رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7-13 جمادى الأولى 1420هـ -18-24 أغسطس 1999
العدد 1390

السبب يكمن في الانعزالية لا في الضعف
الولايات المتحدة: قوة عظمى متراجعة!

بقلم: أندريه فونتين

رئيس تحرير "لوموند" سابقاً:

من الإمبراطوريات الكثيرة القارية أو الاستعمارية التي تقاسمت غالبية سكان المعمورة في بداية القرن الحالي، لم يتبق غير اثنتين: اليابان التي مازالت تحمل الاسم من دون المضمون، والولايات المتحدة التي تحمل المضمون من دون الاسم· فهل ينجو هذان البلدان من القاعدة التي تحكم على إمبراطورية بالموت؟ فقبل 11 سنة أجاب المؤرخ البريطاني بول كينيدي في جامعة يال في كتاب حقق شهرة هو "ولادة وانحطاط القوى العظمى" عن هذا السؤال إجابة سلبية· وما السبب؟ إنه التوسع الإمبراطوري المفرط· فقد قال إن المصالح والالتزامات الأمريكية هي أشد "ثقلاً من أن تستطيع الولايات المتحدة الدفاع عنها في وقت واحد"·

وللوهلة الأولى يبدو إثبات ذلك معقولاً، بدءاً من الإسكندر المقدوني حتى الاتحاد السوفييتي مروراً بالإمبراطورية الرومانية ونابليون وهتلر، من دون أن نذكر إمبراطوريات كثيرة انهارت تحت وطأة امتداد خطوط مواصلاتها التي جعلتها تواجه أعداء خارجيين أو انتفاضات داخلية· والواقع أنه خلافاً لما آمن به أصحاب "رؤية التدهور" من أمثال بول كينيدي كانت الإمبراطوريات السوفييتية هي التي انهارت بعد وقت قصير من ظهور الكتاب تحت "الثقل" المفرط لمصالحها والتدخلات· وبعد سبع سنوات من انتخاب الرئيس الحالي بيل كلينتون في ردة فعل مضادة لسياسة خارجية غلب عليها التدخل الأجنبي، نادراً ما خلطت الإدارة الأمريكية قضاياها بعضهاً ببعض·· ولا تنحو الولايات المتحدة الآن إلى إخفاء نفسها، فالرئيس الأمريكي كان أول من بادر إلى تقديم التعزية بوفاة العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني· ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت وصفت بلادها بأنها "الأمة الضرورية" والوحيدة القادرة بفضل عظمتها على رسم رؤية عالمية· وهي جعلت من حرب كوسوفو مهمة "شخصية"، فَغَنْونَتْ مجلة "تايم" موضوعها الرئيسي على الغلاف في طبعة 17 مايو بعبارة "حرب أولبرايت"، ثم فرضت واشنطن على ممثل الأمم المتحدة في كوسوفو (الفرنسي) بيرنار كوشنير مساعداً أميركياً"·

يؤدي البيت الأبيض دوراً رئيسياً في إعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط مستفيداً من انتخاب ايهود باراك (رئيساً للوزراء في إسرائيل) وهو لم يكن أقل نشاطاً في عملية سلام أخرى ترمي إلى المصالحة في أيرلندا الشمالية· وهو لم يكن غريباً عن إبرام اتفاق يرمي إلى إنهاء العدوان في الكونغو  كينشاسا (بين الرئيس لوران ديزيريه كابيلا والمتمردين التوتسي)·

وربما لاحظنا أن كلينتون استدعى رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف إلى واشنطن حتى يطلب منه أن تنسحب قواته من المواقع التي احتلتها في كشمير الهندية· والرئيس الأمريكي قرر بعد تردد طويل عائدا إلى تدبير بعض المصالح النفطية، تحذير حركة "طالبان" الأفغانية من مخاطر مساندتها الملياردير الإسلامي أسامة بن لادن· وإذا كانت الجهود الأمريكية لتسوية النزاع في قبرص قد أخفقت حتى الآن، فقد استطاعت واشنطن أن تقنع نيقوسيا بتأجيل نشر صواريخ (إس 300 المضادة للطائرات والصواريخ) كانت طلبت شراءها من موسكو·

ويمكننا أن نطيل بلا نهاية قائمة التدخلات الأمريكية، بالتحدث عن كوريا الشمالية، وعن الجمهوريات الإسلامية الآسيوية حيث يطغى النفوذ الأمريكي بفضل النفط على النفوذ الروسي· ويمكننا أن نتذكر في المقام الأول أن حرب كوسوفو أثبتت أن روسيا صارت تقف عاجزة عن معارضة إرادة "الدولة العظمى الوحيدة" الآن· ولا شك أن الصين التي تواصل تسليح نفسها بسرعة حثيثة لم تسامح  الولايات التحدة على قصف سفارتها في بلغراد الذي لا تعتبره مجرد حادث· ولا شك أن فيدل كاسترو وصدام حسين وسلوبودان ميلوسيفيتش مازالوا في السلطة· لكن ذلك لا يمنع أن الولايات المتحدة تتحسس كل يوم وزن قوتها بعيداً عن أي ميل إلى التضاؤل· فهذه البلاد تتمتع بقوة ساحقة وبتفوق في ثلاثة مجالات رئيسية:

- التكنولوجيا: في تفنيد آراء كثير من الخبراء، أثبتت حرب كوسوفو أنه يمكن تحقيق النصر في الحرب من دون أن يتكبد المنتصر أدنى خسارة في المعارك· وكان ينبغي حشد مقادير عظيمة من المعدات بكلفة عظيمة مثلها لا يملكها أي بلد آخر في العالم· وليس هناك غير احتمال ضعيف جداً لأن تتغير هذه الحقيقة إذا أخذنا في الاعتبار الفرق الشاسع بين الانفاق على الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة ومثيله في الدول الأخرى·

- الاقتصاد: يتمتع الأمريكيون منذ ثماني سنوات بنمو اقتصادي متواصل· وهذا الاقتصاد خلق ملايين فرص العمل فأدى إلى خفض البطالة إلى أدنى مستوياتها (4.3 في المئة) فظهر خطر التضخم وهذا ما حدا برئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) إلى تتبع ذلك عن كثب·

ثم بلغت كتل رؤوس الأموال، ومنها صناديق التقاعد مستويات عالية أدت إلى توظيفها في الخارج· ويعرف الجميع الآن أن الأجانب يملكون 40 في المئة من أسهم بورصة باريس·

- الثقافة: في هذا الصدد يمكننا أن نتذكر المقولة المشهورة التي صدرت من أبتون سنكلير في عام 1917: "بفضل السينما يتوحد العالم، أي يتأمرك" وفي هذه الأيام تحتل الأفلام الأمريكية معظم صالات العرض الفرنسية· وإذا شاهدت التلفزيون يمكنك أن تتحقق من قوة تأثير نمط الحياة الأمريكي حتى في أوروبا، فلا يبقى مواجهة غير الإسلام· وبعد ابنة ستالين، نال ابن الزعيم السوفييتي الراحل نيكيتا خروشوف الجنسية الأمريكية!

هل يعني ذلك أن هيمنة الولايات المتحدة على العالم هي واقع حقيقي غير قابل للنقض يصدر من بلد استطاع  أن يصهر في أمة واحدة هي الأقوى الآن عناصر إثنية آتية من جميع أنحاء العالم كانت ستبقى محكومة بالتقاتل لو بقيت في أماكنها الأصلية؟ وهذه العملية تتواصل الآن بسرعة وأن دمج ذوي الأصول الأسبانية بلغ مستوى حدا بهؤلاء إلى أن يؤيدوا بغالبية كبيرة اعتبار اللغة الانكليزية اللغة الرسمية الوحيدة في كاليفورنيا: فهؤلاء الذين يتحدثون الأسبانية بالولادة اقتنعوا أن أبناءهم سيعثرون بسهولة أكبر على مكانهم في المجتمع وسيؤدون دراساتهم بلغة لم يعد يمكن تشبيهها بلغة شكسبير إلا من باب السخرية·

وعندما حاول الرئيس وودرو ولسون عام 1920 أن يروج بلا جدوى فكرة عصبة الأمم لتكون امتدادا دولياً للنموذج الأمريكي، لم يكن الرأي العام الأمريكي مهتماً بزيادة المساهمة العسكرية أو المالية للولايات المتحدة في نظام دولي جديد· وتحت تأثير صور الفظائع التي رأيناها في كوسوفو كان الموقف الغالب للرأي العام الأمريكي هو النأي بالنفس إن لم يكن اللامبالاة إزاء الدول الأجنبية التي لا تعرف خصوصياتها إلا بصعوبة·

لا شك أن الولايات المتحدة اعترتها في هذا القرن لاسيما في بدايته مطامح إمبراطورية· وهذه المطامح كانت تحرك دوماً، لغايات محددة بدقة، التكتلات الصناعية والمالية أو المعلوماتية الكبرى، لكن ليس الشعب بمجموعه· ومن هنا كان البيت الأبيض يستند دوماً إلى المصلحة القومية حتى يبرر تدخله الخارجي· وهو لم يستطع تلافي خفض ميزانية الشؤون الخارجية بواسطة الكونغرس· وإذا أضفنا إلى ذلك النفور من خطر تكبد خسائر في نزاع مسلح، يمكننا أن نوافق على قول وزير الدفاع الأسبق جوزف ناي في مجلة "فورين أفيرز" إن الولايات المتحدة هي "قوة عظمى متراجعة"·

كل ذلك يكفي لأن يغذي، برغم القوة الساحقة للولايات المتحدة، الشكوك في أهليتها للمحافظة إلى الأبد على هيمنتها المطلقة في مواجهة دول مثل الصين والهند تبرز أطماعها بوضوح، أو روسيا التي تجرعت كل أنواع الإهانات ولا تكف عن التمرد وغير ذلك من الدول مثل الأوروبية التي أعطت للمرة الأولى خلال حرب كوسوفو انطباعاً مفاده أنها راغبة في أن تعمل لنفسها·

"لوموند"

طباعة  

أشباح الحرب النووية تلوح فوق الهند وباكستان