كتب محرر الشؤون الخارجية:
لماذا انفجرت الحرب في داغستان؟ هل تستطيع القوات الروسية أن تقضي على حركة شامل باساييف؟ أو هل تنال داغستان في النهاية استقلالا غير رسمي كالذي نالته الشيشان؟ ولماذا كانت بداية الصراع الجديد مصحوبة بتغيير رأس الحكومة الروسية؟
في التاسع من أغسطس الجاري، أعلن رئيس الوزراء الروسي السابق سيرغي ستباشين يوم عزله، أن روسيا قد تخسر داغستان نهائيا على نحو ما خسرت الشيشان فعليا، وقد تخسر فوق ذلك السيطرة على أنبوب تصدير النفط القزويني في وقت يضعف نفوذها في اذربيجان وجورجيا·
كانت "الأعراض الشيشانية" تخيم على داغستان "50 ألف كيلو متر مربع ومليونا نسمة" منذ شهور لكن الموازييك الإثني الذي يحتوي أكثر من 30 قومية لم يسمح لداغستان بأن تكون متجانسة عرقيا مثل الشيشان، وأي محاولة للانفصال لم تكن تنطوي على نزاع مسلح مع موسكو فحسب، إنما على تمزق وصراعات دموية داخلية·
يقدر المتخصصون في المنطقة أن الحركة المسلحة التي أطلقها زعيم الحرب الشيشاني باساييف في جنوب غرب داغستان لن تؤدي في نهاية المطاف إلى الاستقلال، فسكان داغستان الذين صوتوا بغالبية كبيرة وبانتظام للنواب الموالين لروسيا لم يظهروا أي نزعة استقلالية حقيقية·
فموسكو تعتبر حكما يوفق بين القوميات المتعايشة على أرض داغستان، والزوايا الصوفية التي لعبت دورا كبيرا في تحقيق استقلال الشيشان لا تتمتع بأي أهمية في داغستان ولذلك، فلا عجب أن تدور المعارك في المناطق المحاذية للشيشان، حيث لا تتمتع التيارات الأصولية بقوة كافية· وحتى أكثر الدغستانيين تأييدا للاستقلال يعتبرون هذا الحلم وهما، فهذه الجمهورية تتلقى 90 في المئة من موازنتها من موسكو - والبطالة تضرب 80 في المئة من سكانها، لكن الأوضاع فيها غير مستقرة منذ أمد بعيد·
فداغستان تعيش في الواقع على وقع الصراعات بين المافيات المحلية ومختلف الأحزاب العرقية والسياسية التي تسيطر على الأنشطة المجزية ماديا، أي تهريب النفط والكافيار واحتجاز الرهائن، وتتوالى فيها أعمال الاغتيالات بنسبة واحد في الشهر بعدما قتل فيها 14 شخصية سياسية في عام 1998 وحده· والاشتباكات بين العصابات صارت خبزا يوميا·
وثمة عوامل أخرى تساعد في إذكاء النزاع المسلح وإطالة أمده، فالأفاريون في داغستان "نحو 500 ألف نسمة" يشكلون قاعدة تلائم مشروع باساييف والقوات الروسية تمارس في هذه الجمهورية قساوة تجعل السكان المدنيين "في بعض المناطق" يرون في المتشددين الإسلاميين منقذين، وربما كانت هذه الظروف هي السبب الحقيقي الذي دفع ستيباشين عندما كان وزيرا للداخلية إلى تفضيل الحوار على البندقية·
بل إن هذه الظروف تدفع بعض المحللين إلى اعتبار النزاع الجديد بداية لنهاية روسيا في شمال القوقاز، فالباحث الكسندر اسكندريان في مركز دراسات القوقاز في موسكو يرفض نظرية "الأزمة المستوردة" إلى داغستان من الشيشان، وإذا كان لا يشك في تورط القادة الشيشانيين، فهو يعتبر أن استقلال داغستان لا مفر منه لأن الإسلاميين هم الطرف الوحيد الذي يستميل عواطف الناس، ويقضم مزيدا من الأراضي ، فالبطالة والفقر وانعدام الأمن والسياسات الروسية البوليسية دفعت كثيرا من الناس إلى اليأس، وإذا كانت غالبية سكان داغستان لا تساند الإسلاميين الآن فالوضع قد يتغير من بعد أن تُدمر الطائرات والمدفعية الروسية القرى الجبلية بلا تمييز كسابق عهدها في الشيشان·
الخطير أيضا هو البعد الروسي الداخلي في الأزمة الداغستانية فالمعارضة الروسية في موسكو تتهم حاشية الرئيس بوريس يلتسين بمحاولة استغلال هذه الأزمة لإلغاء الانتخابات النيابية المقررة في ديسمبر المقبل وكان تعيين فلاديمير بوتين، ربيب الرئيس وأجهزة الاستخبارات، دليلا على الميل إلى البطش في داخل روسيا كما في المناطق التابعة لها، بل إن صحيفة "سيفودنيا" الموالية لرئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف، وهو مرشح محتمل لرئاسة البلاد منافسا لبوتين خليفة الرئيس المعلن، تحدثت عن أن نظرية المؤامرة هي السبب الفعلي للأزمة الجديدة فقد أكدت، ثم نفى الكرملين، أن الرجل الأول في الإدارة الرئاسية الكسندر فولوتين التقى عشية المواجهات في داغستان مع باساييف، والمغزى من ذلك، أن الرئيس الروسي يريد تعطيل الانتخابات وفرض قانون جديد للطوارىء وتمهيد الطريق أمام ربيبه بوتين لخلافته، فلوجكوف يتمتع بشعبية كبيرة الآن، وهو يحاول أن يضم إلى معسكره رئيس الوزراء الأسبق يفغيني بريماكوف الذي تؤيده غالبية الروس·
هذا النزاع الجديد يندلع في وقت يستشري الفساد في روسيا في غياب دولة القانون، في حين يعاني الجيش الروسي سوء الامداد والتدريب، ويعيش الكرملين عزلة شبه تامة بعد تضاؤل شعبيته، ولم يعد يحميه غير السلطات المطلقة التي يمنحها الدستور للرئيس، فقد كشف تقرير محاسبي أن البنك المركزي الروسي حول بنفسه نحو 50 مليار دولار إلى شركة خاصة في الخارج من قروض صندوق النقد الدولي· ورئيس الوزراء الجديد هو الرابع من نوعه بعد عزل فيكتور تشيرنوميردين "وخليفته كيريينكو ثم بريماكوف وبعده ستيباشين في فترة قصيرة نسبيا·
بعد عقده اجتماعا سريا في 11 الشهر الحالي مع المجلس الفيدرالي "الأعلى للبرلمان" نفى بوتين أي ميل إلى فرض قانون الطوارىء في مناطق داغستان الحدودية، وقال: عندما يكون ضروريا نتحدث في حينه ، لكنه حصل في المقابل على موافقة الزعماء الإقليميين على مثل هذا الإجراء· ثم أيد رئيس المجلس الفيدرالي ايغور ستروييف، المناصر القوي لـ "جواب مناسب" على ما يسميه "تمرد العصابات" عقد جلسة استثنائية للبرلمان بشأن هذا القانون، وفي مجلس الدوما، طلب ممثل الرئيس الكسندر كوكنكو عشية ذلك من النواب الموافقة على إعطاء أولوية بقانون جديد بشأن حال الطوارىء يستقي نصه من قانون عائد إلى عام 1990·
ربما لا تواجه روسيا الحرب الشيشانية في داغستان، لكن الفضل لا يعود إلى سياساتها إنما إلى اختلاف الظروف في هذه الجمهورية، فالسياسات الروسية ما زالت كما هي منذ عام 1994، وموسكو لم تتعلم أي درس من محاولة إخضاع غروزني بالقوة·