يصادف يوم غد الثاني من أغسطس ذكرى مرور خمسين عاما على اتفاقيات جنيف، التي تظل مع بروتوكوليها الإضافيين، حجر الزاوية في توفير الحماية لضحايا النزاعات المسلحة،وحتى الآن، فقد صدقت 188 دولة على هذه الاتفاقيات التي تنص على حماية ضحايا النزاعات المسلحة·
وهذه المناسبة لن تكون مجرد احتفال بيوم 12 أغسطس، بل إنها ستكون مناسبة تاريخية مهمة لزيادة الوعي لدى العالم بالقواعد الموجودة لحماية الناس في أوقات الحرب، ولإثارة نقاش حول القانون الدولي الإنساني وتوسيع نطاقه، كذلك فإنها ستكون مناسبة تاريخية لصياغة خطة العمل الإنساني للقرن المقبل·
يصف رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الدكتور كورنيللو سوماروغا، الوضع في العالم بقوله "اليوم على أعتاب قرن جديد، وبعد سنوات معدودة من انتهاء الحرب الباردة، يبدو العالم بعيدا عن تحقيق أملنا المنشود في أن نعيش حياة يسودها السلام والأمن والأمان· فلا يزال الملايين من الضحايا في أمس الحاجة إلى أن نبادر بالحنو عليهم والرأفة بحالهم فنوفر لهم الحماية والمساعدة· إذ يظل كوكبنا الأرضي ممزقا، تدميه صراعات الإخوة، والمشاكل الناجمة عن مختلف صور التفاوتات الجائرة، وعدم المساواة، وكراهية الأجانب، والعنصرية، والبؤس الذي يعم مناطق شاسعة"· والحقيقة فإن هذا الوضع يحدو باللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تبذل المزيد من الجهود وأن تعمل ما في وسعها لتخفيف محنة ضحايا النزاعات المسلحة التي تدور رحاها في أرجاء واسعة من العالم فباحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وبالاحتفاظ بقدر من الإنسانية وسط لهيب النزاعات المسلحة، يمكن الحد من آلام البشر ومعاناتهم أثناء تلك النزاعات، وقد وضع القانون الدولي الإنسان لكي يسهم، قدر المستطاع، في التخفيف من وطأة ما يسببه النزاع المسلح من آلام ومعاناة إلى أن يتسنى إيجاد حل أو تسوية للنزاع·
يتمثل جوهر القانون الدولي الإنساني بتوفير الحماية لمن لا يشارك في القتال أو لمن توقف عن المشاركة فيه وكذلك بوضع القيود على اختيار وسائل القتال، وبخاصة الأسلحة، وأساليب القتال، كالخطط العسكرية· وتنص المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع على أن يعامل الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية معاملة إنسانية في جميع الأحوال، كما تحظر هذه المادة كافة أشكال الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية والكرامة الشخصية·
وتنص بنود القانون الدولي الإنساني كذلك على ضرورة عدول أطراف النزاع عن الإقدام على أية عمليات يتضح فيها، بما لا يدع مجالا للشك أن الهدف فيها ليس هدفا عسكريا بطبيعته، أو عن الإقدام على عمل هجومي يمكن أن يسبب خسائر مفرطة في أرواح المدنيين مقارنة مع النتيجة المرجوة من تلك العملية العسكرية· وتعتبر اتفاقيات جنيف المؤرخة 12 أغسطس 1949 جوهر القانون الدولي الإنساني من أجل حماية ضحايا الحرب· وهذه المعاهدات المعترف بها دوليا تضمن الحماية للجرحى والمرضى وأسرى الحرب والأشخاص المدنيين الذين وقعوا في قبضة الأعداء· كذلك تضمن هذه الاتفاقيات الحماية للنشاط الطبي، ولأفراد الوحدات الطبية المكلفة بتقديم المساعدة والإسعاف، وللمستشفيات، وباقي وسائل النقل الطبي، كما نص البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، أما البرتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 فقد نص على حماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية·
ويشكل تنفيذ القانون الدولي الإنساني التحدي الرئيسي في عصرنا الحالي: أي كيف يمكن تحويل القواعد إلى أفعال؟ والواقع إن التنفيذ الفعال والكفؤ للقانون الحالي، بما في ذلك الالتزام بضمان احترامه، يمثل مطلبا أشد إلحاحا وأكثر أهمية من وضع قواعد جديدة· إن توفير الحماية الفعالة لضحايا النزاع المسلح يرتهن أولا وأخيرا بالتطبيق الدقيق لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني سواء في وقت الحرب أو في وقت السلم·
وينبغي على الدول أن تكفل الامتثال لجميع أحكام القانون الدولي الإنساني، بما فيها الأحكام التي تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية، وتلك التي تحكم استخدام الأسلحة· كما يتعين على الدول أن تتخذ كافة التدابير اللازمة لمنع انتهاك تلك القواعد، أو وضع حد لها في حال حصولها، ومع ذلك يبقى التشريع الجنائي أنسب الطرق وأكفأها في التعامل مع مختلف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وبالفعل، فقد بادرت عدة دول إلى وضع قانون جنائي لمعاقبة أية انتهاكات لأحكام المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف وفي البروتوكول الإضافي الثاني، والتي تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية·
وتمهيدا للاحتفال بالذكرى الخمسين لاتفاقيات جنيف، فقد قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحملة عنوانها "الناس والحرب" جرى خلالها استطلاع واسع لدى الأشخاص الذي تأثروا بالصراعات وضمن احتفالاتها بهذه المناسبة المهمة، ستقوم اللجنة الدولية بإطلاق نداء لتدعيم القانون الدولي الإنساني، الذي ربما كان منقوصا، لكنه لا يزال قائما وصالحا بأكمله فهناك الكثير من الحالات المهمة التي كان للقانون الدولي الإنساني تأثير مهم فيها بالنسبة لحماية المدنيين والسجناء والمرضى والجرحى وكذلك بالنسبة لوضع حد لاستخدام الأسلحة الفتاكة·
وسيُختتم هذا القرن بانعقاد المؤتمر الدولي السابع والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي سيعقد في نوفمبر المقبل في جنيف، وسيتيح هذا المؤتمر لمكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر "اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر" إمكانية تكثيف الحوار مع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف حول كل ما يتصل بالعمل الإنساني وتطبيق القانون الدولي الإنساني·
في كلمة له أمام الجمعية العامة لاتحاد الجامعات الأوروبية، يستشهد الدكتور سوماروغا بحكمة قالها "سيسيرو" وهو أحد فلاسفة الرومان القدماء، مفادها أن هناك "طريقتين لحل أي خلاف وتسويته، أولاهما أن يناقش الطرفان أسباب خلافهما، والثانية هي اللجوء إلى القوة، والطريقة الأولى تناسب بني البشر، أما الثانية فهي الطريقة التي تناسب الدواب" فما يعوز القانون الدولي الإنساني هو أن تتوافر الرغبة في احترام قواعده·
ومن يدري، فربما استطعنا في يوم من الأيام أن نضع حدا لكل نزاع، فالإنسان لم يفقد الأمل في بلوغ هذا الهدف المثالي، أي القضاء على الحرب نهائيا في التاريخ المقبل للإنسانية، فحتى الحرب لها حدود ومن حق أطفال العالم أن يعيشوا بسلام في عالم أكثر عدالة·
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
البعثة الإقليمية لشبه الجزيرة العربية
- الكويت