· أستطيع أن أجزم بأن "الموت" أخطر من أن يقرر الأمر فيه الأطباء وحدهم، والموت ضد الحياة، والحياة هدف والطب مهنة ووسيلة لحماية الحياة، والطب تخصص فني يقوم على خدمة الحياة، وليس أمر الموت والحياة باعتبارهما كذلك، مما تستبد به مهنة الطب وحدها، فتكون هي صاحبة الرأي الوحيد أو تكون هي صاحبة القرار في هذا الشأن
· هذه المسألة ليست مما يختلف فيها موقف الشريعة الإسلامية عن موقف القوانين الوضعية - فإن نقل عضو من جسم شخص آدمي إلى جسم شخص آخر لا يوجد إلا حال الضرورة - أو الاحتياج الشديد - والفقه الإسلامي لا تختلف الآراء فيه حول أن الضرورات تبيح المحظورات، وكل الاختلاف يرد في تقدير حد الضرورة المبيحة فعل المحظور
· هل من رسالة الطبيب إزاء مريضه أن يُخمِد فيه عضواً يكون لايزال حياً ولايزال متحركاً حركته الطبيعية؟ هل من حقه أن يكتم تردداً طبيعياً يتردد في الجسم أو في جزء منه؟
· والسؤال الآخر: إذا لم يكن من حق الطبيب - كما نعرف - أن يعجل من وفاة المريض رحمة به نفسه، فهل يجوز له من زاوية علاقته بمريضه أن يعجل من نهايته رحمة بشخص آخر؟
تعقيب طارق البشري**
يتردد الحديث بكثرة في موضوع نقل الأعضاء، والخلاف حوله كبير، والجدل بشأنه يصل أحياناً إلى مشارف الحدة في التعبير، والأخبار الصحفية حول الوقائع تصاغ بما يؤيد أو يعارض وجهة نظر دون أخرى، إن كانت هذه الوقائع التي يتفق أن تحدث في أي بلد أو في أي وقت مما يمس هذه المسألة ومما يرجح قولاً في نقل الأعضاء على قول آخر، فلم تعد الأخبار هنا تنتشر في حيدة وفي إطار وقائعها وحدها، وإن حادث جمعية المنوفية شاهد على ذلك·
والبعض يريد الإسراع في نظر القانون ليكسب أمراً واقعاً جديداً وتنتهي المسألة، والبعض يحتاط بالتروي والتمهل، والبعض يريد أن يلحق هذه المسألة بالأمور المهنية الطبية وحدها، والبعض يريد أن يلحقها بالصراع الفكري والأيديولوجي بين التقدم والتخلف، والبعض يناقشها مناقشة اقتصادية ويلحقها بحسابات التكلفة في الداخل والخارج، من حيث تكلفة الجراحة على المرضى أو من حيث تكلفه الدولارات على الوطن، ومن ثم تعطى المسألة وجه مساس بالمصلحة الوطنية، كما أعطيت وجه اتصال بالمفاهيم الحضارية والتقدمية، ثم أعطيت وجه إجازة بالشريعة الإسلامية من خلال بعض الآراء الشرعية التي قيلت ونشرت، وأريد بذلك تنحية الشعور بوجود الموانع الدينية·
والحديث في هذا الأمر، يتعلق بوجوه عديدة ينبغي التعرض لها وتخليصها من الشوائب·
أولاً: إن مسألة نقل الأعضاء يتنوع الرأي فيها حسب العضو أو الجزء المطلوب نقله، فهناك من أجزاء الجسم الإنساني ما يقبل التجدد والتغيير، والخارجي من ذلك مثل الشعر والأظافر، والداخلي مثل الدم وبعض النخاع فيما يقال، وأهم هذه المواد في موضع النقل الطبي هو "الدم"· وهو أمر يمارس التبرع به ويمارس نقله طبياً للمرضى المحتاجين في الحوادث وفي الجراحات الكبرى، ويمارس نقله من الشباب الأصحاء القادرين على قدر الاحتياج، كل ذلك، يمارس من عشرات السنين، ولازلنا نذكر طوابير المتبرعين بالدم من الشباب وجمهور المواطنين في أيام الحروب· ولم تنل هذه الممارسات اعتراضاً لا في إطار الدين وفقه الأحكام الشرعية ولا في إطار القانون الوضعي وأحكامه·
وهناك من أجزاء الجسم البشري أعضاء متعددة أو ذات مثيل في الجسم ذاته، ويمكن أن يكفي بعضها احتياج الجسم الحي دون البعض الآخر، وأهم مثل لهذه الأعضاء هو "الكلية" فقد وهب الله سبحانه كل واحد من الناس اثنتين منها، ويقول الأطباء وفقاً لما يجرى بين الناس أن الجسم البشري تكفيه واحدة منها، أو أقل من الواحدة· وإن نقل جسم شخص حي مريض هو أمر حادث مارسه الأطباء في حالات الاحتياج، بالنقل من متبرعين إلى أقارب مرضى، كما مورس النقل أحياناً من غير قرابة بين المنقولين منه والمنقول إليه، بتراض من طرفين ظاهره التبرع وباطنه التجارة غير الثابتة· وإن مجمل الجدل الذي ثار في هذا الموضوع لم يتعلق بأمر النقل، وإنما كان يتعلق بأمرالبيع وكيفية سد ذرائع بيع الأعضاء· وقصر النقل على حالات قيام قرابة النسب القريبة بين المنقول منه والمنقول إليه، وكيفية التثبت من ذلك، ومنع التحايل والالتفاف عليه·
وهناك من أجزاء الجسم ما ليس له مثيل ولا له بديل موجود أو متجدد، ولكنه ينزع من الجسم بعد موت صاحبه بساعات عديدة، هي الساعات المتاحة قبيل أن يوارى الجسم التراب، ومثال ذلك قرنيةالعين، وهي إن كانت أثارت جدلاً ولاتزال تثير جدلاً، إلا أن الجدل بشأنها انحصر في موضوع مدى لزوم توصية المتوفى بها، أو مدى لزوم رضاء أهله بعد موته عن نزعها، وكان صدر في مصر بشأنها قانون برقم 174 لسنة 1959 "من شأن إنشاء بنك العيون بإقليمي الجمهورية (يقصد الإقليمين المصري والسوري في عهد الوحدة بينهما التي استمرت في فبراير 1958 إلى سبتمبر 1961) ثم عدل بالقانون رقم 103 لسنة 1962 "في شأن إعادة تنظيم بنوك العيون"· وطبعاً صدر القانون وتعديله في ذلك الوقت بغير جدل كبير، ولم يكن معتاداً وقتها إثارة الجدل حول موضوع يكون اقتنع به القائمون على الوزارة المختصة به من الناحية الفنية· على أن ما أضعف مثيرات الجدل أن القانون كان بعيداً عن المجال الخاص بموضوع الموت·
ثانياً: وبعد هذه الحالات كلها تبقى حالة استجدت حديثاً - بحكم تطور علم الطب والمهارات الطبية والحرفية وتطور الصناعات الطبية إلى ما نرى ونشاهد الآن، فأمكن بذلك نقل القلوب من أجسام أشخاص إلى أجسام أشخاص آخرين، ولكن المنقول منه لا حياة له في دنيانا ولا حياة لغيره في هذه الدنيا بغير قلب، فإن نزعنا قلبه وهو حي فقد قتلناه، إلا أن يكون جسمه ميتاً أصلاً، فلا ينزع قلب بغير إماته لصاحبه إلا إذا كان مات من قبل النزع· كل ذلك لا يختلف عليه أحد ولا حرج في تقريره ولا في إجرائه·
ولكن المشكلة ترد من أن القلب يفسد وتمتنع الاستفادة منه بنقله إلى جسم المريص المحتاج إليه إذا كان توقف فعلاً عن الحركة قبل أن ينزع· ويبدو أن علم الطب، ومهارة الأطباء، وفنون الممارسة وكفاءة الصناعات الطبية يبدو أن بعض ذلك أو كله لم يوفر إمكانية للإفساح الزمني الذي يتيح نزع القلب بعد التوقف التام، ويتيح الاستفادة من هذا القلب وإعادة تشغيله في جسم المريض المنقول إليه· وأنا لا أدري إن كانت هذه الإمكانية ممتنعة حتى الآن، أو أنها لاتزال أقل وأبعد عن فرص الممارسة المأمونة أو فرص الممارسة الاقتصادية· فإن التكلفة الاقتصادية لها وجه اعتبار في هذا الموضوع، كما هو شأنها في غيره·
ولذلك، فإن الموضوع الذي يثور الآن لا يتعلق فقط بالنقل من جسم إلى جسم شخص آخر، ولا يتعلق في الأساس بنقل ما يتجدد من أشياء الجسم الآدمي الحي، ولا يكاد يتعلق بأعضاء الجسم ذات المثيل أو الأعضاء المتعددة التي يمكن لجسم الآدمي أن يكتفي بأحدها - أو ببعهضا لتكفيه حاجة حياته ونشاطه· وهي أيضاً موضوع لا يعطيه أهميته القصوى إمكان النزع للعضو غير المتجدد غير المتعدد غير ذي المثيل الكافي، متى كان هذا العضو يمكن نزعه في الوقت الزمني المتاح عادة بين حصول توقف الأعضاء والأجهزة كلها وبين دفن الجثة·
إنما ما يعطي الموضوع أهميته الخاصة القصوى هو هذه السرعة السريعة التي يتعين أن ينزع هو هذه السرعة السريعة التي يتعين أن ينزع بها العضو المراد نقله بعد الموت مباشرة، أو بعبارة أدق عند الموت، أو بعبارة أكثر دقة في سكرات الموت· ولذلك ثار سؤال يبدو لي أنه الأول من نوعه، هو: "ما هو الموت"؟ ولكي تتضح المسألة المثارة ومدى غرابتها، في "تشخيص" حالة أو حالات عند الموت، ولكن لا أظن أن الناس اختلفت من قبل أو تنازعت حول تعريف ما هو الموت· والتشخيص يتعلق بحالات عينية مشاهدة، أما التعريف فيتعلق بماهية الشيء وهو أن الموت ببساطة هو ضد الحياة، هكذا كان يقال· وحتى بالنسبة لغير البشر من الحيوان، كان التعبير القرآني المحكم في وسورة الحج {فإذا وجبت جنوبها··}·
ثالثاً: يقولون إن الحرب أخطر من أن يقرر مصائرها العسكريون وحدهم، وأنا بوصفي من رجال القانون أستطيع أن أقول إن الديمقراطية أخطر من أن يقرر مصائرها القانونيون وحدهم، وعندما نشاهد ميل المهندسين إلى حل كل مشاكل المدن عن طريق الخرسانة المسلحة والأسفلت والأبنية الشاهقة، يمكن أن نقول إن العمران أخطر من أن يقرر أوضاعه المهندسون وحدهم، وهكذا فإن كل هدف إنساني أو مسعى اجتماعي هو أخطر من أيقرر مصيره أصحاب التخصص وحدهم، ذلك أنهم يميلون دائماً إلى النظر إلى هذا الهدف من وجهة نظر التخصص الضيقة، فيتحد الهدف الإنساني العام أو المسعى الاجتماعي الشامل بالتخصص الضيق والذي لم يكن يعدو في أصل وجوده عن أن يكون وسيلة لتحقيق الهدف، ثم تنقلب الحالة فيضحى الهدف وسيلة وتصير الوسيلة هدفاً·
وبذات المعنى، أستطيع أن أجزم بأن "الموت" أخطر من أن يقرر الأمر فيه الأطباء وحدهم، والموت ضد الحياة، والحياة هدف والطب مهنة ووسيلة لحماية الحياة، والطب تخصص فني يقوم على خدمة الحياة، وليس أمر الموت والحياة باعتبارهما كذلك، مما تستبد به مهنة الطب وحدها، فتكون هي صاحبة الرأي الوحيد أو تكون هي صاحبة القرار في هذا الشأن· أقصد أن أقول إن الطب خادم للحياة وليس مسيطراً عليها ولا متحكما فيها·
وأنا لا أنسى أنه نحو ثلاثين سنة، عندما اهتز العالم بشعوبه وقاراته من إجراء أول جراحة لنقل القلب، وكان أجراها د· كريستيان برنارد في جنوب أفريقيا، كان حادثاً تهلل له أغلب الناس، وكان حادثاً في قوته يشابه حادث إطلاق أول صاروخ يدور حول الأرض· في وسط هذا الاحتفاء العالمي، نشر طبيب فرنسي مقالاً ونشرته بعض مجلاتنا بالعربية، يعلق فيه على الحدث، كان يتكلم عن مهنة الطب وتساءل عما إذا كان سيلحقها التغيير من جراء هذا الأمر· قال إن الطبيب أصول مهنته وآدابها تملي عليه أن يكون "محامياً" عن المريض وليس قاضياً عليه، وإن أروع ما يحيط به من معاني الإنسانية هو أنه يقف بجوار مريضه يدافع عن حياته ضد المرض ويذود عنه، ويبقى هكذا حتى تتفلت الحياة من المريض رغماً عن الطبيب وما يصنع· ومن هنا يظهر سبب هام من أسباب تطور الطب، هو هذا الموقف الدفاعي العنيد عن المريض· وذكر الطبيب الفرنسي أن جراحة نقل القلب سيتحول بها الطبيب في لحظة معينة من لحظات تعامله مع مريضه، سيتحول بها من موقف المحامي المدافع، إلى موقف القاضي الذي يقرر أن موت هذا المريض صار أكثر جدوى لتحقيق نفع مريض آخر· أي أنه في اللحظات الأخيرة يمكن أن يتحول موقف الطبيب من الدفاع العنيد اليائس عن مريضه إلى موقف المشاركة في إنهاء حياته· وتساءل الطبيب الفرنسي عما يمكن أن يحدث من تحول في معنويات المهنة من جراء هذا التعديل·
رابعاً: والحقيقة أن الموت أوسع انتشاراً وأعم حدوثاً من أن ينحصر أمره في تخصص مهني ضيق· إن الموت حقيقة حياتية تحدث للبشر كافة وللحيوانات كلها وللنباتات أيضاً، وما من حي إلا هو ميت مآلاً· وإن معرفة دلائل الموت أو شواهده يتعين أن تكون متاحة وميسورة بالإدراك العادي الذي يملكه الكافة في كل بيئة وفي كل سقع ومكان، وبين بني البشر كافة على اختلاف مستوياتهم التعليمية وأنواع خبراتهم وتعدد ثقافاتهم واختلاف أجيالهم وأجناسهم· والاعتماد هنا على الشواهد الظاهرة والمنضبطة مما يسهل إدراكه ويقع تحت الحس ومما لا يختلف عليه بين المشاهدين، بحسبان أن المشاهدين هم عينة عشوائية من البشر الذين اتفق وجودهم بجوار الميت في هذا الظرف· وضمان صواب التقرير من حيث الواقعة وحدوثها إنما يرد من هذه المعرفة الجماعية المتوافرة في هذا الظرف· هذا هو ما يجرى منذ وجدت الحياة، ومنذ وجد البشر المدركين لمعنى الحياة ومعنى الموت·
ومن جهة ثانية، فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، إنما هو على ما عبّرت فتوى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة "حقيقة دينية فلسفية وواقعية قانونية وحالة اجتماعية"· والدين يعتبره مفارقة الروح للجسد وبدء حساب الآخرة والانتظار للبعث، وحتى الملحد لا يعتبره خمود جسد فقط، ولكنه عنده انطفاء وهج· وتوقف حركة· وهو في نظر القانون انتهاء شخصية كانت معتبرة،وضياع ذمة مالية، وانتهاء قدرة على التملك وعلى التعامل بيعاً وشراء، وكذلك هو خلو منصب وفراق من عمل، وانقطاع القدرة على أداء تعهدات وانتهاء إرادة وانتقال ملك، وتوزعه بالميراث على أفراد آخرين، وهو من الناحية الاجتماعية توقف نوع نشاط وفراغ مجال وانقطاع علاقات وترمل أزواج وتيتم أبناء وفراق أصدقاء· وإن تشعب آثار الواقعة ومساسها بكل مناحي العامل الإنساني والإدراك البشري والعلاقات والمعاملات، هو مما يصعب معه جدلاً القول بأن الموت شأن طبي فقط ينحصر في فنون المهنة وتستبد هي بتعريفه· ولكي أوضح وجهة نظري، أقول إننا يجب أن نفرق بين أمور ثلاثة في هذا الشأن، أولها: الموت وماهيته، أي التعريف به، وثانيها: دلائله وشواهده أي طريق التثبت منه، ثالثها: تشخيص الموت·
فالتشخيص هو انطباق الوصف في حالة مخصوصة، وهو تبين لحوق الوصف بهذه الحالة· وهذا أمر مشمول بعلم الطبيب وفنه وبمهارته المهنية، كشأن تشخيصه لنوع مرض المريض وأسبابه وكيفية التعامل معه·
أما الدلائل والشواهد فهي الأمور الظاهرة والمنضبطة التي يدركها الكافة وتقع في مجال إدراكهم - الحسي والعقلي - وفقاً لمتوسط المعارف السائدة في البيئة المعنية، واتصاف الشواهد بهذا الظهور والانضباط وبأنها تقع في مجال إدراك الرجل العادي والمتوسط غير الخير وغير المتخصص، إن اتصافها بذلك أمر لازم في مجال إدراك "الموت" لخطورة الحدث وجسامة آثاره وتنوعها، ولخطورة أن يستبد بتقريره فرد محدد أو قلة متخصصة يسلم لها دون غيرها بتكشف هذا الأمر وتقريره· وللخبرة الطبية العلمية والفنية دورها الهام في تقدير هذه الدلائل، إنما هي محكومة في ظني ومشروطة بأن يختار الطب من الشواهد والدلائل ما يصلح أن يكون متاحاً معرفته للرجل العادي ذي الإدراك والخبرة والثقافة التي يملكها أواسط الناس ممن يوجدون في كل ظرف زمان وظرف مكان·
أما التعريف فهو معرفة ماهية الشيء وإدراك كنه الأمر· إذا نظرنا إلى المرض، فالمرض يشخص الطبيب نوعه ويوضح أسبابه ووسائل علاجه، وهو يفيدنا في بيان ظواهره وآثاره على وجوه نشاط المريض وحركته· ولكن تبين "حالة المرض" في صدد التعرف على أثرها في علاقات الناس ومعاملاتهم، وفي تأثيرها على قدرة الشخص على العمل المكسب للأجر، أو في تقدير مدى كونها مانعاً من زواج أو سبباً لطلاق، أو تقدير ما يسميه رجال القانون "مرض الموت" من حيث التأثير على تصرفات المريض، أو تبين حد المرض الذي يمكن من تعيين قيّم على مريض معين، أو حدود المرض الذي يبيح الإفطار في شهرا لصيام، أو غير ذلك من الأمور، كل ذلك لا يستبد به الطبيب، ولا ينحصر في التخصص الطبي، وإن خبر الطب تشارك بالمشورة الفنية في تبين أوضاع المرض، ولكنها لا تحتكر تعريفه ولا تختص وحدها بتقدير وضعه المرتب لآثاره الاجتماعية كلها·
وإن التعريف "بحالة الموت" هو من هذا القبيل من باب أولى، لأن له من الآثار والأوضاع ما يجاوز كثيراً "حالة المرض"، والمشكل أمامنا، في هذا الموضوع المطروح أن السادة الأطباء أو بعضهم يريد أن يعتبر "الموت" شأناً طبياً خالصاً وما على القانون إلا أن ينفذ ما يقولون به بوصفه أداة لعملهم المشمول بتخصصهم وحدهم· والحقيقة أنهم وإن كانت مشورتهم لازمة لتعريف الموت فهم لا يستقلون بهذا التعريف، ولا يمكلون التقرير فيه وحده·
خامساً: نقطة أخرى يثيرها الجدل حول هذا الموضوع، وهي موقف الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي من إجازة نقل الأعضاء· والحقيقة في ظني، أن هذه المسألة ليست مما يختلف فيها موقف الشريعة الإسلامية عن موقف القوانين الوضعية· فإن نقل عضو من جسم شخص آدمي إلى جسم شخص آخر لا يوجد إلا حال الضرورة - أو الاحتياج الشديد - والفقه الإسلامي لا تختلف الآراء فيه حول أن الضرورات تبيح المحظورات، وما حرم على الإنسان أكله أو شربه أو تعاطيه بأية صورة يصح له أن يتناوله وأن يتعاطاه في حالة الضرورة، كالخمر أو لحم الخنزير أو غير ذلك· والعبادات لا تؤدي أو تؤدي قضاء حال عدم القدرة على أدائها في وقتها، والمدين المعسر يؤجل دينه إلى ميسره··· هكذا·
وكل الاختلاف يرد في تقدير حد الضرورة المبيحة لفعل المحظور، فالضرورة هي توقي الهلاك، والبعض يزيد حالة الضرورة فيحسب من الضرورات لا توقي الهلاك فقط ولكن توقي الخوف من الهلاك، بمعنى أنه يكفي هنا المعيار الذاتي بأن يكون الإسنان في وضع يتصور فيه أنه مشرف على الهلاك ولو لم يكن كذلك فعلاً والمشقة كما يقال تجلب التيسير، ولا وجه للتفصيل في موضع الضرورة ووجوب أن تقدر بقدرها، فإن مجال الحديث عن نقل الأعضاء لا يختلف بشأن جدية دواعيه وبسلامة المقصد فيه، ولا يختلف أيضاً في أنه أمر تدرك حالة الضرورة وحدودها بشأنه، بواسطة خبرة فنية متخصصة لها تقديرها واحترامها والثقة بأمامنتها في العموم·
والأمر هو كذلك في القانون الوضعي، فإن جرح جسم شخص آدمي محظور معاقب عليه في القانون الوضعي، إلا أن يكون ذلك بحقه، وفي إطار ما تأذن به الخبرة الطبية المتخصصة في حال الضرورة الملجئة، والضرورة في القانون الوضعي، شأنها في ذلك شأنها في الشريعة الإسلامية، تبيح المحظور، ومفهوم الدفاع الشرعي في قانون العقوبات هو مثل فذ على فكرة الضرورة، فإن من قتل نفساً وثبت أنه فعل ذلك رداً على عدوان يهدد حياته أو دفاعاً عن خطر وشيك محدق به أو بغيره، فلا عقاب عليه، بل إن الحكومات ذاتها بما لها من قوة وجبروت يمكنها أن تتصرف بالمخالفة للقوانين السارية في حالات الخطر المهدد لأمن الجماعة أو أمن النظام· والأمثلة هنا أو في الشريعة الإسلامية لا يلحقها الحصر·
ومن جهة أخرى، فقد سبقت الإشارة إلى أن عقدة الموضوع في نقل الأعضاء بين الآدميين، لا ترد في مسألة جواز النقل عند الضرورة، فهذه عقدة سهلة لا تحتاج إلى مزيد بيان، ولكن عقدة الموضع الحقيقية هي في نزع العضو المراد نقله، على أن يكون صالحاً للاستزراع في جسم المنقول إليه، وأن يكون النزع بعد موت المنقول منه، عقدة الموضوع هي كيفية يمكن نزع العضو بعد الموت ومع بقاء صلاحيته· أي بعبارة أصح كيف يمكن نزع العضو "النابض" بعد موت صاحبه، وهل هناك تناقض بين أن يكون العضو نابضاً وأن يكون صاحبه ميتاً· ولا تختلف الشريعة الإسلامية عن القانون الوضعي في تصدي كل منهما لهذه المسألة، فالموت واحد في المجالين وشاهده واحدة بين البشر أجمعين، مسلمين كانوا أو من ذوي الأديان السماوية الأخرى أو من ذوي الأديان غير السماوية أو من الوثنيين والملاحدة، وما يعتبر قتلاً لجسم آدمي حي، هو ذاته بين الناس كلهم أيا كانت معتقداتهم وثقافاتهم وأنماطهم الحضارية· والقانون الوضعي شأنه شأن الشريعة الإسلامية في منعه قتل الإنسان وفي تجريمه لهذا الفعل، ووسائل الإثبات واحدة وطرائقه متشابهة·
ولذلك فنحن يتعين أن نخرج هذه المسألة، مسألة نقل الأعضاء - من مجال الخلاف - بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، والحاصل أنه من بين من يتكلمون في فقه الشريعة الإسلامية من أيّد نقل الأعضاء غير ذات المثيل ومنهم من عارضها، والأمر ذاته يحدث بين فريقين من رجال القانون الوضعي تفرقا كذلك بين مؤيد ومعارض، واختلاف المرجعية هنا لا يؤثر في تفريع الحكم مجيزاً أو مانعاً·
ولا يصح أن تحمل مسألة نقل الأعضاء أعباء خلافات أيديولوجية وعقيدية تجرى سنون طويلة بين أهل كل من المرجعية الإسلامية والوضعية العلمانية، ومن الخطأ الشديد في تناول هذا الموضوع أن يقتصر الحديث في أمر إجازته أو منعه على حجج ترد من المرجعية الإسلامية وحدها، لأن ذلك يوحي على خلاف الحقيقة، بأن الموقف الوضعي كله مؤيد لموقف دون موقف في هذه المسألة· وهذا غير صحيح والإيحاء به فيه نوع من التدليس·
وكذلك الأمر بالنسبة لما يثار من أن موجبات التقدم والحضارة والتمشي مع تطورات العلم، إنما تسمح بالتمكن من نقل الأعضاء غير ذات المثيل وهي نابضة· وذلك إفساحاً لإمكان إجراء هذه الجراحات في بلدينا بما يفيده ذلك من إسباغ وصف التقدم والتحضر عليها· أقول لا يصح استخدام هذه الحجة لأن الأمر مردود في التقدم، والتحضر لا إلى استخدام التكنولوجيا وممارسة المهارات المستجدة، ليس مردوداً لذلك بقدر ما هو مردود إلى الموقف الإنساني واحترام آدمية الآدمي وتقدير عصمة جسمه وحرمة أعضائه و"الدفاع"عن حياته حتى تنفلت وحدها رغم الجهود المبذولة، أي ما عبر عنه الطبيب الفرنسي بموقف "المحامي" الذي يدافع عن المريض، مما سبق ذكره، وما لم يبق مستقراً في أعماق وعينا هذا المعنى عن التحضر والتقدم، فسنجد أنفسنا منخرطين في موقف أشبه بموقف النازيين في ألمانيا الهتلرية في الثلاثينيات من هذا القرن، عندما كان التقدم على أيديهم محض تكنولوجيا وحسابات دقيقة وأسفر الأمر عن موت عشرات الملايين قبل الحرب العالمية وأثناءها·
لذلك لا يصح في هذه المسألة أن نحملها أيضاً أوزار خلافات تتعلق بمفاهيم التقدم والتخلف أو المعاصرة والحداثة والتحضر أو غير ذلك من هذه المفاهيم الكلية بالغة العموم، لأنها مفاهيم تصلح في عمومها لأكثر من موقف في المسألة المعروضة، وذلك إذا عدلنا بالنظر من شخص المنقول إليه إلى شخص المنقول منه، وأنها يمكن أن تتستر بها في عمومها أفعال غير إنسانية·
سادساً: يظهر مما سبق أن حقيقة المشكل المثار لا تتعلق بجواز نقل العضو من جسم آدمي إلى جسم آدمي آخر، فهذه مسألة تجيزها في أصولها حالة الضرورة، في الشرع الإسلامي أو في القانون الوضعي، وهي مشروطة بحالة الضرورة، ولا يقتصر الأمر على المنقول منه العضو، لأن المنقول إليه العضو أيضاً لن يشق جسمه لإجراء الجراحة إلا لضرورة طبية يقررها أصحاب العلم والفن·
أما حقيقة المشكلة، فهو جواز نزع العضو من المنقول منه في لحظة زمنية معينة، ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يمكن نزع العضو (غير ذي المثيل وغير المتجدد) حال حياة المنزوع منه، لأن ذلك يعني إجازة القتل الصريح لإنسان حي· ولا يجدي في ذلك، القول بأن المنزوع منه كان مريضاً مشرفاً على الموت، لأن الطب يعرف المرض وأسبابه وطرائق علاجه وأساليب التعامل مع كل حالة مرضية بما هو متاح، ولكنه لا يعرف كم من الزمن يعيش المريض، ولأن كل القيم الحضارية والإنسانية والدينية والوضعية والطبية لا تجيز إنهاء حياة إنسان بزعم أنه لا فائدة منها، أو بدعوى أن غيره أحق بالحياة منه، أو بحجة أن حياته أوشكت على الانتهاء، أو حتى بموجب القول بأن الموت يريحه من عذاب آلام تفضي حتماً إلى هلاك، ولا أمل في شفائه منها أو البرء·
ونحن نعرف أنه إذا تعددت الأسباب التي تؤدي إلى وفاة الشخص، فإن السبب الأكثر حسماً هو الذي يعتبر السبب المميت، وكذلك السبب المباشر هو السبب المميث، فمثلاً الشخص الذي تجرى له جراحة خطيرة، أو يكون في النزع الأخير فإن من يصوب إليه رصاصة، تكون هي القاتلة، ومن يضرب بسكين وينزف الدم من جرحه حتى يموت، فإن طعنة السكين هي القاتلة، حتى إن كان إهمال وقف النزيف سبباً في دعم الإسعاف· من ثم فإن المريض المشرف على الهلاك بسبب مرض عضال، إن نزع عضو منه قبيل الوفاة يكون هذا النزع هو السبب المميت بصرف النظر عن خطورة المرض وحرج الحالة قبل نزع العضو، هذا من حيث تعدد الأسباب وتشاركها في إنتاج الواقعة المجرّمة أو المحرمة·
أما من حيث المسلك البشري العام بالمعايير الأخلاقية والفكرية، فنحن نعلم أن الحي أولى من الميت، يعلم بذلك الجميع ويسلمون بأن أحداً لا يعرف ولا يستطيع أن يعرف حداً لعمر أي من الناس، والمتدينون يعتبرون ذلك من علم الغيب من قدر الله، واللادينيون من ذوى العلم الطبيعي وحدهم يرون في التعدد الهائل غير المحصور للأسباب الطبيعية ما لا يمكن معه التنبؤ بهذا الأمر، ومن لم يمت بالمرض مات بغيره·
ومن جهة أخرى ، فإن أحداً لا يتجاسر بالقول بأن وجهاً لأفضلية فرد من الناس على فرد يتيح له الحق في أن يعيش على حساب فرد آخر، وخصماً من حياة فرد آخر، وهذا أمر مسلم من قبل أن توضع قوانين حقوق الإنسان، وهذا لا يجد مرجعيته في مبدأ المساواة بين البشر، ولكنه يجدها في أن الأعمار غير معروفة ولا وارد تقريرها· ولا يمكن الموازنة بين حياة وحياة، لا من حيث القدرة وهو غير معروف، ولا من حيث النوع وهو غير ممكن الحساب·
المشكلة إذاً هي إمكان نزع العضو من جسم الآدمي بعد موته، حتى لا يكون في النزع قتل له وأن يكون النزع في لحظة زمنية تمكن من الاستفادة من العضو المنزوع، ولا يكون ذلك في حالة نقل القلب إلا إذا كان القلب نابضاً عند النزع، ولكن القلب النابض دليل على الحياة، والحياة ضد الموت، كما يقال في قواميس اللغة والضدية في المنطق هي ألا يجتمع أمران ولا يرتفعان، فلا موت إن وجدت الحياة ولا حياة إن وجد الموت، بمعنى أنه كيف يمكن القول بجواز نزع العضو نابضاً أي متحركاً مع القول بموت الجسم، والجسم لا يعتبر ميتاً إلا بموت أعضائه، والكل يبقى حياً ما بقي جزؤه حياً، "فإذا وجب جنوبها··" قالها القرآن لكريم في الحيوان، فما بالنا بالإنسان·
حل هذه المشكلة يكون بحفظ صلاحية العضو للعمل بعد تمام التوقف، أو برد الصلاحية إليه بعد تما تمام التوقف، وهذا ما يبدو أنه لم يصل إليه العلم أو الفن بعد، أو وصل إليه بجهد غير مقدور، والحل الآخر هو أن نراجع تعريف الموت ونراجع شواهده، ودلائل الموت الشائعة بين العامية هو توقف النبض والتنفس، وهو شخوص البصر وسقوط القدمين وميل الأنف وانخساف الصدغين وامتداد جلدة الوجه إلى آخر هذه الأوصاف·
والطب الشرعي، هو فرع الطب الذي تخصص في التعامل مع جسم الآدمي بعد موته ويراقب ما يطرأ عليه من تغيرات والأطباء الشرعيون يعتبرون أن الموت يستدل عليه من توقف الجهاز التنفسي والجهاز الدموي والجهاز العصبي، وكان هذا هو ما يعتمده الطب الشرعي بعامة في هذا المجال، حتى وردت مسألة نقل الأعضاء· ويبدو أنه لما وردت هذه المسألة ظهرت الحاجة للبحث عن معيار آخر يعرّف به الموت ويحل مشكلة الضدية القائمة بين القلب النابض والجسم الميت، ويفسح زمناً كافياً بين الموت والحياة· وكما تذكر الطبيبة حنان المحلاوي في رسالتها للمجاستير بكلية طب القاهرة في 1995 - إن الحاجة إلى تحديد ما يسمى بلحظة الموت بأكثر وضوح ممكن قد اتخذت أهمية جديدة في 3 ديسمبر سنة 1967 عندما أجرى الدكتور كرستيان برنارد أول جراحة نقل قلب آدمي في جنوب أفريقيا·
سابعاً: في سنة 1992 بعث الدكتور نبيل البلقيني عميد معهد الأورام القومي بجامعة القاهرة كتاباً إلى فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الجامع الأزهر وقتها، طلب فيه التفضل ببحث تعريف الموت، خصوصاً أن المخ هو العضو المهيمن على الجسم كله بجميع أعضائه، ولم يحدث أن توفى مخ مريض واستعاد حياته، ثم أوضح سيادته وجهة نظره، بأن القانون المصري يعرف الوفاة بأنها توقف القلب عن النبض، وأن القلب يمكن أن يتوقف ويستبدله الأطباء بقلب صناعي، ثم بقلب آخر من مريض توفى مخه· ثم ذكر أن تعريف الوفاة بأنها توقف المخ يساعد على إجراء عمليات زراعة الأعضاء من كبد وكلى وقلب، ثم استطرد بأن الحكومة المصرية ترسل المرضى للخارج لزراعة الكبد لعدم استطاعة الأطباء المصريين إجراء هذه الجراحة "لأن القانون يحتم توقف القلب تماماً قبل اعتبار المريض متوفيا"، ثم زاد استطراداً بقوله إن حالة زراعة كبد بالخارج تكلف الحكومة المصرية نصف مليون دولار بينما لا يتوقع زيادة التكلفة إذا أجريت الجراحة في مصر عن 80 ألف جنيه مصري·
وهنا الطلب واضح ودواعي إعادة التعريف للموت واضحة، بل إنها مقدرة بالمال النقدي وهو الفرق بين مليون وسبعمئة ألف جنيه (نصف مليون دولار) وبين ثمانين ألف جنيه بما يجاوز الواحد والعشرين ضعفاً، تدخل فيها نفقات السفر والإقامة ويدخل فيها أن الكبد البشري المصري أرخص كثيراً من الكبد البشري الأجنبي، وأجر الطبيب المصري أقل كثيراً من مثيله الأجنبي·
وكما أن المثل يقول: إن التاجر إذا تأزم عاد إلى دفاتره القديمة، فنحن جميعاً كثيراً ما نلجأ إلى هذا الأسلوب، ولو أثيرت معضلة لا نستبين لها حلاً في الواقع، نعود إلى "المفاهيم" نعدل من دلالاتها ونفض بالقول اشتباكات لم نستطع أن نفضها في الواقع، ولذلك كلنا نلجأ في ذلك إلى ذوى التخصص "الكلامي" أي المتخصصون في تحديد المفاهيم سواء رجال الفتيا والقانون، أو رجال المحاسبة الذين يدرجون الأرقام في هذا البند أو ذلك من بنود الميزانية لتحويل الخسارة إلى ربح، أو رجال العلوم النظرية في الاقتصادي والسياسة وغيرهما·
ورجال الواقع يتصورون أن فض الاشتباكات بإعادة تعريف المفاهيم هون أمر قليل الكلفة، إنه لا يتكلف أكثر من عشرات من الكلمات أو بضعة أسطر مصفوفة، ويكون المشكل قد انتهى، وإن عبئاً كبيراً من ذلك يقع على رجال الفقه والقانون، لأن تخصصهم يتعلق ببيان الجائز والممنوع والحلال والحرام، وإن الزحزحة الكلامية الخفيفة لها تأثير حاسم في هذا المجال، والأمر في النهاية يتعلق بالوصف الذي نطلقه على فعل أو على شيء أو على علاقة، والأوصاف تحتمل الاختلاف والتعديل، والحقيقة أنه لا يوجد قانون في مصر يعرف الموت بأنه توقف القلب، ولم يوجد بعد قانون يتضمن تعريفاً لهذا الحدث، إنما الأمر فيه مرجعه إلى إن كان هذا التعريف هو التعريف السائد لدى الأطباء، ولايزال لدى الكثيرين منهم وهو ذاته ما يشع لدى الناس في مراقبتهم لهذا الأمر وتعاملهم معه· وإن المطلوب ليس تعديلاً لقانون قائم إنما هو استحداث قانون يعرف الموت بغير مألوف ما جرى به الطب وما عليه معارف الناس وخبراتهم·
والحقيقة أيضاً، أنه إن كان طلب الرأي في لمسألة أوضح وجوه النفع وانخفاض الكلفة التي تترتب على زحزحة مفهوم الموت ليصدق على ذوي القلب النابض والكبد الفاعل، فإن هذه وجوه النفع المالية التي ساقها طلب الفتوى قد يهدر حالة الضرورة، وهي الأساس الشرعي الوحيدة لإجازة النقل نزعاً وزرعاً سواء في الشريعة الإسلامية أو في القانون الوضعي، فإن انخفاض التكلفة على الحكومة ليس مما يتفق على كونه يوفر حالة الضرورة، ثم ما هي الضرورة التي تجيز نزع عضو بشري لا إحياء لشخص آخر ولكن توفيراً لبعض المال، وعُرض هذا الطلب على مجمع البحوث الإسلامية وأصدر فتواه في يونية سنة 1992 مؤكداً بها فتوى سبق أن أصدرها فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق عندما كان مفتياً للجمهورية في ديسمبر سنة 1979، وزاد عليها بحوثاً ودراسات أعدها بنفسه رحمة الله عليه، ولم يعتبر توقف جذع المخ دليلاً على الوفاة إذا لم تصحبه الدلائل المشار إليها فيما سبق وذكرت الفتوى أن نزع عضو من الجسم حال الاحتضار هو قتل لصاحبه·
ثامناً: ونلحظ أنه عندما أثير أمر تعديل المفاهيم والتعريفات، بدأ يظهر في الكتابات تعبير "الموت التقليدي" أو الكلاسيكي، والموت بتوقف جذع المخ، والموت التقليدي هو ما يتفق عليه طبياً وما تشيع معارف دلالاته بين الناس، والموت بتوقف جذع المخ، هو ما لا يثبت إلا بجهاز كهربائي خاص، وفي مستشفيات معتمدة وبواسطة أطباء ذوي تخصص فني دقيق، من هنا يظهر نوعان من "الموت" بختلفان من حيث الدلائل المثبتة لكل منهما، ومن حيث مجال أعماله ومن حيث شهود إثباته، والسادة الأطباء ينظرون للأمر من زاوية التخصص المهني وحده فلا يرون مشكلة في المسألة، ولكن النظر الاجتماعي يتوقع أن يثير مشكال اجتماعية وقانونية لم تدرك بعد مداها· فإذا اختلف "الموتان" ولو لحظات فما هي اللحظة التي يعول عليها في ترتيب الآثار الاجتماعية أو القانونية أو الجنائية·
إن الوقت هنا لا يقاس بطوله أو قصره ولكنه يقاس بالأحداث التي تجرى فيه، فإذا مات وارث أو مورث بين اللحظتين فبأيهما يعتبر في ترتيب أيلولة الأموال، وإذا كان المنزوع قلبه أو كبده مجنياً عليه في محاولة قتل، فهل يعتبر الجاني قاتلاً له أم مجرد شارع في قتله، إذا قلنا أن هناك نوعين من الموت لكلِّ آثاره، نكون قد اعترفنا أن أحد هذين النوعين - الذي عرفته البشرية منذ وجدت الحياة، وإننا إنما أسميناه كذلك لنسوغ سلوكاً - ما كان يسوغ بطريق آخر، أما إذا قررنا بتساويهما فسنترك الناس حيارى والنزاعات متتابعة في ترتيب الآثار على اللحظات البينية بين كل من النوعين إن جرت أحداث مؤثرة في هذه اللحظات، وهذا احتمال وارد وواقعي وما أكثر ما صادفنا من مشاكل تتعلق بتداخل أزمنة الأحداث وآثار ذلك، ولست في موقف ضرب الأمثلة من أحكام لمحاكم خشية الإطالة·
وإذا قلنا، إن توقف جذع المخ هو وحده، عليه المعول، نكون قد أغلقنا سبيل التعرف على واقعه من أخطر ما يواجه البشر والمجتمع من الوقائع ذات الآثار، نكون أغلقنا ذلك من دون المعرفة الجماعية العامة ووسائلها، ونكون قد حصرنا هذه المعرفة في عدد جد محدود ومتخصص هو وحده الذي يملك تقرير هذه الحقيقة في المجتمع، ولا أدري ماذا نصنع في القرى والنجوع والواحات وغير ذلك·
ومن ناحية أخري، فإن القانون عندما يصدر معرفاً الموت بأنه توقف جذع المخ، فإنه حتى لو اقتصر هذا التعريف على جراحات نقل الأعضاء، فإن الأثر "الثقافي" للتعريف لابد سينتشر ويؤدي إلى دوائر تتسع وتتوالى بما لا تعرف حدا للآثار التي تترتب عليه، فمثلاً إن القانون المدني يعرف الأسرة بأنهم ذوو القربى ولم يقصر تعريفه على درجة قرابة محددة، ومع ذلك فعندما بدأت قوانين الإصلاح الزراعي تصدر منذ الستينيات اختارت تعريفاً ضيقاً للأسرة يقصرها على الزوج والزوجة والأولاد القصر، وكان ذلك محدوداً في إطار تحديد ملكية الأراضي الزراعية، ومع ذلك صار التأثير الثقافي لهذا التعريف ذا شيوع وانتشار بحيث لم يمكن ضبطه في مجال نظر محدود، وساهم هذا التعريف بتأثيره الثقافي العام على تعريف الأسرة في غير مجال ملكية الأراضي الزراعية، بما لم يكن مقصوداً بذاته ولم يكن يجول بخاطر واضعي قانون الإصلاح الزراعي ومطبقيه، وساهم هذا التأثير الثقافي العام في المزيد من تفتت الأسر في مجالات شتى·
تاسعاً: إن الأمر لا يقف عند عدد من هذه المعايير التي يعرف بها الموت، ولا يقف عند حدود ضيق نظام التخصص المناط به التعرف على توقف جذع المخ، ولكنه يتعلق أيضاً بطريقة التعرف على هذا التوقف، فهذا لا يتم إلا بواسطة جهاز كهربي، وقد ورد في بيان "المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية حول التعريف الطبي للموت، الصادر في ندوة عقدت بالكويت في 19 - 17 ديسمبر 1996، وحضرها لفيف من كبار الأطباء المصريين والعرب (منهم الدكاترة إبراهيم بدران، وأبوشادي الروبي وأحمد بدران، وحمد السيد، وخيري السمرة، ومحمد شريف مختار··) ولفيف من كبار رجال القانون، ورد بهذا البيان أن توقف جذع الموت يحتاج إلى وجود طبيب حكيم مختص وحاذق ذي خبرة في الفحص السريري (الإكلينيكي) لحالات موت الدماغ، وأن يكون المصاب تحت رعاية كاملة من قبل طبيب و"في مركز متخصص" وننصح بالاستشارة من متخصص وذي خبرة كلما تطلب الأمر ذلك·
وبعد أن ذكر البيان العلامات التي يعرف بها الموت وشروطه المسبقة وما يستلزمه تشخيص التوقف من ملامح، ذكر أنه بعد موت جذع المخ يمكن أن تحدث بعض "المنعكسات النخاعية الشوكية" أو وضعيات تشنج أو اختلاجات صرعية وإن ثمة لحظات توجب استبعاد احتمال أن يكون المصاب تحت تأثير مواد مخدرة أو سموم أو مرخيات العضلات· وهبوط حرارة الجسم لأقل من 33 درجة·· الخ، وكل ذلك يظهر أن الأمر في تشخيص هذه الحالة هو مما يدخل في الظن واحتمال الاختلاف في التشخيص· ونحن لهذا نقضي بوفاة إنسان قضاء قد يشوبه ظن واحتمال· ولذلك لم أستغرب أن رجال القانون الحاضرين في الندوة ذكروا أن حالة توقف جذع المخ يكون بها الإنسان قد استدبر الحياة وأصبح صالحاً لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت، أما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقد اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية، أي أن الفقهاء لم يطمئنوا إلى حصول الموت كله فقالوا بتبعيض الموت وتجزئته والتفرقة بين آثار وآثار·
ثم إن الجهاز الكهربائي الذي يكشف عن توقف جذع المخ أو حركة المخ في عمومه، هو مما يصدق عليه ما يصدق على كل جهاز وآلة من حيث إمكان أن يطرأ عليه الخلل ومن حيث إمكان أن يطرأ عليها ضعف الحساسية للإظهار، ومن حيث إمكان ضعف الطاقة المحركة وأثر ذلك على قدرات الجهاز، كل ذلك وارد فضلاً عن أمرين آخرين، أولهما: أن الجهاز لا يظهر حركة المخ، إذا انخفضت درجة حرارة الجسم عن حد معين، ولهذا الأمر دلالاته من حيث إن الجهاز في ظروف معينة يكون جذع المخ غير متوقف أو يكون في حالة ركود يمكن إنعاشه منه، ولا يظهر الجهاز هذا الوضع ولا يكثفه· والأمر الثاني: إن الجهاز يخضع للتحسينات والتطويرات شأنه شأن أية آلة، ومن ثم يفترض أن درجة حساسية الأجهزة حسبما توصلت إليه التكنولوجيا السائدة الآن لا تكون كافية لإظهار حركة عميقة خافتة في جذع المخ·
ومن جهة أخرى، فإن عدداً من الأطباء يرون أن المشكلة أصلاً ليست مضروبة علينا بحتميات القضاء والقدر، من حيث حتمية فساد العضو المراد نزعه فور الوفاة الكاملة للجسم، ويذكر مثلاً الدكتور، رؤوف سلام أنه يمكن إنقاذ القلب عن الفساد بعد الموت التام للجسم، ذلك أن فساد القلب يرد من تجلط الدم داخل الأوعية، ويمكن بعد توقف القلب غسله وهو مازال داخل الجسم بمحلول يمنع التجلط والتحلل، ولست ممن يستطيعون التعقيب على ذلك ثمة رأياً يقول به أطباء وهو إن صح وأمكن تزول به كل حجة تتعلق بضرورة إعادة تعريف الموت والعدول في ذلك إلى فكرة نزع القلب النابض·
إنني مدرك أنني هنا أتكلم في غير مجالي ولكنني أسوق أقوالاً للسادة الأطباء ولا "تعدو عيناي عنهم" إلى غيرهم، وأستخلص استخلاصات قريبة لا تنبو عن الإدراك المتوسط للرجل العادي· ومن جهة أخرى، فنحن ندرك أننا عندما نتكلم عن الأطباء إنما نتحدث عمن نسلم إليهم أبداننا أمانة في أيديهم وهم أحرص على حفظ هذه الأمانة من أي شخص آخر، فهم أناس صناعتهم ومهنتهم المداواة ورعاية البشر بما يتاح لهم من علم ومن خلق متلبس في هذا العلم مرتبط به، وهم أحرص على أبداننا منا نحن على هذه الأبدان، وهم أحرص على الطفل من أبيه وعلى الأب من ابنه، ولكننا نناقش على المستوى العلمي والفني اللائق ما تثيره مسألة نقل الأعضاء من مشاكل ومحاذير، ونحن نعرف أن الطبيب طبيب في غرفة الكشف أمام مريضه، وفي غرفة الجراحة يمارس عمله، وإن أنسى لا أنسى يوماً كان يكشف عليّ فيه الدكتور عبدالعزيز الشريف، يكشف على قلبي بسبب أزمة عانيت منها، وكنت أتفحص تقطيبة وجهه، وهو يعمل وعمق تركيزه وإحساسه غير العادي بالجدية الشديدة والتسمع المرهف للخلجات، ساعتها راودتني نفسي أن أقبل يده، ولم يمنعني إلا خشيتي أن تخرجه المفاجأة من محراب تعبده، وشعرت كأنني معنوياً قبلت يده فعلاً، هؤلاء هم أطباؤنا الذين نعرفهم، ولكن كما أن القاضي قاض في محكمته وأمامه خصومه الذين أئتمنوه على حقوقهم ودمائهم، إلا أنه خارج المحكمة هو نفس من النفوس ألهمها الله فجورها وتقواها، فكذلك الطبيب، وكذلك كل تخصص نعرفه·
وإنني أطرح أمام السادة الأطباء سؤالاً آخر في هذه المسألة لم أجده ثار من قبل ولا قرأت فيه جواباً· إذا تركنا موضوع تعريف الموت ودلالاته، ونظرنا إلى الأعضاء عضواً عضواً، فهل من رسالة الطبيب إزاء مريضه، حتى إن كان المريض في غيبوبة ليس بعدها إفاقة، أو كان في دور الاحتضار، هل من رسالة الطبيب إزاء مريضه هذا أن يخدم فيه عضواً يكون لايزال حياً ولايزال متحركاً حركته الطبيعية، هل من حقه أن يكتم تردداً طبيعياً يتردد في الجسم أو في جزء منه· والسؤال الآخر: إذا لم يكن من حق الطبيب - كما نعرف - أن يعجل من وفاة المريض رحمة به نفسه، أي رحمة بصاحب الجسم وإنقاذاً له من آلام فيه نفع للمريض ومع ذلك لا يحق للطبيب ذلك،فهل يجوز له من زاوية علاقته بمريضه أن يعجل من نهايته رحمة بشخص آخر· هذه تساؤلات أحتاج فيها إلى جواب من طبيب، لأنني فعلاً لا أعرف·
عاشراً: في سنة 1995، أعدت الجامعة مشروع قانون لنقل صمامات القلب، وأرسلته وزارة التعليم العالي إلى مجلس الدولة لمراجعته من حيث الصياغة القانونية بقسم التشريع، وعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع فأصدرت فيه إفتاء وأبدت ملاحظات عديدة تعلقت بهذا الموضوع، منها أن نقل الأعضاء جائز حال الضرورة ولكن يتعين أن يتضمن التشريع الذي تنظمه نصاً يعرف الموت، واقترحت أن يكون هذا النص هو: "الموت هو التوقف الذاتي لجميع مظاهر الحياة وأجهزة الجسم وأعضائه بالمدى الزمني الذي تقرره الخبرة الفنية"، وأن يشترط لإجازته مع امتناع البيع والتعامل لأن جسم الإنسان خارج عن دائرة التعامل سواء في الشريعة الإسلامية أو القانون الوضعي، وأنه يجوز صدور هذا الإذن من أقارب الميت الأقربين في دائرة الآباء والأبناء والإخوة والأزواج، وإن هذا ليس ميراثاً لأن الجسم لا يورث، وأن إذن الشخص في جسمه أو جسم قريبه إذن يمكن الرجوع فيه لأنه لا إلزام قانونياً على أحد بالتبرع بعضو جسم آدمي، وأنه لا يصح نزع الأعضاء من أجسام الموتى مجهولي الشخصية، لأن مجهول الشخصية معصوم الجسم ولا تستباح أعضاؤه لمجرد أن آخرين يجهلون شخصيته، وشملت الفتوى أحكاماً أخرى·
وقد حدث بعد ذلك أن وزارة الصحة لما تعرفت على موقف مجلس الدولة من هذا الأمر، أعدت مشروعاً بقانون ولم ترسله إلى مجلس الدولة لمراجعته حسبما ينص القانون، إنما بعثت به إلى فضيلة شيخ الجامع الأزهر الآن لمراجعته في مجمع البحوث الإسلامية، بعث به فضيلة الشيخ إلى وزير الصحة في 18 مايو 1997 وأرسل إلى رئيس مجلس الدولة صورة منه للإحاطة في 1997/6/3 (بالفاكس) فأجازت المادة الأولى منه: التبرع بنقل الأعضاء بين الأحياء، وعرضت المادة الثالثة لنقل الأعضاء من الأموات فنصت على أن "المقصود بالموت في هذا القانون مفارقة الروح للجسد مفارق تامة تستحيل بعده عودته للحياة، ويتم التحقق من الوفاة بصورة قاطعة بواسطة لجنة من ثلاثة أطباء متخصصين على الأقل، وهذه اللجنة يصدر بها قرار من وزير الصحة· وأجازت المادة الرابعة النقل إن كان المتوفى أوصى بذلك أو شهد اثنان من ورثته أنه أوصى "فإذا لم توجد وصية أو شهادة وكان الشخص الميت مجهولاً أو محكوماً عليه بالإعدام يكون الإذن من السلطة المختصة"·
والحقيقة أن هذا المشروع تضمن عبارات بعيدة عن فقه الأحكام، سواء لدى فقهاء الشريعة أو فقهاء القانون الوضعي، وتعريف الموت بأنه مفارقة الروح للجسد مفارقة تامة هو تعريف ديني وفلسفي وعقيدي صحيح، ولكن في صياغة الفقه ترتبط الأحكام بالظاهر المنضبط، ولا أحد يرى الروح وهي تفارق الجسد، ولا أحد يعرف أنها مفارقة تامة إلا من خلال ظواهر ودلالات تقع تحت الحس المباشر مرئية وملموسة، وذلك على عادة رجال فقه الشريعة عندما يتكلمون عن إشخاص البصر وسقوط القدمين··· إلخ، وعلى عادة رجال الطب عندما يتكلمون عن توقف الجهاز التنفسي أو الدورة الدموية··· إلخ· أما أن يوضع نص قانون يذكر أن يشكل وزير الصحة لجنة من ثلاثة أطباء للتحقق من الوفاة التي هي مفارقة الروح للجسد، فهذا نظر فقهي غير مسبوق· ومن جهة أخرى، فإنه متى تقررت للإنسان عصمة في جسده أو أعضائه أو دمه أو عرضه أو ماله، فإن هذه العصمة لا تزايله قط لمجرد أن يقال إنه مجهول الشخصية، ويستحيل القول، بأن مجرد جهلي بشخص معين يعطيني الحق في أن أنزع من جسده ما لم أكن مستطيعاً نزعه إن عرفت شخصيته، ثم أليس كل فرد في الطريق مجهول الشخصية إن لم يكن معه بطاقة أو إن فقدت منه أو مزقها أحد، ثم كيف يثبت أن الشخص كان مجهول الشخصية، ثم اشتراط إذن السلطة المختصة·· إن صدر بعد الوفاة فهو يقتضي زماناً يفسد به العضو المطلوب نزعه، وإن صدر قبل الوفاة يكون تربصاً بمريض قبل حلول أجله، ثم ما هي السلطة المختصة·
إن كل ما قصدت إثباته في هذه الصفحات إن الأمر أكثر تعقيداً وأكثر خطورة مما يتصوره البعض، والعجلة هنا لن تأتي بخير، ونحن إذ نطمئن إلى أمانة الأطباء ونحن تحت أيديهم أثناء الكشف والجراحة وتحت مشرط الجراح، إذ نطمئن إلى ذلك فإن خارج غرف الكشف والجراحة، خارج إطار نشاط الطبيب وعمله النبيل، مجالات عمل وأسواق تجارة ومعاملات ومستويات علم وجهل، لا سلطان للطبيب عليها، ولا معرفة له بها·
ولكن كل ذلك يشكل الإطار الاجتماعي والثقافي الذي يعمل فيه الطبيب، وإذا كان ذلك يخرج عن مسؤولية الطبيب فهو داخل في مسؤولية من يصدر التشريع لينظم أمراً له كل هذه المجالات في التأثير والتأثير·
* الكتب وجهات نظر -العدد السادس يوليو 1999
** مؤرخ وكاتب من مصر·