في شوارع مدينة طالوقان الأفغانية الشمالية المغبرّة تختلط الحمير بلا اكتراث بسيارات الدفع الرباعي اليابانية التي يستقلها رجال القائد أحمد شاه مسعود· وهذه المدينة الواقعة شمال قمم جبال هندوكوش الثلجية تحولت عاصمة للمعارضة حيث يقيم الزعيم العسكري الأوحد "مسعود" غالبية أيامه، وهذا القائد الذي بلغ السادسة والأربعين قضى منها عشرين في الحرب، ليتولى الآن مهمة قيادة جميع العمليات الحربية ضد حركة "طالبان" وهذه مهمة غير بسيطة في بلد ذي جبهات مشتعلة صارت فيه الاتصالات صعبة بفعل الجغرافيا·
وكما يتوقع كثيرون في منتصف كل صيف قاتل، يبدو القائد مسعود واثقا، وإذا لم يكن يثق في السيطرة على كل أراضي البلاد، فهو يستطيع على الأقل المحافظة على مواقعه أو استعادة بعض من غيرها، وعن ذلك قال : "الوحدة التي صمم عليها كل المعارضين "الطالبان" في العمليات العسكرية هي الشيء الأعظم أهمية الذي حققناه هذا الشتاء"·
وكان طرد القائد الأوزبكي الجنرال عبد الرشيد دوستم والزعيم الباشتوني قلب الدين حكمتيار (لاجئان الآن في إيران) عاملا أتاح اتفاق الوحدة· غير أن هذا الاتفاق يبقى غير كامل على نحو ما أثبت سقوط مقاطعة باميان (التي كان يسيطر عليها حزب الوحدة الشيعي) مرة ثانية في التاسع من مايو بأيدي "الطالبان" بعد انشقاقات في صفوف الشيعة الذين استعادوها في 21 أبريل الماضي، وفي الوقت الحالي تدور غالبية العمليات الحربية في وسط البلاد حيث سجلت المعارضة بعض النقاط في الشتاء، وفي الشمال حول قوندوز التي يؤكد القائد مسعود أن السبب الوحيد لعدم القدرة على استعادتها هو نقص الزخيرة·
لكن الوحدة العسكرية لا ترقى إلى وحدة سياسية، فلا شك أن إيران التي تدعم على سبيل المثال القائد مسعود لا ترغب في أن يحقق الانتصار وحده، وبرغم أن هذا الأخير يؤكد أنه مطمئن، فقد رأى بعض المراقبين في اجتماع مشهد "في إيران" الذي حضرته جميع الفصائل المعارضة باستثناء ممثليه، وسيلة لإضعاف قدرة مسعود على فرض شروطه، وحسب ما يقول مسؤول سياسي كبير "تريد إيران أن تتحرر من اضطرارها إلى تمرير المساعدات بواسطة مسعود، وهي تبحث عن فتح ممر مباشر نحو الشيعة، وكانت الاضطرابات الأخيرة في مدينة هيرات التي قمعتها "طالبان" بقسوة صورة توضح سبب السعي الإيراني·
غير أن القائد يؤكد أن "الوضع أفضل هذه السنة لما كان السكان الذين تذوقوا مرارة طعم الطالبان مستعدين للتمرد الآن، وإذا توقف الباكستانيون عن التدخل بكثافة أكثر فأكثر لا يعجز الطالبان على التقدم فحسب، إنما يضطرون إلى التراجع"· واستنادا إليه، يشارك نحو 3500 جندي نظامي باكستاني ينتمون إلى وحدات الكوماندوس في الحرب الأفغانية، وهذا التأكيد غير المثبت الذي تنفيه إسلام أباد يدل على أن "طالبان" عاجزة عن تجنيد المزيد في المقاتلين أو دفعهم إلى المعارك·
يؤكد أحد المراقبين أن مسعود يعاني صعوبات في إمداد قواته، وقال هذا المراقب أن القائد الأفغاني "صرف كثيرا من الوقت هذا الشتاء في تنظيم خطوط الإمداد لكن تنقصه وسائل النقل والذخائر، وهامش المناورة لديه يتوقف على أن يغنم الأسلحة من الطالبان، وهو يملك ما يتيح له الدفاع عن النفس أو شن هجمات أحيانا· لكن هذا كل شيء· وتكتيك القائد مسعود يتمثل الآن في ابقاء الطالبان مشغولين بــ "الحرب" وبمحاولة الاستفادة من نقاط ضعفهم لإطلاق هجوم· وهكذا لا يمكن التحدث عن آفاق للسلام الآن، وعن ذلك قال مسعود: "آمل أن يحل السلام، لكن الطالبان وباكستان تريدان حل الأزمة بالسلاح، ولذلك نقاتل"·
من جهته، يؤكد الدكتور عبد الله نائب وزير الخارجية (في حكومة الرئيس المخلوع برهان الدين رباني) وأحد مستشاري مسعود أنه على باكستان والطالبان أن تقتنعا بأن الانتصار العسكري مستحيل، ويعتبر مفهوم الإمارة الإسلامية الذي تنادي به "طالبان" وتقيم بناء عليه نظاما يرأسه الملا عمر، مفهوما مرفوضا بحزم من المعارضة، ويؤكد الدكتور عبد الله أن أي اتفاق مع هذه الحركة الأصولية يبقى بلا أي قيمة ما بقيت متمسكة بهذا المفهوم·
ردا على اقتراح للملك السابق ظاهر شاه قلّلت طالبان من شأنه، ويقضي بجمع 30 شخصية أفغانية تحضر لاجتماع مجلس "لويا جيدنما" "مجلس الحل والعقد" أعطى مسعود إجابة مهذبة فقال: "نفعل ما يمكننا" لكن الناس الذين أرهقتهم الحرب يردون بالمقابل على هذا الاقتراح بأمل· وفي هذا الشأن يؤكد مراقب مستقل أن "الناس كانوا سعداء وتواقين لعودة ظاهر شاه حتى يعيد السلام والاستقرار، فهم يعتبرونه قادرا على استعادة الوحدة "ويضيف" السكان لا سيما الطاجيك يقفون وراء مسعود، لكنهم تعبوا من الحرب ولا يريدون استمرارها، والمشكلة الوحيدة أنفسهم سئموا القتال الذي لا يرون فيه أملا، ويؤكد هذا المراقب أن الفقر وغياب الموارد هو السبب الذي يدفع الشبان إلى القتال "مقابل نحو عشرة دولارات في الشهر للمقاتل وخمسة دولارات للاحتياطي"·
بمرور السنين اتخذت الحرب طابعا اثنيا، وكان خوف العرقيات الرئيسية، فضلا عن الثانوية، يشكل عائقا أمام بلوغ تسوية، وهناك عائق داخلي آخر يشتكي منه كثير من المتخصصين: وهو أن القادة الميدانيين لا يفقدون في حال إبرام تسوية سلطاتهم فحسب إنما مصادر عائداتهم، ويكفيك أن تشاهد البيوت المدهشة التي بناها هؤلاء حتى تتساءل عن مصادر الثروات التي يتمتعون بها·
والحرب تفيد أيضا بعض جيران أفغانستان، والمخدرات المزروعة وتحديدا في ولاية بادخشان التي يسيطر عليها مسعود والمكررة في عدد من المختبرات على طول الحدود مع طاجيكستان تستفيد منها المافيا المقيمة في دوشنبه، ويؤكد أحد المراقبين أن "تجارة المخدرات تمثل ضعفي الموازنة الرسمية، والطاجيك الذين يعتبرون مسعود رجلهم ليس لهم أي مصلحة في تغيير الأوضاع، فالعاصمة الطاجيكية حيث يملك مسعود، منزلا هي مسرح التحويلات المالية التي تغذي الحرب·· والتجار الطاجيك أيضا·
في غياب الرغبة الحقيقية في السلام، لا يبدي غالبية اللاعبين الداخليين كما الخارجيين استعدادا لقبول تسوية، وهكذا يُخشى من أن يستمر النزاع الأفغاني طويلا·
لكن مسعود يحرص على التزام التفاؤل ويقول ضاحكاً: "أنا واثق من أنني سأشهد السلام وسأشارك في إعادة تأهيل أفغانستان"·
(لوموند)