجاه نفسه، يمكن وضع استئناف المحادثات مع حلف شمال الأطلسي والإطلاق القريب للمفاوضات بشأن خفض الأسلحة الاستراتيجية والاستقبال المتحفظ الذي لقيه في موسكو رئيس جمهورية مونتينغرو وميلو ديوكانوفيتش خصم الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش·

غير أن الحرب في كوسوفو أحدثت زلزالاً في الدبلوماسية الروسية كان أقوى من آثار توسيع حلف شمال الأطلسي (نحو الشرق) الذي خاض ضده الكرملين معركة كلامية حامية طالت سنوات· ففي الواقع أكدت حرب كوسوفو مخاوف أولئك الذين يعارضون في موسكو النوايا الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً· وهي عززت الإحساس بالعزلة لدى روسيا التي لم تعد تستطيع الاتكال على "منطقتها العازلة" الأوروبية الشرقية كما كان الحال أيام الاتحاد السوفييتي·

فعندما أغلقت الدول الأوروبية الشرقية المنتسبة حديثاً إلى الحلف الأطلسي أو تلك الراغبة في الانضمام إليه مجالها الجوي أمام الرحلات العسكرية الروسية المتجهة إلى كوسوفو فقد أثبتت أن هامش المناورة أمام موسكو (حسب الرؤية الروسية) النوايا الخبيثة للغربيين عندما بدأوا باتجاه توسيع الحلف نحو الشرق·

من هذا الواقع، انتزع أنصار الخط المتشدد في موسكو ذريعة للمطالبة بإعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية وبزيادة الانفاق العسكري وبإطلاق البحث العلمي من أجل التكنولوجيا المتطورة وبإعادة تقييم دور الأسلحة النووية في مواجهة تفوق الحلف الأطلسي في الأسلحة التقليدية وبنشرها في أراضي بيلوروسيا كما في منطقة كالينيغراد الروسية (الواقعة على بحر البلطيق) وبمراجعة اتفاقات نزع السلاح وبالبحث عن تحالفات مضادة مع الصين مثلاً·

هذه الميول كانت قائمة قبل كوسوفو لكنها اكتسبت الآن قوة جديدة جعلت الكرملين يقف أمام أمر واقع· والاستياء الرسمي الروسي بلغ حداً جعل وزير الخارجية الروسي يتساءل أمام أحد زملائه الغربيين في زيارة لموسكو كيف يمكنه (إيفانوف) أن يستقبل خافيير سولانا باعتباره مسؤولاً عن السياسة الخارجية والأمن الجماعي الأوروبي بعد كل الذي فعله في كوسوفو (باعتباره أميناً عاماً للحلف)·

من أبريل حتى يونيو راجع المسؤولون الروس بالتفاصيل سياستهم الخارجية وأمعنوا النظر في جميع الخيارات· ولم ترد كلمة كارثة على ألسنتهم لأن المعتدلين المناصرين لمتابعة التعاون مع الغرب استطاعوا تقديم ذرائع ذات وزن· فلا شك أن هناك الاتكال المالي على الغرب  الذي تعانيه موسكو الذي أبرزته آخر منحة من صندوق النقد الدولي· لكن المسؤولين الدبلوماسيين بينوا أيضاً أن حرب كوسوفو كانت فرصة غير منتظرة جعلت روسيا تعود إلى مركز الاهتمام وأنها لعبت دوراً حاسماً في جميع الوجوه في وقف العداوات مع صربيا·

لكن ما يأسف عليه المحللون هو أن الاستقرار في الحياة السياسية الداخلية في موسكو لا يسمح بتحديد المصالح الوطنية الجديدة لروسيا بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي وتقلص مجالها الحيوي· فالروس قد لا يعود لهم غير دور "المراسل" المكلف نقل رسائل الغرب وممارسة الضغوط على حلفائه حتى يقبلوها كما حصل مع ميلوسيفيتش·

أما المتغير الآخر فهو سياسة الوخز بالدبابيس ومنها الوصول المفاجئ للجنود الروس إلى كوسوفو ومطار بريشتينا قبل وصول الجنود البريطانيين التابعين لقوة "كفور" فهذه الخطوة لم تكن جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى لأن روسيا ليست في وضع يسمح لها بإسناد جنودها في كوسوفو· وهؤلاء يتكلون على الامدادات الغربية حتى يبقوا في منطقة لم ترحب بهم·

"العزّة بالضعف" حسب تعبير دبلوماسي رفيع من أوروبا الوسطى، أي خطوة برشتينا أعطت موسكو وسيلة للتأثير في قرارات حلف شمال الأطلسي، وهذه الغاية (أي التأثير) هي الأولى في الدبلوماسية الروسية· وفي هذا الصدد، كان الإعلان الغربي الروسي بشأن كوسوفو في يوليو بعد استئناف الاتصالات بين موسكو و"الأطلسي" ذات دلالات· فمن دون أن يذكر الإعلان شيئاً عن قوة "كفور" حتى لمرة واحدة، فهو وضع الحلف وروسيا على قدم المساواة كما لو أن الطرفين مؤسستان تتقاسمان المسؤوليات في كوسوفو وكلف المجلس المشترك لروسيا والأطلسي بدراسة وسائل تعزيز الأمن في كوسوفو، كما لو أن لروسيا الحق في المشاركة بالقرارات المتصلة بأنشطة الحلف· وهذا يتصل باقتراحات شكلية أكثر من اتصاله بنفوذ (روسي) ملموس على الأرض· لكنه يؤكد أن الروس لم يتراجعوا عن محاولة الحصول على ما رفض الغربيون تقديمه مقابل توسيع الحلف، أي الحصول على حق النقض في ما يخص القرارات الأطلسية·

 هذا الطموح تعزز بالطريقة التي جرت وفقها مفاوضات رامبوييه (بفرنسا بين الأطلسي وجيش تحرير كوسوفو ويوغوسلافيا) وفي فشلها ثم في قصف يوغوسلافيا· فالروس طغى عليهم انطباع بأنهم مهمشون، ثم تبين لهم أن الغرب دعاهم إلى تأدية دور في إبرام تسوية عندما تبين أن الغارات لم تسفر (في وقت قصير) عن النتائج المرجوة· وهكذا أدت حرب كوسوف إلى زيادة حيرة جميع الفاعلين في السياسة الخارجية الروسية وزيادة ارتباكهم في محاولة فهم وضع لم يتبينوا ملامحه·

ويصح القول أيضاً إن حيرة الغرب تجاه السياسة الخارجية الروسية ليست أقل من ذلك، فمنذ نهاية الحرب الباردة مازال الغربيون يبحثون عن معاملة متوازنة مع روسيا فأحياناً يحرم هؤلاء روسيا من أي أهمية، وأحياناً أخرى يتملقونها من دون أي لياقة·

"عن لوموند"

طباعة  

"غسل الأموال": صناعة مزدهرة تتفوق على هيئات الرقابة والمكافحة