رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7-13 جمادى الأولى 1420هـ -18-24 أغسطس 1999
العدد 1390

ضوء

الديكتاتور الصغير!

 

ركان الصفدي

"1"

 

في طفولتي كنت ذا نزعة ديكتاتورية تسلطية، فبما أننا جيل الحرب وبما أن مدينتي كانت على الخط الثاني للجبهة فقد تولّدت لديّ نزعة قتالية "!!" مع أن جسمي الضئيل لا يؤهلني لأمجاد عسكرية إذ إن هبة هواء قوية كانت كفيلة بتطويحي أرضا، ولكني مع ذلك كنت أنظر إلى نفسي بعين البصيرة على أنني مديد القامة عريض المنكبين وأنني قادر على فعل أي شيء ولا أعجز عن أي شيء !! لذلك أسست "منظمة تحرير" متأثرا بالعمل الفدائي الذي  شحذ مخيلتنا بوهج البطولة والفداء، وتألفت منظمتي من أخي الصغير وابنيْ خالي ثم أبناء أسرة من جيراننا كان بعضهم أكبر مني سنا وجسما·· كل شيء أصبح جاهزا: الشعار والعلم والأسلحة التي كانت بنادق خشبية وسيوفا وأقواسا "فقد كنا متأثرين بالثورة الفيتنامية" وكميات هائلة من الحصى، وكذلك الأسماء الحركية تمويها على الموساد فأنا "أبو الثورة" وهم أبو النسور وأبو القلب وعلي··وهي أسماء أخذناها من فيلم "الأفيون والعصا" عن ثورة الجزائر·

المنظمة جاهزة·· بقيت القضية!

 

"2"

 

دربت أعضاء منظمتي تدريبا قاسيا·· زحّفتهم على الشوك والحصى وسكبت عليهم الماء والتراب  ولم أكن أنا ذاتي أجرؤ على هذه التدريبات ــ وثقفتهم تثقيفا ثوريا مما كانت أسمعه وأقرؤه " كنت في الصف الثالث أو الرابع" مع كميات كبيرة من المعلومات الكاذبة التي لم يكن أحد الأعضاء يجرؤ على مناقشة مصداقيتها، وكان علينا أن نبدأ عملياتنا ضد العدو الصهيوني، ولا سيمّا أننا جميعا كنا نقعد على تلة صغيرة وننظر إلى المدى العربي حيث تبدو فلسطين أمام أعيننا في غبش البعد ولكن ـ كأي منظمة تحرير ـ كان علينا أن نصفي الخصوم الداخليين أولا، إذ كان في حينا عصابة "نحن الوحيدون الذين رفضنا تسمية "عصابة" التي كانت شائعة في الحي" فقررنا مهاجمتها مدفوعين بالإيمان الثوري والوعي التاريخي وكانت تلك العصابة تمتلك كميات كبيرة من أعقاب البطاريات الكبيرة التي تشبه النقود، بالإضافة إلى كميات من الدولارات التي كانت علب السردين المطروقة·· وقد غنمنا كل ذلك لمصلحة منظمتنا وثورتنا·

بقيت العصابة الأقوى! إذ كانت تلك العصابة مدعومة من فتيان كبار يستطيع أي واحد منهم إذا أمسك بأحدنا أن يخرج الوعي الثوري من عينيه·

 

"3"

 

قبل المعركة الكبرى كان لابد من تصفية بعض الحسابات، فقد كان أحد أعضاء منظمتي عنيدا "راديكاليا"، لا يطيع أوامري ويناقش كل قرار أتخذه، ففصلته·· أما الآخرون ولا سيمّا المقربون فكانوا لا يعارضونني أبدا، لسبب بسيط هو أن أحدهم لم يفكر أن يكون قائدا وأنا وحدي الذي فكرت بذلك، إذ يكفي أن يفكر الإنسان بأمر حتى يصبح قادرا على الوصول إليه·· وهكذا أحطت نفسي بمجموعة من المطيعين جدا، ولا سيما بعد فصل ذلك الرفيق الصغير، فقد أدى ذلك إلى مهابة الآخرين لي، ألم يقل عنترة إنه عليك أن تضرب الضعيف ليخافك القوي؟ كما أن الحياة علمتني أنك تحتاج إلى صفع أخيك الصغير أمام الناس ليظنوا أنك قوي وشرس· وكانت المعركة الكبرى··

 

"4"

 

هشّمنا زجاج نوافذ منازل الأعداء كلها وتساقطت حجارتنا وحصانا عليهم كالمطر، فقد كانت هذه المعركة "بروفة" لمعركة التحرير·· ألم تتدرب منظمة التحرير الفلسطينية على "بروفة" تحرير فلسطين في لبنان؟! لقد كان ذلك منهج المنظمات الثورية ومنهم منظمتنا·

ولكن حدث ما ليس في الحسبان·· فقد لملمت تلك العصابة نفسها واستعانت بعمالقتها وشنت علينا في اليوم التالي هجوما كبيرا، واستطاعت مفاجأتنا وسيطرت على مركز قيادتنا تحت شجرة التين ونهبت محتوياته وبدّدت أغراضه، ثم رشقت نوافذنا بكل ما في الأرض من حصى·· وهرع كل منا للاختباء في بيته، وهنا تدخل الكبار، إذ كان يكفي أن يظهر من نافذة شارب كث حتى يختفي المهاجمون· وبالطبع،كان لابد أن ندفع ثمن ثوريتنا عند أهلنا، فتعالت أصوات الصراخ من جميع منازلنا تحت ضربات "الشحاطات" إذ كان أهلنا على الرغم من إيمانهم بتحرير فلسطين - يرفضون هذا العنف الثوري والحروب الجانبية·

انكسرت ثورتنا، وتفككت منظمتنا، ولم نستطع أن نحقق حلمنا الأكبر "تحرير فلسطين" فقد كانت الظروف أكبر منا·· أما أنا فكان ذلك سببا في تغيير مسار حياتي، إذ لم أعد أفكر أبدا بأن أصبح قائدا، إذ لو تحقق ذلك لكنت الآن ديكتاتورا حقيقيا وربطت مصير شعب كامل بمزاجي وفكري، وأحمد الله أنني تخلصت من هذه العقدة مبكرا، وأنني لم أصب حتى الآن بداء "الرعاش" ولذلك اتجهت إلى الأدب والرسم والقراءة ولم أعد أقبل أن أقود أحدا حتى ابني الصغير·

 

"5"

 

ماجرى من أحداث في منطقتنا العربية وما يجري الآن، صورة مكبرة عما كنا نلعبه ونحن صغار، غير أن الثمن أفدح، والقلوب أكثر سوادا، والنيّات أشد سوءا، والخسائر أعظم وأكبر، والقسوة أعتى وأشد·· وهكذا، لا يملك ذلك الديكتاتور الصغير الذي يقبع في داخلي، إلا أن ينفض عنه غبار السنين وينظر بعينين مندهشتين ويصرخ بصوت طفولي:

- إنهم يلعبون ·· مثلنا!

طباعة  

الهم السابع
 
كتاب "الوثيقة... قرار 16 مايو 99 وأحداث متسارعة"
محاولة توثيقية لردود الأفعال التي أعقبت المرسوم الأميري بمنح المرأة حقوقها السياسية

 
إصدارات
 
مات وحيداً على كرسيه في شقته ودفن على سفح "قاسيون"
عبد الوهاب البياتي يكتب قصيدة الموت الأخيرة بدموع محبّيه

 
الفارس المرتمي في الفراغ
 
نافذة
 
أجراس